الحق في العمل.. عندما يصبح الرزق ضحية أخرى للحرب
صفاء الزين
العمل حق أساسي يرتبط بكرامة الإنسان، واستقلاله، وقدرته على بناء حياته وحياة أسرته. فمن خلاله يحصل الإنسان على دخله، ويؤمّن احتياجات أسرته، ويشارك في مجتمعه، ويشعر بقيمته ودوره وقدرته على صناعة مستقبله. ولهذا يرتبط الحق في العمل بمجموعة واسعة من الحقوق الأخرى، مثل الغذاء، والسكن، والصحة، والتعليم، والضمان الاجتماعي. ومع فقدان الإنسان لعمله، تتسع دائرة الأزمات التي تحيط به، ويصبح تأمين أبسط احتياجات الحياة تحديًا يوميًا.
وفي بلادنا جاءت الحرب لتضرب واحدة من أهم دعائم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فمنذ اندلاعها في الخامس عشر من أبريل 2023م، تعرضت المؤسسات، والمصانع، والأسواق، والمزارع، ووسائل النقل، والمنشآت التجارية والخدمية لأضرار واسعة، وتوقفت أنشطة اقتصادية في مناطق كثيرة، وفقد عدد كبير من العاملين مصادر دخلهم. وأصبح ملايين السودانيين أمام واقع اقتصادي شديد القسوة، تتداخل فيه البطالة مع النزوح، والفقر، وارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات.
العمل حق مرتبط بالكرامة
الحق في العمل يتجاوز الحصول على وظيفة أو راتب، فهو حق الإنسان في الوصول إلى فرصة عمل عادلة، واختيار مهنته بحرية، والحصول على أجر منصف، والعمل داخل بيئة تحفظ سلامته وكرامته، والتمتع بالحماية الاجتماعية، وممارسة حقوقه النقابية والمهنية.
ولهذا يمثل العمل اللائق أحد مقومات الحياة الكريمة. فالإنسان الذي يعمل في ظروف آمنة، ويحصل على أجر منتظم، ويعرف أن حقوقه محفوظة، يمتلك قدرة أكبر على حماية أسرته واتخاذ قراراته باستقلال. أما العامل الذي يعيش تحت الخوف من الفصل، أو الجوع، أو الاستغلال، فتتراجع قدرته على الدفاع عن حقوقه أمام حاجته إلى البقاء. ومن هنا تمثل حماية العمل جزءًا من حماية الإنسان ذاته، لأن الاقتصاد يتصل مباشرة بحياة الناس، وقدرتهم على الاستقرار، والإنتاج، وصناعة مستقبلهم.
الحرب وتدمير سوق العمل
أحدثت الحرب خللًا واسعًا في سوق العمل السوداني. فقد توقفت مؤسسات القطاعين العام والخاص، والشركات، والمصانع، والمشروعات الإنتاجية، وتضررت البنية التحتية التي تقوم عليها الأنشطة الاقتصادية، وتراجعت حركة التجارة والنقل، وتعرضت قطاعات الزراعة، والثروة الحيوانية، والصناعة، والخدمات لضغوط شديدة.
وترافق ذلك مع نزوح أعداد كبيرة من العاملين وأصحاب الأعمال، فقد غادر العامل مكان عمله بحثًا عن الأمان، وترك صاحب المشروع منشأته، وفقد المزارع الوصول إلى أرضه، وأصبح الحرفي بعيدًا عن سوقه، ووجد الموظف نفسه أمام مستقبل وظيفي غامض. وهكذا فقدت الحرب ملايين الأشخاص مصادر دخلهم، فيما دخل آخرون سوق العمل في ظروف جديدة فرضتها الأزمة، دون حماية كافية أو استقرار اقتصادي.
عندما يفقد الإنسان مصدر رزقه
فقدان العمل أثناء الحرب يحمل آثارًا تتجاوز فقدان الراتب، فالأسرة التي تفقد مصدر دخلها تبدأ في تقليص الإنفاق على الغذاء، والعلاج، والتعليم، والسكن، وقد تضطر إلى بيع ممتلكاتها، أو الاستدانة، أو الاعتماد على المساعدات.
ومع استمرار الحرب، تحولت هذه التدابير المؤقتة إلى نمط حياة قاسٍ، وأصبح الفقر أكثر عمقًا، واتسعت قدرة الأزمة الاقتصادية على إعادة إنتاج نفسها داخل الأسر والمجتمعات. وتظهر هنا العلاقة المباشرة بين العمل وبقية الحقوق، فالعامل الذي يفقد دخله قد يفقد القدرة على دفع إيجار منزله، أو توفير العلاج لأطفاله، أو شراء الغذاء، أو مواصلة تعليمهم، ومن ثم تصبح حماية مصدر الرزق حمايةً لسلسلة واسعة من الحقوق الإنسانية.
العاملون في مناطق الحرب
يواجه العاملون في المناطق المتأثرة بالقتال ظروفًا شديدة الخطورة، فالمعلم، والطبيب، والعامل الزراعي، والسائق، والتاجر، والموظف، والعامل في الخدمات الأساسية، جميعهم يحاولون مواصلة حياتهم المهنية وسط بيئة أمنية واقتصادية مضطربة.
ويستحق العامل الذي يواصل أداء وظيفته في هذه الظروف حماية خاصة، لأن استمرار الخدمات الأساسية يعتمد بدرجة كبيرة على وجود هؤلاء الأشخاص في مواقعهم. فالطبيب يحتاج إلى الأمان حتى يواصل علاج المرضى، والمعلم يحتاج إلى بيئة آمنة حتى يحافظ على العملية التعليمية، والعامل الزراعي يحتاج إلى الوصول إلى أرضه حتى يستمر الإنتاج الغذائي. ومن هنا ترتبط حماية العاملين بحماية المجتمع نفسه، لأن توقف القطاعات الحيوية يقود إلى أزمات إضافية في الغذاء، والصحة، والتعليم، والخدمات.
النساء والحق في العمل
تتحمل النساء آثارًا اقتصادية كبيرة خلال الحروب، خاصة مع اتساع مسؤوليات الرعاية الأسرية، والنزوح، وفقدان مصادر الدخل. وقد تضطر كثير من النساء إلى دخول سوق العمل لأول مرة، أو توسيع أنشطتهن الاقتصادية لمواجهة احتياجات الأسرة بعد فقدان المعيل أو توقف مصدر الدخل.
وتواجه النساء في هذه الظروف تحديات تتعلق بالأجور، وفرص الوصول إلى العمل، والسلامة في أماكن العمل، والحصول على التمويل، والقدرة على التنقل، إضافة إلى أعباء الرعاية المنزلية. ولهذا تحتاج أي سياسة وطنية لإعادة بناء الاقتصاد إلى وضع النساء في مركز عملية التعافي، عبر توفير فرص العمل، ودعم المشروعات الصغيرة، وتسهيل الوصول إلى التمويل والتدريب، وتوفير بيئات عمل آمنة.
الشباب بين البطالة والحرب
يدفع الشباب السوداني ثمنًا كبيرًا من استمرار الحرب، خاصة مع تراجع فرص العمل، والتعليم، والتدريب. فالشاب الذي كان يخطط لبناء مستقبله يجد نفسه أمام اقتصاد منهك، وفرص محدودة، ونزوح أو لجوء، ومسؤوليات أسرية متزايدة.
وتزداد خطورة البطالة بين الشباب مع غياب الأفق، فالشاب الذي يفقد فرص التعليم والعمل يصبح أكثر عرضة للاستغلال، أو الانخراط في أنشطة خطرة، أو الهجرة القسرية بحثًا عن فرصة للحياة. ولهذا ينبغي أن يكون توفير فرص العمل للشباب بعد الحرب جزءًا أساسيًا من مشروع السلام، لأن بناء السلام يحتاج إلى أجيال ترى مستقبلًا أمامها، وتشعر أن لديها فرصة حقيقية للمشاركة في بناء وطنها.
العمل غير المنظم والاستغلال
أدت الحرب إلى توسع قطاعات العمل غير المنظم، حيث يعمل كثير من الأشخاص دون عقود واضحة، أو ضمانات اجتماعية، أو حماية مهنية. وقد يجد العامل نفسه مضطرًا إلى قبول أجور منخفضة، أو ساعات عمل طويلة، أو ظروف غير آمنة بسبب حاجته إلى الدخل.
وتزداد قابلية النازحين للاستغلال بسبب فقدان مصادر الدخل، والوثائق، وشبكات الحماية الاجتماعية. وقد يعمل البعض في مهن لا تتناسب مع خبراتهم أو مؤهلاتهم، فيما يقبل آخرون ظروفًا قاسية خوفًا من فقدان مصدر الرزق. وهنا تبرز مسؤولية الدولة في وضع سياسات تحمي العاملين في القطاعين المنظم وغير المنظم، وتمنع الاستغلال، وتضمن الحد الأدنى من الحقوق المهنية والإنسانية.
الأجر العادل والعمل اللائق
الأجر يمثل جوهر العلاقة بين العامل والعمل، فالحصول على راتب منتظم وعادل يمنح الأسرة قدرة على التخطيط لحياتها، فيما يؤدي انقطاع الأجور أو تراجع قيمتها إلى انهيار الاستقرار المعيشي.
وقد تعرض العاملون في السودان خلال الحرب لضغوط اقتصادية هائلة نتيجة تأخر الرواتب أو انقطاعها في بعض المناطق، إلى جانب الارتفاع الكبير في تكلفة المعيشة. وتحتاج الدولة في مرحلة التعافي إلى سياسة واضحة للأجور، تراعي الواقع الاقتصادي، وتحمي القوة الشرائية للعاملين، وتضمن انتظام الرواتب، وتحفظ حقوق الموظفين، والعمال، والمتقاعدين، وهذا تضطلع بمتابعته نقابات قوية مستقله نزيهة وفاعلة متحررة من قيود التمكين الحزبية، فالعمل الذي يحرم الإنسان من القدرة على الحياة الكريمة يفقد جزءًا أساسيًا من معناه الحقوقي.
الضمان الاجتماعي وحقوق المعاشيين
يرتبط الحق في العمل بالحق في الحماية الاجتماعية، فالعامل الذي أمضى سنوات من عمره في خدمة الدولة أو القطاع الخاص يحتاج إلى ضمانات تحميه عند المرض، أو العجز، أو التقاعد، أو فقدان مصدر الدخل.
وقد أضافت الحرب أعباء جديدة على المتقاعدين وأسرهم، خاصة مع ارتفاع تكاليف العلاج، والغذاء، والسكن. ولهذا تحتاج مرحلة ما بعد الحرب إلى مراجعة شاملة لمنظومة المعاشات، والتأمينات، والضمان الاجتماعي، وضمان وصول الحقوق إلى أصحابها دون تمييز جغرافي أو سياسي.
العمل وإعادة الإعمار
بعد توقف الحرب، سيكون السودان أمام مهمة ضخمة تتمثل في إعادة بناء المدن، والمنشآت، والطرق، والمصانع، والمدارس، والمستشفيات، وشبكات المياه والكهرباء. وهذه العملية تحتاج إلى أعداد كبيرة من العمال، والمهندسين، والفنيين، والحرفيين، والمزارعين، وأصحاب المهن المختلفة.
ومن هنا يمكن أن تتحول إعادة الإعمار إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء سوق العمل نفسه، عبر الاستثمار في التدريب المهني، وتأهيل الشباب، ودعم المشروعات الصغيرة، وتشجيع الإنتاج المحلي، وإعادة تشغيل المصانع والمزارع، بما يوفر من فرص عمل واسعة ويساعد الأسر على استعادة استقلالها الاقتصادي. وينبغي أن تقوم إعادة الإعمار على العدالة في توزيع الفرص، بحيث تصل الاستثمارات إلى المناطق المتضررة كافة، ويستفيد منها السكان المحليون، وتتحول عملية البناء إلى وسيلة لتقليل الفقر، وتعزيز الاستقرار، وتصحيح اختلالات التوزيع القديمة.
العمل جزء من بناء السلام
العمل يمثل أحد الجسور المهمة بين السلام والتنمية، فالمجتمع الذي يجد فيه الناس فرصًا للعمل والإنتاج يمتلك قدرة أكبر على تجاوز آثار الحرب، فيما يؤدي استمرار البطالة والفقر إلى توسيع دائرة الإحباط والتوتر.
ولهذا تحتاج اتفاقات السلام إلى إدماج الاقتصاد وسوق العمل داخل بنية التسوية نفسها. فوقف القتال يفتح الباب، والعمل يمنح الناس سببًا حقيقيًا لحماية السلام والاستمرار فيه. كما أن إعادة دمج المجتمعات المتضررة تحتاج إلى مشروعات اقتصادية مشتركة، تخلق مصالح متبادلة بين السكان، وتفتح مساحات للتعاون، وتعيد بناء الثقة التي دمرتها الحرب.
أي اقتصاد نريد بعد الحرب؟
إعادة بناء السودان تحتاج إلى تصور اقتصادي جديد يضع الإنسان في مركز التنمية، فالنمو الاقتصادي الذي لا يصل أثره إلى العامل، والأسرة، والقرية، والمدينة، يبقى بعيدًا عن جوهر العدالة الاجتماعية.
ويمتلك السودان موارد زراعية، وحيوانية، ومعدنية، وبشرية كبيرة، إلا أن تحويل هذه الموارد إلى تنمية حقيقية يحتاج إلى مؤسسات قوية، وقوانين عادلة، وبيئة استثمارية مستقرة، وقوة عمل مؤهلة، وسياسات تحمي المنتج، والعامل، والمستهلك.
ويحتاج السودان كذلك إلى إعادة الاعتبار للعمل المنتِج، وتشجيع الزراعة، والصناعة، والحرف، والمشروعات الصغيرة، وتطوير التعليم والتدريب المهني بما يربط مهارات الشباب باحتياجات الاقتصاد. وهنا يصبح العمل أداة لبناء قاعدة إنتاجية جديدة، واستعادة استقلال المجتمعات الاقتصادي، وتقليل هشاشتها أمام الأزمات المقبلة.
الحق في العمل وحق السودان في المستقبل
الحرب أخذت من السودانيين منازلهم، وأمنهم، وأعمالهم، وأجزاء واسعة من مصادر رزقهم، وإعادة بناء الوطن تحتاج إلى استعادة هذه الحقوق في منظومة واحدة مترابطة. فالمواطن يحتاج إلى السكن كي يستقر، وإلى الأمن كي يتحرك، وإلى التعليم كي يطور مهاراته، وإلى العمل كي يعيش بكرامة، وإلى الحماية الاجتماعية كي يشعر أن مستقبله محمي.
ومن هنا ينبغي أن يحتل الحق في العمل موقعًا أساسيًا في مشروع السودان بعد الحرب. فالدولة التي توفر العمل اللائق تمنح المواطن فرصة للاستقلال، والأسرة فرصة للاستقرار، والشباب فرصة لصناعة المستقبل. وبناء السودان يحتاج إلى إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان، والعمل، والدولة، بحيث يشعر المواطن أن جهده يحفظ كرامته، وأن أجره يكفي احتياجات أسرته، وأن القانون يصون حقوقه، وأن فرصه ترتبط بالكفاءة والإنتاج، بعيدًا عن الجغرافيا أو الولاء السياسي.
وفي هذا المستوى، يتحول الحق في العمل إلى أحد مرتكزات العقد الاجتماعي السوداني الجديد. وتصبح قدرة الدولة على خلق فرص منتجة وعادلة، وحماية الأجور، وتأمين الحقوق المهنية، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، معيارًا لفاعلية مؤسساتها وعدالة سياساتها. كما تصبح إعادة الإعمار فرصة لإعادة توزيع الإمكانات والمهارات والاستثمارات بصورة تعالج بعض الاختلالات التاريخية التي ساهمت في التهميش والفقر والاضطراب.
وتحتاج مرحلة التعافي إلى سياسة وطنية للتشغيل تستند إلى خريطة دقيقة للبطالة، والمهارات، ومناطق الإنتاج، والقطاعات القادرة على توليد الوظائف، مع برامج واسعة للتدريب المهني، وإعادة تأهيل العمال، ودمج النازحين والعائدين، وتمكين النساء والشباب، ودعم الاقتصادات المحلية في المدن والقرى. فهذه السياسة تستطيع تحويل العمل إلى أداة لإعادة دمج المجتمع، وتقليل دوافع الهجرة، وتجفيف منابع التجنيد والعنف، وتعزيز السلم الأهلي.
كما تبرز ضرورة حماية اقتصاد ما بعد الحرب من احتكار العقود والفرص بواسطة شبكات النفوذ والمال، لأن إعادة إنتاج التفاوت القديم داخل مرحلة الإعمار ستنقل أسباب النزاع إلى دورة جديدة. والعدالة تقتضي أن تصل فرص العمل، والتدريب، والتمويل، والاستثمار إلى جميع الأقاليم، وأن يستفيد المنتجون والعاملون والمجتمعات المحلية من ثمار التعافي، وأن تتحول الموارد الوطنية من مجال للتنافس والاحتكار إلى قاعدة للإنتاج وتوسيع الفرص.
والاختبار الأعمق للسودان بعد الحرب سيكون في قدرته على تحويل الأيدي التي أنهكتها سنوات النزوح والبطالة إلى قوة للبناء، وتحويل الشباب من ضحايا لاقتصاد الحرب إلى صانعي اقتصاد جديد، وتحويل الموارد من مصدر للصراع إلى مصدر للعمل والعدالة والاستقرار. وعند هذه النقطة يكتسب الحق في العمل بعدًا سياديًا، لأن الدولة التي تمنح مواطنيها فرصة كريمة للإنتاج تقل حاجتها إلى اقتصاد الإغاثة، وتزداد قدرتها على حماية قرارها، ويصبح السلام واقعًا يراه المواطن في أجره، وعمله، واستقرار أسرته، وفرص أبنائه.
لا للحرب.. نعم للعمل الكريم، نعم لاقتصاد يحمي الإنسان، ونعم لسودان يستطيع فيه كل مواطن أن يكسب رزقه بكرامة، ويعمل بأمان، ويبني مستقبله بيده.