المهندس/ الطيب أبوكروك
في منتصف التسعينيات، لخص الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح تعقيدات الحكم في بلاده بعبارته الشهيرة: “الحكم في اليمن كالرقص على رؤوس الأفاعي”. لم تكن تلك العبارة مجرد مجاز شعري، بل كانت مذهباً سياسياً يقوم على إدارة التوازنات الهشة، وتفكيك تحالفات الأمس لمواجهة أخطار اليوم. وبعد عقود من تلك المقولة، يجد المتابع للمشهد السوداني أن الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، يبدو وكأنه يستلهم ذات العقيدة السياسية، في بيئة لا تقل تعقيداً ولا خطورة عن المشهد اليمني. يتجلى الشبه الأبرز بين التجربتين في القدرة الاستثنائية على التكيف مع التناقضات واللعب على التوازنات الحادة. فتماماً كما تنقَّل علي عبد الله صالح بين مناهضة التيار الإسلامي ثم التحالف معه، ثم الانقلاب عليه لاحقاً، أظهر البرهان مرونة سياسية مماثلة في إدارة الحلفاء والخصوم على حد سواء. فقد أدار شراكة معقدة مع المكون المدني في بدايات الانتقال السياسي قبل الوصول إلى نقطة الانقطاع المفصلية، كما واصل التعاطي مع التوازنات الميدانية والعسكرية المتداخلة، متمرساً في إعادة رسم خريطة التحالفات وفقاً لمعطيات البقاء والاستمرارية. وتعتمد هذه المدرسة في إدارة السلطة على منع أي طرف منافس من حسم المشهد لصالح، وتوزيع الأوراق بما يضمن بقاء مركز القرار الرئيسي في يد رأس السلطة. والبرهان — بحكم خلفيته العسكرية وتمرسه الطويل في ملفات الاستخبارات — يفضل إدارة الصراعات عبر استراتيجية امتصاص الصدمات وكسب الوقت؛ حيث يترك القوى السياسية والعسكرية تتنافس فيما بينها وتستهلك طاقتها، ليعيد تقديم نفسه دائماً في صورة الرقم الصعب والحكم الذي لا غنى عنه لتوازن الدولة ومنع انهيارها. ولا يقتصر هذا التكتيك على المشهد الداخلي فحسب، بل يمتد بوضوح إلى الصعيدين الإقليمي والدولي؛ حيث برع صالح سابقاً في اللعب على تناقضات القوى الإقليمية والدولية ليضمن تدفق الدعم والشرعية. وفي الحالة السودانية، يستمر البرهان في مناورة شاقة بين المحاور المتقاطعة في الشرق الأوسط والبحر الأحمر، موازناً بين المبادرات الدولية والضغوط الإقليمية المتزايدة دون الارتهان الكامل لموقف طرف واحد، مما يتيح له هامش حركة مناورة كافياً للاستمرار. غير أن الشبه بين الشخصيتين لا يقف عند حدود التكتيك السياسي الفردي، بل يمتد إلى حجم المخاطر الكبيرة المحيطة بهذه اللعبة. فالرقص على رؤوس الأفاعي، وإن كان يمنح الحاكم قدرة فائقة على المناورة والاستمرار لفترات طويلة، يضع الدولة برمتها على خط زلازل دائم. إذ إن أخطاء الحسابات في هذا النوع من التوازنات تكون مكلفة وتؤدي لمخاطر غير محسوبة. ويبقى السؤال المفصلي الذي ستجيب عنه الأيام: هل ينجح البرهان في العبور بالسودان إلى معادلة استقرار دائمة؟، أم أن الأفاعي في المشهد السوداني أعتى من أن تُروَّض برقصة سياسية؟.