دبلوماسية كوستاريكية قد تصبح أول امرأة تتولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة

نيويورك: (ديسمبر)

 

تدخل الأمم المتحدة مرحلة حاسمة في سعيها لاختيار أمين عام جديد يخلف البرتغالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته الثانية والأخيرة في 31 ديسمبر 2026. وبعد أشهر من التكهنات، بدأ مجلس الأمن الدولي فعلياً في 30 يوليو الماضي عملية فرز المرشحين عبر آلية “التصويت الاستطلاعي” السرية، وستكرر ذات الآلية في يوم 21 أغسطس الحالي بعد أن استمع المجلس إلى إفادة المرشح اليوغندي، أولارا أوتونو، الذي انضم مؤخرا إلى قائمة المتنافسين. وتأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى كسر احتكار الرجال للمنصب منذ تأسيس المنظمة عام 1945 واختيار امرأة للمرة الأولى لتولي منصب الأمين العام للأمم المتحدة. وفي إطار التناوب الإقليمي غير المكتوب المتبع في تداول المنصب يُرجَّح أن يكون هذه المرة من نصيب مرشح أو مرشحة من أمريكا اللاتينية، وبعد أكثر من ثلاثة عقود لم تشهد فيها هذه المنطقة تولي منصب الأمين العام، وهو ما يعزز فرص غرينسبان في المراحل المقبلة من عملية الاختيار.

 

الخلفية: كيف يُختار الأمين العام؟

 

بموجب ميثاق الأمم المتحدة، تُعيِّن الجمعية العامة، التي تضم 193 دولة عضواً، الأمين العام بناءً على توصية من مجلس الأمن. ويحتاج أي مرشح إلى تأييد تسعة أعضاء على الأقل من أصل خمسة عشر عضواً في المجلس، مع تجنُّب اعتراض أي من الدول الخمس دائمة العضوية؛ الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة، إذ يكفي فيتو واحد لإسقاط أي ترشيح مهما بلغ حجم التأييد الذي يحظى به.

ولترشيد هذه العملية، التي ظلت لعقود رهينة مشاورات مغلقة بين العواصم الكبرى، اعتمد مجلس الأمن منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي آلية “التصويت الاستطلاعي” غير الملزم، حيث تعبر الدول الأعضاء سراً عن موقفها من كل مرشح بين “مشجع” أو “معارض” أو “محايد”. وفي الجولات الأولى تُستخدم أوراق تصويت متطابقة تُخفي هوية الدول المصوتة، على أن تُستخدم لاحقاً أوراق بألوان مختلفة تميز أصوات الأعضاء الدائمين عن بقية الدول، بما يكشف ما إذا كان مرشح ما يواجِه اعتراضاً قد يتحول إلى فيتو فعلي.

 

سبعة مرشحين.. أربع نساء

يتنافس على المنصب سبعة مرشحين يمثلون قارات مختلفة:

  • ريبيكا غرينسبان (كوستاريكا) – الأمينة العامة الحالية لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد”، ونائبة رئيس كوستاريكا الأسبق.
  • كارولين رودريغيز-بيركيت (غيانا) – سفيرة بلادها لدى الأمم المتحدة ووزيرة خارجية سابقة.
  • رافائيل غروسي (الأرجنتين) – المدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
  • ميشيل باشيليت (تشيلي) – الرئيسة السابقة للبلاد والمفوضة السامية السابقة لحقوق الإنسان.
  • ماريا فرناندا إسبينوزا (الإكوادور) – وزيرة الخارجية الأسبق ورئيسة سابقة للجمعية العامة للأمم المتحدة.
  • ماكي سال (السنغال) – الرئيس السابق للسنغال والمرشح الأفريقي الوحيد في السباق.
  • أولارا أوتونو (أوغندا) – دبلوماسي يوغندي

ويلاحظ أن خمسة من المرشحين السبعة من أمريكا اللاتينية والكاريبي، بما ينسجم مع العرف غير الرسمي للتناوب الإقليمي الذي يمنح هذه المنطقة الأفضلية في هذه الدورة، بعد أن غابت عن تولي المنصب لأكثر من ثلاثة عقود.

 

أول تصويت استطلاعي: تقدم مُبكر لغرينسبان

 

عقد مجلس الأمن في 30 يوليو 2026 أول اجتماع مغلق لإجراء جولات تصويت استطلاعية غير رسمية تُعرف بـstraw polls، تُجرى خلف الأبواب المغلقة، لقياس مستوى الدعم لكل مرشح ورصد أي اعتراضات قد تعني عملياً وجود فيتو غير معلن. وقد تسربت نتائج هذه الجولة لاحقاً إلى وسائل الإعلام رغم عدم الإعلان الرسمي عنها. وبحسب ما تداولته وكالات الأنباء، حلت غرينسبان في المركز الأول بحصولها على عشرة أصوات “مشجعة” مقابل صوت واحد “معارض” وأربعة أصوات “محايدة”، متقدمة على رودريغيز-بيركيت التي نالت تسعة أصوات مشجعة، فيما جاء غروسي ثالثاً بسبعة أصوات، وحصلت باشيليت وسال على ستة أصوات لكل منهما، بينما نالت إسبينوزا خمسة أصوات.

ورغم أن هذه النتيجة تمنح غرينسبان موقعاً قوياً في بداية السباق، فإن الدبلوماسيين يتحفظون على استخلاص استنتاجات نهائية منها، إذ لا تكشف الجولة الأولى مصدر الصوت المعارض، ولا تُعرف بعد مواقف الدول الخمس دائمة العضوية. وقال ريتشارد غوان من مجموعة الأزمات الدولية: “قد تُظهر جولات الاقتراع الاستطلاعية أن بعض المرشحين لا يملكون مقومات الفوز، مما يتيح لهم الانسحاب مع حفظ ماء الوجه”.

 

من هي ريبيكا غرينسبان؟

 

ولدت غرينسبان، البالغة من العمر سبعين عاماً، عام 1955 في العاصمة الكوستاريكية سان خوسيه لعائلة يهودية هاجر والداها من بولندا فراراً من الاضطهاد النازي. درست الاقتصاد في جامعة كوستاريكا، ثم أكملت دراستها العليا في جامعة ساسكس البريطانية.

تدرجت غرينسبان في مناصب حكومية وأممية متعددة: نائبة لرئيس كوستاريكا بين 1994 و1998، ثم مديرة إقليمية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لأمريكا اللاتينية والكاريبي، فنائبة للأمين العام للأمم المتحدة ونائبة المدير التنفيذي للبرنامج الإنمائي اعتباراً من 2010. وفي 2014 انتُخبت أمينة عامة للمنظومة الإيبيرية الأمريكية، قبل أن تحقق إنجازاً بارزاً في سبتمبر 2021 بتوليها منصب الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، لتصبح أول امرأة تقود هذه الهيئة منذ تأسيسها. كما أدت دوراً بارزاً في التفاوض على مبادرة تصدير الحبوب عبر البحر الأسود خلال الحرب الروسية الأوكرانية، بتكليف من غوتيريش نفسه. وإذا انتخبت غرينسبان، فستصبح أول امرأة من أمريكا اللاتينية وأول شخص من أصول يهودية يتولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة.

 

مناظرة علنية

 

وفي إطار مسار الشفافية الذي تنتهجه الأمم المتحدة منذ 2016، شهدت الجمعية العامة في يوليو الماضي مناظرة علنية بثت مباشرة جمعت المرشحين السبعة، أتيحت خلالها للدبلوماسيين وموظفي المنظمة وممثلي المجتمع المدني فرصة مساءلتهم مباشرة. وتمحورت النقاشات حول عدة محاور رئيسية:

  • استعادة المصداقية: اتفق المرشحون على أن المنظمة فقدت جزءاً كبيراً من حضورها في إدارة أخطر الأزمات الدولية، مشيرين إلى الحروب المتزامنة في غزة وأوكرانيا والسودان وهاييتي، وأكدوا على أن الأمم المتحدة بحاجة إلى استعادة مصداقيتها وإعادتها إلى قلب العمل الدبلوماسي لا الاكتفاء بإدارة الأزمات من الهامش.
  • جمود مجلس الأمن: طرح المرشحون رؤى مختلفة لتفعيل دور الأمين العام عند تعطل المجلس بالفيتو، من توظيف آلية “الاتحاد من أجل السلام” في الجمعية العامة، إلى تكثيف المساعي الحميدة والوساطة المباشرة.
  • إصلاح الهيكل المالي والإداري: اتفق المرشحون على أن المنظمة تحتاج إلى إصلاح أعمق وأكثر عملية ودعا المرشحون إلى منظمة أكثر كفاءة وأقل بيروقراطية وسط ضغوط مالية متفاقمة وخفض متوقع بنسبة 20% في الوظائف.
  • المناخ والذكاء الاصطناعي: شدد المرشحون على الصلة بين التغير المناخي والنزوح القسري وزعزعة الاستقرار، بينما دعوا إلى حوكمة متوازنة للذكاء الاصطناعي تحمي كرامة الإنسان دون خنق الابتكار.

 

بُعد تاريخي مزدوج

 

يحمل هذا السباق دلالة رمزية مضاعفة: فمن جهة، تتزايد الضغوط الدبلوماسية لكسر احتكار الرجال لمنصب الأمين العام طوال ثمانية عقود، خصوصاً أن أربعة من المرشحين السبعة نساء. ومن جهة أخرى، فإن فوز غرينسبان تحديداً سيجعلها أول شخصية من أصول يهودية تتولى المنصب، إضافة إلى كونها أول امرأة من أمريكا اللاتينية تصل إليه، وهو ما وصفته هي نفسها بأنه “دليل على ما يجعل السلام ممكناً”، في إشارة إلى تجربة عائلتها التي وجدت ملجأً في كوستاريكا بعد فرارها من أوروبا.

 

ما الخطوات المقبلة؟

 

تتواصل جولات التصويت الاستطلاعي غير الرسمي خلال الأشهر المقبلة، مع توقعات بأن تُستخدم تدريجياً أوراق تصويت ملونة تكشف مواقف الدول الخمس دائمة العضوية تحديداً، بما يسمح برصد أي اعتراض قد يتحول إلى فيتو فعلي. وبحسب المسار المعتاد، يُرجَح أن تتبلور ملامح الحسم مطلع أكتوبر، على أن يوصي مجلس الأمن رسمياً بمرشح واحد لخلافة غوتيريش يُحال إلى الجمعية العامة للتصديق عليه، تمهيداً لتسلم الأمين العام الجديد مهامه في الأول من يناير 2027 لولاية مدتها خمس سنوات. ومن المتوقع أن تلعب التوازنات السياسية بين المجموعات الإقليمية والدول دائمة العضوية دوراً حاسماً في تحديد اسم الأمين العام المقبل.

وخلاصة هذه المنافسة أنها تتجاوز التنافس على منصب الأمين العام للأمم المتحدة لتصبح اختباراً حقيقياً لقدرة المنظمة على استعادة حضورها في عالم متعدد الأقطاب ومثقل بالأزمات. فالمعركة هنا لا تدور فقط حول من سيجلس في مكتب السكرتير العام، بل حول ما إذا كانت الأمم المتحدة ستظل قادرة على أن تكون صوتاً فاعلاً في النزاعات الكبرى أم ستبقى رهينة الانقسامات والجمود المالي والسياسي. ومع اتساع نطاق الحروب وتزايد التحديات العابرة للحدود، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة الأمم المتحدة التي يحتاجها العالم اليوم، وحول القيادة القادرة على إعادة بناء الثقة في المنظمة وإحياء دورها في الدفاع عن التعددية والعمل الجماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *