حوار الحلفاء في غياب الفرقاء, قراءة نقدية في حوار الداخل ومآلاته السياسية

لواء شرطة (م) د.عصام الدين عباس أحمد

مستشار تكنولوجيا المعلومات وتحليل البيانات

 

 

 

مواصلة لما بدأته من تحليل وتقييم لمبادرة الحوار التي أطلقها قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وتم وسمها كحوار سوداني-سوداني يجمع الفرقاء حول طاولة واحدة بحثاً عن مخرج سياسي للحرب. غير أن أي تقييم جاد لهذه المبادرة لا ينبغي أن يبدأ من عنوانها، وإنما من السؤال الأكثر إلحاحاً: هل من لبّوا الدعوة حتى الآن يمكن تسميتهم بـالفرقاء”؟.

فالحوار السياسي، في أبسط تعريفاته، يفترض وجود أطراف متباينة في مواقفها ومصالحها ورؤاها، يجمعها إدراك بأن استمرار الصراع لم يعد مجدياً، وأن التسوية التفاوضية أصبحت ضرورة. أما إذا كان مَن سيجلسون إلى الطاولة ينتمون إلى معسكر سياسي وعسكري واحد، ويتفقون مسبقاً على ضرورة الاستمرار في الحرب ورفض الحلول السلمية، فإننا نكون أمام شيء مختلف. إنه حوار داخل معسكر واحد حول ترتيبات السلطة، وليس حواراً بين الفرقاء لإنهاء الحرب.

وهنا تكمن أهمية النظر إلى خريطة القوى التي أبدت استعدادها للانخراط في الحوار المقترح، لا بقصد التشكيك في وطنيتها أو نوايا أفرادها، وإنما لفحص مواقفها ومدى قدرتها مجتمعة على إنتاج تسوية تحظى بشرعية وطنية واسعة، تنهي الحرب وتصنع السلام.

 

أولاً: الحركات المسلحة والمليشيات

 

يبرز في مقدمة القوى المؤيدة للحوار عدد من الحركات المسلحة والمليشيات التي اصطفّت عسكرياً إلى جانب الجيش خلال الحرب. هذه القوى المسلحة لها مصلحة مباشرة في أي تسوية سياسية تعقب الحرب، لأنها ليست مجرد أطراف سياسية مدنية، وإنما هي جزء من المعادلة العسكرية والسياسية التي تشكلت خلال الحرب.

ولا يعني ذلك أن مشاركتها غير مشروعة، فهي صاحبة مصلحة حقيقية في مستقبل السودان، وبعضها يمثل أقاليم وقضايا سياسية واجتماعية ظلت مهمَّشة لعقود. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول المشاركة العسكرية في الحرب إلى رأس مال سياسي يستخدم للحصول على حصة في السلطة بعد الحرب.

فالسؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل ستنخرط هذه الحركات في الحوار بهدف معالجة جذور أزمة الدولة السودانية، أم بهدف تثبيت المكاسب السياسية والعسكرية التي أفرزتها الحرب؟. تزداد أهمية هذا السؤال حين ربطه بإخفاقات اتفاقيات السلام السابقة التي أظهرت أن تحويل الحركات المسلحة إلى شركاء في السلطة دون معالجة عميقة لبنية الدولة وقضية الجيوش المتعددة أدى في كثير من الأحيان إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.

 

ثانياً: الكتلة الديمقراطية

تضم الكتلة الديمقراطية عدداً من القوى والحركات السياسية والمسلحة، ومن بينها أجنحة سياسية مرتبطة بحركات مسلحة منتظمة في ميدان المعركة، إضافة إلى شخصيات وقوى كانت جزءاً من المشهد السياسي الذي أعقب سقوط نظام البشير. لا تكمن المشكلة في انضمام هذه القوى إلى الحوار، وإنما في السياق السياسي الذي أوصلها إلى موقعها الحالي. فبعض مكونات هذا المعسكر وقفت ضد حكومة الثورة، وبعضها أيد انقلاب 25 أكتوبر 2021 أو تقاطع معه سياسياً، في الوقت الذي كانت فيه قوى أخرى تطالب باستعادة المسار المدني الديمقراطي.

وهنا تظهر مفارقة تستحق النقاش: كيف يمكن لقوى أيدت الانقلاب العسكري بل ودعت إلى إسقاط الحكومة المدنية عبر تدخل مباشر من المؤسسة العسكرية، ثم باركت الحرب وانخرطت في دعمها وما تزال، أن تقدم نفسها اليوم باعتبارها أحد مكونات عملية سياسية جديدة يفترض أن تنتهي إلى انتقال مدني ديمقراطي؟ وما هي نقاط اختلافهم مع حكومة الأمر الواقع التي انتجها الانقلاب العسكري؟.

 

ثالثاً: تنسيقية القوى الوطنية

من بين القوى التي برز اسمها في المشهد ما يعرف بتنسيقية القوى الوطنية. هنا يجب التفريق بين أمرين: حق أي مجموعة سياسية في المشاركة، وحق الشارع في مساءلة هذه المجموعات عن نشأتها وتمثيلها السياسي ومصادر نفوذها. ليس من المقبول قياس الحوار بعدد الأسماء التي تجلس حول الطاولة، وإنما بمدى تمثيلها الحقيقي للمجتمع.

ارتبطت هذه التنسيقية خلال مسار الحرب بقيادات طامحة بلا سند جماهيري وتنقلت قيادتها بين الأحضان السياسية بحثاً عن الشرعية، فتارة تناصر مجموعة نائب رئيس مجلس السيادة، وتارة تتغزل في بعض القوى الأخرى بحثاً عن الرضا والقبول. تسمي نفسها مساراً من ضمن مسارات اتفاقيات جوبا ثم تجتهد في تجهيز “عدة الشغل” من خلال تبني مليشيا عسكرية والإعلان عنها رسمياً وعن معسكرات تدريبها.

إدخال كيانات مثل تنسيقية القوى الوطنية إلى عملية الحوار لا يصبح مشكلة في حد ذاته، إلا إذا استُخدِمت هذه الكيانات لإحداث تضخم مصطنع في حجم التأييد السياسي للمبادرة، فالشرعية لا تُصنع بكثرة الكيانات الصغيرة.

 

رابعاً: حلفاء النظام السابق من غير الإسلاميين

هناك أيضاً قوى وشخصيات سياسية ارتبطت بنظام البشير، أو استفادت من ترتيبات تقاسم السلطة التي أُنشئت في عهده، لكنها لم تكن بالضرورة جزءاً من الحركة الإسلامية. هذه الفئة تكشف واحدة من أعمق مشكلات السياسة السودانية، وهي ظاهرة إعادة تدوير النخب بدلاً من إعادة بناء الدولة.

فقد عرف السودان طوال العقود الماضية انتقال شخصيات وقوى بين الأنظمة السياسية المختلفة، بحيث تتغير التحالفات بينما تظل الثقافة السياسية القائمة على الاقتراب من مركز السلطة، الحصول على نصيب في مؤسسات الدولة، ثم الدفاع عن النظام القائم ما دام يوفر موقعاً سياسياً أو اقتصادياً. هذه الفئة ليست معنية، من خلال فحص تاريخها وماضيها، بقضايا الوطن بقدر من تهتم كثيراً بنصيبها من السلطة ومصالحها الذاتية حتى لو كان الضحية هو الوطن.

 

خامساً: الإدارة الأهلية

الإدارة الأهلية، مكوّن اجتماعي لا يمكن تجاهله في أي عملية سلام سودانية. لكن المشكلة ليست في الإدارة الأهلية كمؤسسة اجتماعية، وإنما في تسييسها وتحويل بعض قياداتها إلى أدوات تعبئة لصالح السلطة أو الحرب. فحين تتحول بعض القيادات الأهلية إلى منافس على المناصب والامتيازات، تصبح قابليتها للاصطفاف السياسي أكبر، ويصبح من الصعب التمييز بين تمثيل المجتمع المحلي وبين تمثيل المصالح الشخصية أو السلطوية.

هذا لا يبرر إقصاء الإدارة الأهلية من الحوار، بل يقتضي تصميم تمثيلها بصورة تمنع احتكارها بواسطة أفراد واختزالها في المصالح الذاتية لرموز المجتمعات المحلية على حساب البسطاء الذين ينقادون لهم بلا إدراك.

 

القاسم المشترك: كيكة السلطة والنيل من الخصوم السياسيين

عند النظر إلى هذه المكونات مجتمعة، تظهر ملاحظة سياسية مهمة. القاسم المشترك بين المؤيدين للحوار بصيغته الحالية ليس مشروعاً سياسياً مشتركاً، وإنما موقفهم من الحرب وسدنتها. فقد اصطف إلى جانب مبادرة الحوار قوى متباينة فكرياً واجتماعياً، لكن يوحدها في المرحلة الراهنة موالاة قادة الجيش، ودعم الانقلاب العسكري، ومجافاة القوى المدنية والسياسية الرافضة للحرب والشمولية، طالما أن ذلك سيكون ذلك رافعة لهم لتحقيق أهدافهم ومقاصدهم الذاتية.

من الضروري ان يكون السؤال التالي حاضراً: هل سيتحول الحوار إلى سوق جديدة لتقاسم السلطة؟. لقد جُرّبت هذه الوصفة مرات عديدة وفي عهود مختلفة، لكن أميزها كانت حوارات عمر البشير واتفاقياته التي كان يحل فيها الدولار محل المبدأ، والمنصب مكان القضية. سيدخل جل المشاركين في الحوار بعقلية “ماذا سيكون نصيبي من السلطة؟” بينما سيتوارى، بلا وخزة ضمير، السؤال: “كيف سنبني دولة لا يحتاج فيها أي طرف إلى الحرب للحصول على نصيبه من السلطة؟” حينها سينتج الحوار المعلن عنه توزيع المناصب ونظاماً سياسياً جديداً من دون أن يتبعه سلام جديد.

 

المفارقة الأكبر: استبعاد الإسلاميين من الحوار وإبقاؤهم في معادلة الحرب

تبدو قضية استبعاد الإسلاميين من الحوار من أكثر مفارقات المبادرة إثارة للتساؤل. فمن ناحية، يمكن فهم هذا الاستبعاد في ضوء رغبة قيادة الجيش في تجنب الاصطدام بالمجتمعين الدولي والإقليمي، وبخاصة الولايات المتحدة، في ظل تصنيف بعض الجهات والتنظيمات المرتبطة بالإخوان المسلمين والإسلاميين ضمن قوائم الإرهاب، أو اعتبارها جهات معاقبة ومرفوضة سياسياً. ومن ثم، فإن إبقاء المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية خارج الطاولة قد يكون، في جانب منه، محاولة لتقديم الحوار باعتباره عملية سياسية مقبولة خارجياً، وتجنب أن تتحول مشاركة الإسلاميين العلنية إلى عقبة أمام الاعتراف الدولي والإقليمي بالعملية أو دعمها. غير أن الاستبعاد من طاولة الحوار لا يعني بالضرورة استبعاد النفوذ من الدولة.

فالإشكالية الحقيقية تكمن في أن الإسلاميين، رغم إبعاد واجهاتهم السياسية عن الحوار، ما زال يُنظر إليهم باعتبارهم حاضرين داخل مؤسسات الدولة، ومؤثرين في بعض مفاصلها، ومتغلغلين في أجزاء من مؤسساتها العسكرية والأمنية والإدارية، فضلاً عن دورهم ومواقفهم المختلفة في مسار الحرب. وبذلك ينشأ تناقض جوهري: تنظيم أو تيار يُراد إبعاده عن الشرعية السياسية للحوار، بينما لا يجري بالضرورة تفكيك نفوذه الفعلي داخل مؤسسات الدولة. إذا كان استبعادهم من الحوار يستند إلى معايير سياسية أو دولية، فإن المنطق نفسه يقتضي معالجة مسألة نفوذهم المؤسسي، وليس الاكتفاء بإبعاد واجهاتهم السياسية مع بقاء شبكات النفوذ داخل أجهزة الدولة. فالمشكلة ليست في إبعاد الإسلاميين عن طاولة الحوار فحسب، وإنما أيضاً في السيطرة على نفوذهم داخل مؤسسات الدولة، إذ لا يمكن بناء عملية انتقال مدني مستقرة إذا جرى التعامل مع الواجهة السياسية للتيار بمعيار، بينما تُترك امتداداته المؤسسية والعسكرية والأمنية خارج نطاق الإصلاح والمساءلة.

 

لماذا ترغب سلطة الأمر الواقع في هذا النوع من الحوار؟

لا يمكن الجزم بنوايا أي فاعل سياسي من دون أدلة، لكن يمكن تحليل الحوافز السياسية التي تجعل هذا النوع من الحوار جذاباً لقيادة الجيش. أحد الحوافز هو إنتاج شرعية سياسية. فالجيش قد يحقق مكاسب عسكرية، لكن الانتصار العسكري وحده لا يجيب عن السؤال: “من يحكم السودان بعد الحرب؟”. وهنا يمكن أن يصبح الحوار وسيلة للانتقال من الشرعية المستندة إلى الحرب إلى شرعية مستندة إلى تحالف سياسي مدني–عسكري. نقطة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها وهي توفير الغطاء لتشكيل مؤسسات انتقالية جديدة. فقد أعلن البرهان بالفعل أن هناك حواراً مع “القوى الوطنية التي ناصرت الجيش” لإكمال مؤسسات الحكم، بما في ذلك المجلس التشريعي.

 

السودان لا يحتاج إلى منتصر سياسي

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ينتقل السودان من مرحلة الحرب بين الجيوش إلى مرحلة السلام الهش بين النخب المتحالفة عسكرياً. ذلك لن يكون سلاماً حقيقياً. السلام الحقيقي يبدأ عندما يتفق السودانيون على وقف الحرب، وأن حمل السلاح ليس طريقاً مشروعاً للحصول على حصة في الدولة، وأن الدولة لا يمكن أن تصبح ملكاً للجيش أو للحركات المسلحة أو للأحزاب أو للإسلاميين، أو لأي تحالف سياسي آخر.

ومن هنا فإن الحوار بصيغته المقترحة هذه ما هو إلا تكريم الموالين ومكافأة الحلفاء، وليس منصة لإعادة تأسيس العقد السياسي السوداني. فإذا كان الحوار يجمع الحلفاء أكثر مما يجمع الخصوم، وإذا كان هدف المشاركين هو اقتسام السلطة أكثر من إنهاء أسباب الحرب، فإننا لا نكون أمام عملية سلام مكتملة الأركان، وإنما أمام محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي.

أما إذا أُعيد تصميم العملية بحيث تصبح مستقلة، شاملة وفق معايير موضوعية، متوازنة، ومتصلة بوقف إطلاق النار والعدالة والانتقال المدني وإصلاح القطاع الأمني، فإن دعوة الحوار يمكن أن تصبح فرصة حقيقية لبناء وطن عظيم اسمه السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *