حرمان نحو 11 مليون شخص من الحصول على الرعاية الصحية العاجلة والمنقذة للحياة
جنيف: (ديسمبر)
كشفت منظمة الصحة العالمية، في مؤتمر صحفي عقدته بمقرها الرئيسي في جنيف الجمعة الماضي، عن حقائق صادمة حول تدهور الأوضاع الصحية في مناطق النزاعات حول العالم. وخلال المؤتمر الذي خُصص لاستعراض أثر الهجمات على الرعاية الصحية في 29 دولة حول العالم، أكد ألطاف موساني، مدير دائرة التدخلات الصحية الطارئة بالمنظمة، أن السودان يمر بمرحلة هي الأخطر في تاريخه الحديث؛ حيث أدى استمرار النزاع الدامي إلى تعميق أسوأ أزمة صحية وإنسانية في العالم مخلفاً وراءه نظاماً طبياً مشلولاً وملايين الأرواح المهددة بالجوع والمرض. وأوضح موساني أن مرور ثلاث سنوات على الحرب دفع بالمنظومة الصحية السودانية نحو حافة الانهيار الكامل مع تزايد الاحتياجات الإنسانية لمستويات غير مسبوقة.
وكشفت المنظمة أن أكثر من ثلثي المستشفيات الرئيسية في المناطق المتأثرة بالنزاع باتت خارج الخدمة تماماً، بينما تواجه المرافق المتبقية خطر الإغلاق الوشيك نتيجة النقص الحاد في الكوادر الطبية والمستلزمات والمياه الصالحة للشرب والكهرباء. وعلى المستوى الوطني، لا تزال 37% من المرافق الصحية في ولايات السودان الـ18 غير قادرة على العمل، مما يحرم نحو 11 مليون شخص من الحصول على الرعاية الصحية العاجلة والمنقذة للحياة.
ووثقت منظمة الصحة العالمية تصعيداً خطيراً في الهجمات الممنهجة ضد قطاع الصحة، حيث شملت الاستهدافات المنشآت الطبية ومستودعات الأدوية ووسائل نقل الإمدادات، بالإضافة إلى الكوادر الطبية والمرضى. وأكدت المنظمة أن هذه الانتهاكات لا تعيق تقديم العلاج فحسب، بل تسببت في تعطيل نظام الرصد الوبائي، مما يجعل من الصعب اكتشاف وتأكيد تفشي الأمراض المعدية في الوقت المناسب.
وأكدت المنظمة أن لجنة مراجعة المجاعة (IPC) أكدت وجود ظروف مجاعة في أجزاء من شمال دارفور، بينما يواجه ملايين الأطفال خطر سوء التغذية الحاد. وبالتزامن مع نقص الغذاء، سجلت المنظمة انتشاراً واسعاً لأوبئة الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة وشلل الأطفال والتهاب الكبد الوبائي (E)، مما يضع عبئاً هائلاً على جهود الاستجابة الدولية المحدودة أصلاً بسبب العوائق الأمنية والبيروقراطية.
وشدد موساني على أن المنظمة- ورغم المخاطر الجسيمة- تواصل العمل مع شركائها لتوزيع المستلزمات الطبية وتعزيز الرقابة الوبائية، حيث تم إطلاق حملات تطعيم واسعة النطاق ضد الكوليرا في دارفور استهدفت 1.8 مليون شخص، بالإضافة إلى إدخال لقاح الملاريا لأول مرة في السودان. وأكد موساني على ضرورة أن يتجاوز التركيز مجرد إحصاء الهجمات ليسلط الضوء على تداعياتها الإنسانية – المتمثلة في تعطل الخدمات، والحرمان من الرعاية، وتأخير العلاجات – ومساءلة أطراف النزاعات. كما جدد التأكيد على موقف منظمة الصحة العالمية بأن “الرعاية الصحية ليست هدفاً، وأن السلام هو الدواء الوحيد المستدام”. وطالب المجتمع الدولي بضمان وصول آمن وغير مقيد للمساعدات إلى كافة أنحاء البلاد، وتوفير التمويل اللازم لمنع الانهيار الكامل لما تبقى من المنظومة الصحية.