واشنطن تطالب بتوسيع حظر الأسلحة الأممي ليشمل كامل السودان… وموسكو وبكين والخرطوم يرفضون المساواة بين الجيش والميليشيا
نيويورك/: (ديسمبر)
عقد مجلس الأمن الدولي جلسة صباح الاثنين لمناقشة تطورات الأوضاع في السودان. وفي بداية الجلسة قدمت روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام إحاطة عاجلة حذرت فيها من أن “عواقب هذا الصراع ستكون طويلة الأمد” وحذرت من أن “الدولة يتم تدميرها بشكل منهجي “. وشددت على أن الأسلحة المتطورة المستخدمة تشير بوضوح إلى استمرار الدعم الخارجي لكلا الطرفين، معربة عن دعمها لجهود اللجنة الرباعية التي تضم مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة لتأمين هدنة إنسانية، وكذلك جهود اللجنة الخماسية المكونة من الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة للمساعدة في إحياء مسار سياسي حقيقي.
من جانبه، أفاد توم فليتشر، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ بأن أكثر من ثلثي سكان السودان في حاجة ماسة إلى المساعدة المنقذة للحياة، مسجلاً مقتل أكثر من 1400 مدني خلال النصف الأول من هذا العام وحده، أكثر من 1100 منهم بسبب هجمات الطائرات بدون طيار. وأعرب فليتشر عن قلقه إزاء تصاعد العنف في جبال النوبة بولاية جنوب كردفان، مما يقطع وصول المساعدات عن المجتمعات التي تعاني من نقص حاد في الغذاء، كما حذر من تفشي وباء الكوليرا في غرب كردفان. واختتم بإشارة قوية قائلاً: “هذا المجلس ليس عاجزاً. مأساة السودان ليست في أننا لا نعرف ماذا نفعل، بل في أننا لم نجد الإرادة لفعل ذلك”.
ومن جانبها أوضحت إيفا خير، مستشارة الصحة والحماية وبناء السلام، أن “العنف الجنسي ليس مجرد سلاح حرب، بل هو استراتيجية متعمدة لإرهاب المدنيين والتحكم في تحركاتهم “وأن عمليات الاختطاف المرتبطة بالعنف الجنسي والعمل الإنجابي القسري أصبحت جزءاً من اقتصاد الحرب، إلى جانب تجنيد الأطفال الجنود وزواج القاصرات والانتهاكات الجسيمة الأخرى ضد الأطفال.
بيانات الدول
ثم تحدث مندوبو الدول، فشددت المملكة المتحدة على أن وضع حدٍ للمعاناة لن يأتي إلا من خلال هدنة إنسانية ووقف دائم لإطلاق النار وعملية سياسية شاملة بقيادة مدنية تؤدي إلى سلام مستدام، مؤكدة أن “الخيارات اللازمة لصنع السلام في السودان تقع على عاتق القادة والمقاتلين والممولين ومُغذّي الحرب”. ومن جانبها حثت فرنسا المجلس على مكافحة الإفلات من العقاب بفعالية وتوسيع نظام العقوبات ليشمل كامل أراضي السودان. ووصفت الدنمارك الحرب بأنها “تفكك أمة” ومغناطيس للأسلحة الأجنبية والشبكات الإجرامية، مشيرة إلى أن فريق تقصي الحقائق المستقل وجد أن سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر استوفت جميع معايير الإبادة الجماعية.
ودعت الصومال، متحدثة أيضاً باسم جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا، إلى إدانة العنف الجنسي المرتبط بالنزاع والهجمات على العاملين في المجال الإنساني والاستهداف العرقي مع المطالبة بمحاسبة الجناة من خلال التعاون الكامل مع الآليات القضائية الدولية والإقليمية. وطالبت لاتفيا المجلس بتخيل محنة النساء اللواتي قد يعني جمع الماء لهن “الاختيار بين هجمات الطائرات بدون طيار نهاراً والعنف الجنسي ليلاً”. وأعربت إثيوبيا عن قلقها بشأن تأثير العنف على أمن الحدود وزعزعة استقرار منطقة القرن الأفريقي. ومن جانبها رفضت مصر أي نهج يتجاهل الفرق بين “الميليشيات المتمردة” والقوات المسلحة السودانية، داعية إلى دعم مؤسسات الدولة ورؤية تنهي الحرب ووقف تدفق الأسلحة غير المشروعة إلى الميليشيات والمرتزقة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، محذرة المجلس من التريث في اعتماد قرارات تقوض حق الشعب السوداني في دولة موحدة ومستقرة.
وأدانت كل من بنما واليونان وباكستان والبحرين وكولومبيا هجمات قوات الدعم السريع المستمرة والمستويات المقلقة من العنف الجنسي ضد النساء والفتيات. وأكدت بنما أن الهجمات تعكس أنماطاً شوهدت في أماكن أخرى من البلاد، وشددت باكستان على أن “المجتمع الدولي لا يمكنه الوقوف مكتوف الأيدي بينما تتعرض المزيد من المدن والمدنيين لمثل هذا العنف”. وشددت البحرين على أن “حماية الأطفال يجب أن تظل أولوية قصوى”، بينما أكدت كولومبيا على تدمير المدارس والمستشفيات أو استخدامها لأغراض عسكرية، مرددة أن “هذا المجلس لا يمكنه أن يبقى غير مبالٍ بحجم هذه الأزمة”.
توسيع حظر الأسلحة
ودعت الولايات المتحدة المجلس إلى تمديد حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل أراضي السودان، وطالبت أيضاً بتوسيع نطاقه ليشمل بشكل صريح الطائرات بدون طيار والتكنولوجيا المرتبطة بها، وهي الأسلحة التي تسببت في مقتل أكثر من 1100 مدني خلال النصف الأول من هذا العام وحده. كما اقترحت واشنطن زيادة عدد الخبراء في فريق خبراء اللجنة المنشأة بموجب القرار 1591، وتعزيز التعاون مع أفرقة الجزاءات الإقليمية الأخرى لمكافحة شبكات تهريب الأسلحة التي تغذي الصراع. وقال مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس أن “وحشية الحرب التي تشنها قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية فقدت مصداقية ادعاءاتهما بأنهما حكام شرعيان للشعب السوداني”، وطالب المجلس أن “يتخذ خطوات للحد من تأجيج الصراع، خصوصا أن الدعم الخارجي يهدد أيضا بجر مزيد من الأطراف الإقليمية والدول المجاورة إلى الصراع في السودان”.
وفي المقابل، رفض ممثل السودان أي توسيع لنظام العقوبات أو حظر الأسلحة، معتبراً أن مثل هذه الخطوة تشكل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية وتدخلاً غير مبرر في الشؤون الداخلية للدولة. وشدد على أن أي توسيع للعقوبات من شأنه أن يخطئ في مساواة القوات المسلحة السودانية، التي وصفها بأنها “مؤسسة وطنية شرعية”، بميليشيا الدعم السريع التي وصفها بأنها جماعة “متمردة” و”انقلابية” تخضع لعقوبات الأمم المتحدة بالفعل.
وأدان المندوب السعودي “الهجمات الشنيعة” التي تشنها الميليشيا على المدنيين في الأبيض وولايات دارفور وكردفان، مؤكداً أن “هذه الهجمات لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف”. ورفضت مندوبة الإمارات بشكل قاطع أي رواية تحاول تجاهل أو تبرير الهجمات المميتة التي تشنها القوات المسلحة السودانية ضد المدنيين، مشيرة إلى أن هذه الهجمات “لا يمكن تبريرها أو تجاهلها”، ودعت المجلس إلى تمديد حظر الأسلحة ليشمل كامل الأراضي السودانية.
ومن جهته، عارض الاتحاد الروسي زيادة الضغوط العقابية على السودان، وقال بأن المزيد من القيود الاقتصادية والعقوبات من شأنها في النهاية أن تزيد من معاناة الشعب السوداني العادي وتعمق الأزمة الإنسانية بدلاً من حلها. ووصف المندوب الروسي القوات المسلحة السودانية بأنها تسعى “لتحييد القوى التدميرية”، وأضاف بأن قوات الدعم السريع تستخدم الطائرات بدون طيار “بشكل عشوائي وفوضوي” يهدد حياة المدنيين.
أما مندوب الصين فقد دعا دول المنطقة إلى احترام سيادة بعضها البعض وسلامتها الإقليمية، محذراً من “التشابك المركب للتوترات” الذي قد يؤدي إلى توسيع رقعة الصراع. وشدد المندوب الصيني على ضرورة استخدام العقوبات بحكمة وباعتبارها أداة وليست غاية في حد ذاتها، مؤكداً أن الحل الدبلوماسي يبقى الطريق الأفضل لإنهاء الأزمة.
والجدير بالذكر أن حظر توريد الأسلحة إلى دارفور، والمفروض منذ أكثر من عقدين، من المقرر أن ينتهي في 12 سبتمبر 2026 إذا لم يتم التوصل إلى قرار جديد بشأنه. ويتطلب توسيع حظر توريد الأسلحة ليشمل السودان بأكمله تصويتاً في مجلس الأمن الدولي. ويعود نظام العقوبات بموجب القرار 1591 إلى عام 2005، ويتضمن حظراً للأسلحة مرتبطاً بدارفور، إلى جانب عقوبات موجهة تشمل تجميد الأصول وحظر السفر على الأفراد والكيانات المدرجة على قائمة العقوبات.