تشريعي بورتسودان بين خلافات الحلفاء ووصفة الفلول وتطلعات البرهان!!

(تشريعي) بورتسودان بين خلافات الحلفاء ووصفة (الفلول) وتطلعات (البرهان)!!

تقرير: القسم السياسي

شرع قائد الجيش الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان خلال الأسبوع الماضي في إجراء مشاورات مع حلفائه السياسيين المساندين للجيش في حربه التي يخوضها ضد الدعم السريع منذ 15 أبريل 2023م لبحث تكوين المجلس التشريعي الانتقالي (البرلمان)، وهو تحرك أثار العديد من الاستفسارات والتكهنات حول أهدافه الحقيقية ومغزاه ودوافعه وتوقيته.

نجد أن التحالف السياسي المساند لقائد الجيش تشكلت ملامحه الأساسية في أيام صفاء مكوناته إبان التآمر ضد الحكومة المدنية الانتقالية بإعلان بعض المجموعات السياسية عن تكوين جناح جديد للحرية والتغيير تحت مسمى (الحرية والتغيير – التوافق الوطني) التي انتقلت لاحقاً لتصبح (الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية)، حيث ضم الشكل الجديد مجموعات لم تكن في الأساس ضمن عضوية الحرية والتغيير، أبرزها الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل الذي ترأس ممثله جعفر الميرغني الكتلة الديمقراطية.

جرت مياه كثيرة تحت الجسور. فالجمع المتفق على إسقاط وتقويض الحكومة الانتقالية باعتصام القصر -الذي عُرف شعبياً باسم (اعتصام الموز) بسبب ظهور مقاطع فيديو في اليوم الأول تظهر سيارات تجوب ساحة الاعتصام توزع الموز- الذي انتهى بانقلاب 25 أكتوبر 2021م، بشراكة كاملة بين الجيش والدعم السريع وحلفائهم السياسيين، بدأ في التحلل جراء تباينات عديدة على رأسها الظهور العلني لحزب المؤتمر الوطني المحلول، ثم الاتفاق الإطاري، وانتهاءً باندلاع حرب 15 أبريل، وانتقل (الدعم السريع) من خانة الحلفاء إلى العداء المطلق.

تغيرات المواقف والتشابكات الداخلية بين أولئك الحلفاء لم يتغير بسبب تحولات الحرب واصطفافاتها بين تلك المجموعات السياسية، وإنما جراء تنافس مكوناتها على السلطة، في وقت يوظف قائد الجيش كل معطيات وتداعيات الحرب لتعزيز قبضته وانفراده بالسلطة عبر سيطرته على جهاز الدولة والمال والسلاح والمعلومات والعلاقات الخارجية، ولم يترك لحلفائه سوى بضعة (كراسي) و(مسؤوليات) وقليل من (المال). لذلك فإن هذه الوضعية جعلت قائد الجيش هو الفاعل العسكري والسياسي والمالي والإعلامي الأكبر والأبرز بشخصه، لا مؤسسته.

 

خلافات تخرج للعلن

ظلت المؤشرات العامة تشير لتوتر العلاقات بين البرهان والأطراف الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، خاصة حركة وجيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي. أما وزير المالية ورئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم فهو خارج مرمى النيران مؤقتاً لعوامل شتى، من بينها علاقته بالإسلاميين والحزب المحلول وتنظيم الحركة الإسلامية بقيادة علي كرتي.

وضح أن مناوي غير “راضٍ” عن خارطة طريق السلام التي قدمتها سلطة بورتسودان الداعية لتجميع الدعم السريع في معسكرات بدارفور بعد انسحابه من كردفان ودارفور، معتبراً تلك الخارطة “أعلنت دون مشاورات وتحمل توجهات انفصالية”. أما الخلاف الثاني فكان التنازع حول أيلولة وزارة المعادن لحركته، وانتقل الأمر للاعتراض على مرشحها للموقع؛ الوزير الحالي نورالدائم طه، الذي ترددت أنباء عن رفضه بسبب “نتيجة الفحص الأمني”، وهو ما دفع مناوي للقول “بعدم وجود مرشح من طرفهم يتم رفضه”، وهي رسالة فهم منها ضمناً أن المقصود بالتحدي هو البرهان شخصياً، لا سواه.

 

بعيداً عن كل ذلك فإن الخلاف الأعمق بين الرجلين بدت في اعتراضات مناوي على تعديلات الوثيقة الدستورية لسنة 2025م، والتي تمسك فيها بمطلب مقعد النائب الأول لرئيس مجلس السيادة مع منحه صلاحيات، واقتراحه معالجة وضعية النائب الحالي مالك عقار بوجود نائب أول بصلاحيات هو شخصه، ونائب هو عقار يتم الاتفاق على صلاحياته لاحقاً.

تعارض هذا المقترح مع الهدف الأساسي للبرهان من خلال سعيه لتكريس الصلاحيات والسلطات في يد مجلس السيادة، بما في ذلك نزع صلاحيات نصت عليها وثيقة 2019م بعد سقوط النظام وانتصار ثورة ديسمبر، على رأسها تبعية البنك المركزي وديوان المراجع القومي والعلاقات الخارجية وتعيين مديري الشرطة وجهاز المخابرات العامة بواسطة مجلس السيادة عوضاً عن رئيس الوزراء، والذي بات تعيينه وإعفاؤه من منصبه ضمن سلطات مجلس السيادة وليس إجراءً شكلياً. أجيزت تعديلات الوثيقة الدستورية بالكيفية التي اقترحها البرهان وتم إسقاط مقترح مناوي الخاص بالنائب الأول ونائب رئيس مجلس السيادة.

 

مزيد من التصدع

أفضت تحركات البرهان الأخيرة المتسارعة صوب تكوين مجلس تشريعي لتصدعات وسط المجموعات المتحالفة معه، حيث رشحت أنباء أشارت لحدوث مواجهة عنيفة بينه وبين قيادات الكتلة الديمقراطية. وتأكدت (ديسمبر) من مصادرها الخاصة التي طلبت حجب الأسماء لحساسية وضعها بأن المواجهة المذكورة “حدثت بطريقة أعنف مما نُقل وتدوول على المستوى الإعلامي”.

وطبقاً لتلك المصادر، فإن تصعيد الحزب الاتحادي “الأصل” وتلويحه العلني بالخروج من الكتلة الديمقراطية واتخاذ خطوات أكثر تصعيداً يأتي في هذا السياق، وأشاروا لـ”دهشة كاملة اعترت نائب رئيس الحزب جعفر الميرغني وقياداته من اللغة والطريقة التي خاطبه بها البرهان في ذلك الاجتماع، بخلاف ما اعتاد أن يظهره من ادعاء الاحترام والتقدير للميرغني الأب والابن والطريقة الختمية”، وخلال ذلك الاجتماع كان البرهان “فظاً وحاداً في لغته وتعبيراته”.

الجهة الثانية التي حظيت بنصيب وافر من الحديث الموجَّه من البرهان في ذلك الاجتماع كانت الحركات الموقعة على اتفاق سلام جوبا عموماً ومناوي على وجه الخصوص، ومن الواضح أن الأيام دارت عليه. فذات الأسلوب الذي تم استخدامه وتوظيفه لتقويض سلطة الحكومة الانتقالية بدفعه للانسلاخ والانقسام من الجسم الأم تدور الأيام ويشرب من ذات الكأس حينما يشاهد من كانوا معه يتحالفون ضده علناً ويساندون قائد الجيش ويضربون حوله سياجاً متيناً من عزلة ليست سياسية فقط، وإنما حتى على مستوى قادته العسكريين من أجل إضعافه سياسياً وعسكرياً توطئة لخطوة ستأتي لاحقاً تنتهي بإبعاده أو تهميشه في أفضل الحالات في قت قريب.

في ذات السياق فإن الحركات الموقعة على اتفاق سلام جوبا قدمت تصورها لتكوين المجلس التشريعي ومنحت نفسها ربع المقاعد، وقامت بتقسيم بقية المقاعد على مكونات مختلفة بما في ذلك الجيش!!، لكن من الواضح أن ما سينفذ هو رسالة البرهان في الاجتماع مع الكتلة الديمقراطية بأنه من سيحدد الأنصبة وحجم التمثيل دون تحجج بالقواعد الجماهيرية لكون تلك الجماهير تساند الجيش وقياداته، لم يشأ أن يقول إن المساندة هذه لشخصه كقائد للجيش لكن يفهم هذا المعنى ضمنياً من السياق، ولذلك فإن عليهم “القبول بما ينالونه من نصيب التمثيل في التشريعي دون اعتراض”.

 

الأهداف والدوافع

يبقى السؤال المطروح: ما الذي يريده البرهان من إعلان تشكيل وتكوين مجلس تشريعي في هذا التوقيت؟ وفق المعطيات والسياقات المطروحة فإن هذه الخطوة تحمل دلالة رمزية باستكمال مؤسسات الحكم الديمقراطي، وبالتالي استخدامها ضمن أدوات إظهار استعادة الوضع والحكم المدني بالبلاد إعلامياً وسياسياً ثم دبلوماسياً، خاصة في أروقة الاتحاد الإفريقي لرفع تجميد عضوية السودان، بجانب تمثيل مجموعات ذات ارتباطات تحالفية لم يشملها التمثيل في مستويات السلطة السابقة بالمجلس السيادي أو الحكومة التابعة لسلطة بورتسودان، وعلى رأس هذه المجموعات القيادات الأهلية ومجموعات شبابية وسياسية وأكاديمية وغيرها مرتبطة بقائد الجيش واستخباراته.

أما الأهداف غير المعلنة لقائد الجيش من هذا التشكيل فأبرزها السعي لتغطية تمدد ووجود الحزب المحلول والحركة الإسلامية في مستويات الحكم الداخلية للوزارات والقوات النظامية والأجهزة العدلية والمستوى الولائي والمحلي والاقتصادي والمالي لإخفاء أثر هذا الوجود، وتعزيز وتعميق الصلة بالمجموعات المتحالفة معه لاستخدامها في خطوته القادمة للانفراد بالسلطة، عبر توظيف المجلس التشريعي المعين لاستكمال تعديلات الوثيقة الدستورية بالانتقال الكامل للنظام الرئاسي وإعلانه رئيساً للبلاد، مع إمكانية إضافة نائب أو اثنين لكن تتركز كل السلطات في يده منفرداً.

يتيح المجلس التشريعي مساحة لاستيعاب عدد من القيادات السياسية أو العسكرية المتموضعة في مراكز سياسية كمجلس سيادة سلطة بورتسودان، أو قيادة مؤسساتها الأمنية والعسكرية ضمن جهاز سياسي تشريعي “شكلي”، وهو ما قد يساعد في تقليل حدة الاعتراضات على الإبعاد من المواقع السابقة لصالح مواقع جديدة، ويجعل مساحة “الترضيات” والمعالجات في حدود ضيقة ومحدودة لشخص أو اثنين، أو حتى إمكانية إبعادهم باعتبارهم اعتذروا عن القبول بمواقع أو درجات أدنى. ورغم كل ذلك فالهدف الأساسي للبرهان الذي يسعى لتحقيقه بشتى السبل هو قيام المجلس التشريعي وبعد انعقاده “بتعديل النظام السياسي من النظام البرلماني الذي يرسخ السلطات والصلاحيات لحد كبير في يد رئيس الوزراء إلى نظام رئاسي يرسخ السلطات والصلاحيات بشكل أكبر في يد رئيس الجمهورية”.

من الواضح أن قائد الجيش يحتاط منذ البداية لإمكانية تعرض خطة أحلامه تلك للاعتراضات، مما قد يتسبب في إحراج سياسي له، وهو ما دفعه للعمل على تكوين مؤسسة تشريعية “مسيطر عليها بالكامل”، تكون الاعتراضات موجودة داخلها لكن القرار النهائي مسيطر عليه وتمريره مضمون، سواء كان في الإجراء الخاص بإعلان الانتقال للنظام الرئاسي، أو أي إجراءات مستقبلية بما في ذلك التدابير السياسية التي يعتزم القيام بها، بما في ذلك المصادقة على أي اتفاقيات ومعاهدات ذات طابع دولي بما يمنحها الصفة القانونية الدولية.

 

وصفة الحزب المحلول

خطوة انتقال البرهان للانفراد بالسلطة كرئيس للبلاد عبر صلاحيات واسعة تبدو كأنها فكرته التي تحركها دوافعه وطموحاته وأطماعه، لكنها في ذات الوقت تعتبر جزءاً من اتفاقه مع الحزب المحلول الذي حدد رؤيته المستقبلية في الورقة التي كتبها رئيسه أحمد هارون المؤرخة في 8 فبراير 2025م، إذ نجدها تتطابق مع خيارات قائد الجيش وخطواته السياسية والدستورية. فتلك الوثيقة أشارت لنقاط فسرت ما حدث سابقاً –تعديل الوثيقة الدستورية لسنة 2025م- وما سيليها لاحقاً –العودة لدستور 2005م بما في ذلك الصلاحيات الواسعة لرئيس الجمهورية- وما سيتبعه –تنظيم استفتاء شعبي لتفويض الجيش لتولي الرئاسة-، ومن المؤكد أن العبارة تعني تنظيم استفتاء لتولي قائد الجيش الحالي رئاسة البلاد.

مما ذكر سابقاً سنجد أن خطى البرهان لاحتكار السلطة تتم بتناغم كامل مع رؤية الحزب المحلول التي صاغها ونشرها أحمد هارون في فبراير 2025م، وهو تطابق يشمل المواقف والتطلعات والرغبات المشتركة بأن يحقق طموحات قائد الجيش في الانفراد بالسلطة وإعادة تمكين الحزب المحلول من السيطرة على مفاتيح العمل الولائي والمحلي ومؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والموارد الاقتصادية وإعادة تمكينهم مجدداً كما فضحه عقد صيانة كوبري الحلفايا الأسبوع الماضي، وما خفي أعظم.

نتيجة هذا المشهد تعزز تحالف يمثل فيه قائد الجيش “رأس الحكم” مع سيطرة “الحزب المحلول” على بقية مكونات ذلك الجسم، أما نصيب من يتشاركون معهما فلن يتجاوز فعلياً “بعض الشعر وقليل من الأظفار”. كما تصلح هذه المعطيات لإجابة سؤال دائماً يطرحه البرهان: “وين الكيزان؟!” والإجابة هنا قبل الأشخاص يوضحها تماثل وتطابق الرؤى والمواقف حذو النعل بالنعل بذات العبارات والمفردات حتى تساوت معها يد “البرهان” المرفوعة (بقبضة اليد المغلقة) مع تلك التي اشتهر بها “الكيزان” بـ(رفع الإصبع السبابة للأعلى). فالعبرة لا باختلاف المظاهر للأيادي المرفوعة وإنما باتفاق المقاصد المتطابقة في الرؤى والأهداف والنهايات، ومن ينظر لتلك المقاصد “سيجد الكيزان الذين يسأل ويبحث عنهم البرهان”!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *