مجلس الأمن الدولي يحذر من ضياع جيل كامل في السودان بسبب الحرب

نيويورك/ الخرطوم: (ديسمبر)

 

عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعا بصيغة «أريا» بشأن حماية التعليم في السودان في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، في يوم 7 أغسطس 2026، وبدعوة من جمهورية الصومال، وبمشاركة جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا.

لجنة المعلمين ترحب

ورحبت لجنة المعلمين في بيان بتاريخ 8 أغسطس بانعقاد هذا الاجتماع وشددت على أن أهميته تكمن في وضع قضية التعليم في السودان داخل إطار الحقوق والحماية وحماية المدنيين، وليس باعتبارها مجرد خدمة عامة تضررت بسبب الحرب.

واعتبر البيان أن ما طُرح في الاجتماع من قضايا ومخاطر هو في جوهره ما ظلت تطرحه وتطالب به لجنة المعلمين منذ اندلاع الحرب، وما عملت على إبرازه عبر بياناتها وحراكها داخل السودان وخارجه؛ من حماية المدارس والطلاب والمعلمين، إلى ضمان استمرار التعليم، وحماية حقوق المعلمين، ومعالجة أوضاع الطلاب المتأثرين بالحرب، وضمان حقهم في الامتحانات الوطنية.

وأشارت لجنة المعلمين إلى أن انتقال قضية حماية التعليم إلى مستوى النقاش الدولي خطوة مهمة، لكنها ينبغي أن تتجاوز التوصيف وإبداء القلق إلى إجراءات عملية والتزامات واضحة وآليات متابعة ومساءلة.

ودعا البيان أطراف النزاع والمجتمعين الإقليمي والدولي على حماية التعليم باعتباره حقاً، وإدراج التعليم صراحة ضمن أجندة حماية المدنيين، وضمان حق جميع الأطفال في التعليم الآمن والمستمر، دون تمييز بسبب موقعهم الجغرافي أو النزوح أو مناطق السيطرة.

وطالبت لجنة المعلمين بحماية المدارس والمؤسسات التعليمية ووقف استهداف المدارس والمنشآت التعليمية، وعدم استخدامها لأغراض عسكرية، وإخلاء المؤسسات التعليمية المستخدمة عسكرياً وإعادتها إلى وظيفتها المدنية.

وأكد البيان على ضرورة ضمان سلامة المعلمين والعاملين في التعليم، وحماية أجورهم وحقوقهم المهنية، ودعم المعلمين النازحين، وتوفير الدعم النفسي والمهني للمعلمين الذين يواصلون العمل في ظروف الحرب والطوارئ.

وجدد البيان التأكيد على أهمية ضمان استمرار التعليم وتوفير التمويل والدعم للتعليم الآمن والمرن في المناطق المتأثرة بالحرب، بما يشمل التعليم البديل، ومعالجة الفاقد التعليمي، ودعم الأطفال الذين فقدوا سنوات دراسية بسبب النزاع.

كما وطالب بضمان العدالة في الامتحانات وحق جميع الطلاب السودانيين في الوصول إلى الامتحانات الوطنية المعترف بها، ووضع ترتيبات آمنة ومرنة للطلاب النازحين وطلاب المناطق المتأثرة بالحرب، وعدم السماح للحرب بخلق واقع تعليمي وشهادات متوازية تعمق الانقسام الوطني.

دعت لجنة المعلمين إلى إنشاء آليات موثوقة لرصد وتوثيق الانتهاكات التي تطال التعليم، بما في ذلك استهداف المدارس، واستخدامها عسكرياً، والانتهاكات ضد الطلاب والمعلمين، وملاحقة المسؤولين عنها وضمان عدم الإفلات من العقاب. مع إدراج التعليم في ترتيبات السلام لتصبح حماية التعليم واستمراره جزءاً من أي ترتيبات لوقف إطلاق النار أو الهدن أو التسوية السياسية، وألا يُرحّل ملف التعليم إلى ما بعد انتهاء الحرب.

ودعت لجنة المعلمين الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الأفريقي و«إيقاد» وجامعة الدول العربية واليونيسف واليونسكو وسائر الشركاء الدوليين والإقليميين إلى التعامل مع التعليم في السودان باعتباره قضية حقوق وحماية وسلام، وتوفير الموارد اللازمة لحمايته واستمراره. كما دعت إلى تحويل ما ورد في اجتماع «أريا» من مواقف وتوصيات إلى برامج وآليات عملية يمكن قياس نتائجها، بحيث لا تبقى حماية التعليم في إطار البيانات والمواقف الدولية.

الاستثمار في السلام والتعافي والاستقرار

تحت عنوان: “حماية التعليم في السودان: الاستثمار في السلام والتعافي والاستقرار” عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً في السابع من أغسطس الجاري ناقش فيه التداعيات المباشرة لاستمرار الحرب على الأطفال وتدمير البنية التعليمية واستخدام المدارس لأغراض عسكرية فضلاً عن سبل إبقاء قنوات التعليم مفتوحة في مناطق النزاع ومخيمات النزوح واللجوء. وحذر المجلس من أن الحرب في السودان ألحقت أضراراً كارثية بالمنظومة التعليمية وتهدد بحرمان جيل كامل من حقه في التعلم، ودعا إلى حماية المدارس والطلاب والمعلمين وإدراج التعليم ضمن أولويات جهود وقف الحرب والتعافي وبناء السلام.

شارك في الاجتماع أعضاء مجلس الأمن وممثلين لمنظمات الأمم المتحدة ذات الصلة ومنظمات دولية وغير حكومية وخبراء في مجال التعليم وحماية الأطفال. خاطبت الاجتماع نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد وقالت إن الحرب حرمت ما لا يقل عن 8 ملايين طفل في سن الدراسة من الذهاب إلى المدارس، بينما تعرض 17 مليون طفل لاضطراب شديد في مسارهم التعليمي. وأوضحت أن الأمم المتحدة وشركاءها تمكنوا من إعادة أكثر من مليون طفل إلى “شكل من أشكال التعلم” لكنها شددت على أن هذه الجهود لا تزال غير كافية في ظل اتساع نطاق القتال واستمرار النزوح.

أكثر القطاعات تضررا

وقد تدارس الاجتماع حول مذكرة مفاهيمية تعكس عمق الأزمة التعليمية في السودان وتنطلق من حقيقة موثّقة مفادها أن التعليم كان من أكثر القطاعات تضرراً جراء الحرب المشتعلة منذ أبريل 2023 غير أن تداعياته لا تقف عند حدود ما يُفقده الطفل اليوم من سنوات دراسية بل تمتد إلى المستقبل البعيد. فالاضطراب المتواصل في منظومة التعليم يهدد بخلق شُح حاد في الكوادر المؤهلة التي ستحتاجها الدولة السودانية لإعادة بناء مؤسساتها العامة وإعادة تشغيل خدماتها الأساسية والنهوض بمسار التعافي الوطني الشامل وهي معادلة بسيطة في صياغتها بالغة الخطورة في مضمونها: لا تعافٍ بلا تعليم ولا استقرار بلا أجيال مؤهلة.  وحددت المذكرة ثلاثة أهداف رئيسية للاجتماع، أولها: رفع مستوى الوعي الدولي بتداعيات استمرار تعطل التعليم على حماية الطفل ومسارات التعافي والسلام المستدام، وثانيها: تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية لصون التعليم والحفاظ على إمكانية الوصول إليه في ظل النزاع، وثالثها: الخروج بتوصيات عملية قابلة للتطبيق تدعم جهود حماية التعليم وتسهم في تأمين التعافي السوداني على المدى البعيد. وتطرح المذكرة جملة من الأسئلة الجوهرية لتأطير النقاش أبرزها: كيف أثّر النزاع على وصول الأطفال إلى التعليم الآمن والمستمر وما الانعكاسات الأشمل على مستقبل السودان واستقراره؟ وما الإجراءات العملية الكفيلة بتوفير حماية أفضل للمدارس والطلاب والمعلمين والعاملين في القطاع التعليمي؟ وكيف يمكن للتعليم أن يُشكّل درعاً وقائية تحمي الأطفال من التجنيد القسري وسائر الانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها الأطراف المتحاربون وما الدور الذي يمكن للمجتمع الدولي أن يضطلع به في دعم هذه الجهود؟

 

وجاء في مداولات المجلس أن أزمة التعليم في السودان لا تقتصر على توقف الدراسة بل تمتد إلى تهديدات أوسع تمس حماية الأطفال ومستقبل الدولة. فاستمرار غياب التعليم يزيد مخاطر تجنيد الأطفال من جانب الجماعات المسلحة ويدفع بعضهم إلى سوق العمل أو الاتجار بالبشر، بينما تواجه الفتيات مخاطر متزايدة تشمل الزواج المبكر والاستغلال والعنف الجنسي. كما أن المدارس كانت توفر للأطفال مساحات آمنة وخدمات أساسية مثل الدعم النفسي والرعاية الصحية والمساعدات الغذائية ما يجعل تدميرها أو إغلاقها عاملاً إضافياً في تعميق الأزمة الإنسانية.

67 هجوما على المدارس

وأكدت الأمم المتحدة توثيق أكثر من 67 هجوماً على مدارس في أنحاء السودان منذ عام 2024، إلى جانب تسجيل أكثر من 154 حالة استخدام عسكري للمدارس. ولفتت إلى أن نحو نصف مباني المدارس لم يعد صالحاً للعمل كفصول دراسية، بعدما تعرض بعضها للقصف أو التدمير، فيما أُغلقت مدارس أخرى أو تحولت إلى ملاجئ للنازحين أو مواقع تستخدمها الأطراف المسلحة.

وأشار المشاركون إلى أن استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة يمثل أحد أبرز أسباب تدمير المدارس وسقوط الضحايا بين الأطفال. ووفق المعطيات التي نوقشت خلال الاجتماع، قُتل أو أصيب ما لا يقل عن 330 طفلاً خلال النصف الأول من عام 2026، وكان إقليما دارفور وكردفان الأكثر تضرراً، فيما ارتبط نحو 60 في المئة من هذه الإصابات بهجمات الطائرات المسيرة.

وحذر المشاركون من أن استمرار تعطيل التعليم ستكون له آثار طويلة الأمد على قدرة السودان على التعافي وإعادة بناء مؤسسات الدولة. فغياب التعليم لا يحرم الأطفال من المهارات الأساسية فحسب، بل يهدد أيضاً بتقليص قاعدة الكفاءات اللازمة لإعادة تشغيل الخدمات العامة وإصلاح القطاع الصحي وتعافي الاقتصاد ودعم الاستقرار السياسي والاجتماعي بعد انتهاء الحرب. واعتبر المشاركون أن التعليم ليس ملفاً إنسانياً هامشيا بل قضية ترتبط مباشرة بحماية الأطفال والتعافي الوطني والسلام والأمن.

ضرورة الالتزام بالقانون الدولي

ودعا الاجتماع طرفي النزاع إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وحماية المدارس والطلاب والعاملين في قطاع التعليم ووقف الهجمات على المنشآت التعليمية والكوادر التربوية. كما طالب القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بإنهاء الاستخدام العسكري للمدارس وضمان وصول آمن ومستدام ومن دون عوائق للجهات المعنية بالتعليم والحماية.

وشدد الاتحاد الأوروبي، في مداخلة خلال الاجتماع، على أن المدارس والمعلمين والطلاب يجب أن يحظوا بالحماية في جميع الظروف، وفقاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف واتفاقية حقوق الطفل وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. ودعا الاتحاد طرفي الحرب إلى احترام الالتزامات الواردة في “إعلان المدارس الآمنة”، ووقف استهداف المنشآت التعليمية أو استخدامها لأغراض عسكرية.

كما ركزت المداولات على ضرورة الحفاظ على وحدة النظام التعليمي السوداني ومنع تسييس المناهج والامتحانات. وأبدى المشاركون قلقاً من احتمال إجراء امتحانات منفصلة في المناطق الخاضعة لسيطرة أطراف مختلفة، معتبرين أن هذا المسار قد يعمق الانقسام التعليمي ويُضعف فرص الطلاب في الحصول على شهادات وطنية معترف بها. وشددوا على أهمية ضمان تكافؤ الفرص بين الطلاب داخل السودان والنازحين واللاجئين والحفاظ على نظام وطني موحد للامتحانات والتصديق.

توثيق الانتهاكات والمحاسبة

ودعا عدد من المشاركين إلى توثيق الانتهاكات المرتكبة ضد الأطفال والتعليم والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها. كما طُرحت الدعوة إلى توسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليشمل كامل الأراضي السودانية، بدلاً من اقتصاره على دارفور، إلى جانب تعزيز دور آليات الأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة وإلزام الأطراف بخطط عمل لمنع الانتهاكات الجسيمة.

وعلى الصعيد العملي، أوصى الاجتماع بتكثيف الدعم الدولي لبرامج التعليم في حالات الطوارئ، وتمويل المبادرات المحلية وغرف الاستجابة والمنظمات التي تواصل تقديم خدمات التعلم في المناطق المتضررة. وشملت الأولويات المقترحة إعادة تأهيل المدارس وتوفير التعليم المؤقت والبديل وتدريب المعلمين وتقديم الدعم النفسي للأطفال وتأمين وسائل نقل آمنة وضمان استمرار تعليم الفتيات والأطفال ذوي الإعاقة والنازحين واللاجئين.

وأعلن الاتحاد الأوروبي في الاجتماع أن تمويله الإنساني للسودان والدول المجاورة بلغ 276.3 مليون يورو خلال عام 2026، خصص منها 93.85 مليون يورو لدعم التعليم الابتدائي الآمن والشامل في ظل الحرب. كما أكد أهمية الحفاظ على سلامة نظام التعليم الوطني، بما في ذلك الامتحانات والشهادات، بموجب خطة التعليم الانتقالية السودانية للفترة 2025-2027. وأكد الاتحاد الأوروبي أن أولوياته في السودان تتمثل في التوصل إلى وقف إطلاق نار حقيقي ودائم وضمان وصول المساعدات وحماية المدنيين والعودة إلى حكم مدني شامل وتحقيق العدالة والمساءلة. كما أشار إلى مشاركته في جهود دولية لإعداد آلية للتحقق من وقف إطلاق النار ومراقبته، والعمل على حماية البنية التحتية المدنية الحيوية

وبرز في الاجتماع توافق واسع على أن وقف إطلاق النار يمثل الشرط الأساسي لإعادة الأطفال إلى المدارس وفتح المجال أمام المساعدات وإعادة تأهيل المنشآت التعليمية. كما شدد المشاركون على ضرورة ضمان وصول إنساني آمن ومن دون عوائق وحماية المدنيين والبنية التحتية وممارسة ضغط مستمر على طرفي النزاع للوفاء بالتزاماتهما.

غياب القرارات الملزمة

ورغم أن الاجتماع لم يصدر عنه أي قرار ملزم أو إجراء تنفيذي جديد إلا أنه أسهم في وضع انهيار التعليم ضمن أجندة الأمن والسلام الخاصة بالسودان وربط بين حماية المدارس ووقف تجنيد الأطفال والتعافي الاقتصادي وبناء السلام المستدام. كما حمل الاجتماع رسائل متعددة المستويات أبرزها أن الاستثمار في التعليم هو في جوهره استثمار في السلام لأنه لا يمكن الحديث عن تعافٍ مجتمعي حقيقي أو إعادة إعمار وطن بينما يبقى ملايين أطفاله في الشوارع. وطالب المجتمعون بوقف الحرب وضمان وصول جميع الأطفال إلى التعليم دون تمييز وتأمين الامتحانات الوطنية لطلاب السودان داخل البلاد وخارجها وتوفير الدعم المالي والفني لإعادة تشغيل المؤسسات التعليمية في أرجاء البلاد كافة. أما الرسالة المباشرة إلى أطراف النزاع في السودان مفادها أن الحرب التي يخوضونها لا تستهدف الأرض والموارد فقط بل تستهدف في الوقت ذاته المستقبل الذي لا يمكن بناؤه إلا من خلال أجيال متعلمة واعية قادرة على نقل السودان من دوامة الصراع إلى مسارات البناء والسلام. فالحرب السودانية لا تدمر حاضر الأطفال فحسب، بل تهدد مستقبل الدولة وقدرتها على إعادة بناء مؤسساتها. فكل عام إضافي خارج المدرسة يوسع فجوة التعليم ويزيد مخاطر الاستغلال والتجنيد والانقسام الاجتماعي ما يجعل حماية التعليم جزء اً لا يتجزأ من أي استراتيجية لإنهاء الحرب ودعم السلام والتعافي في السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *