حين لا تكفي الكهرباء لإنارة وطن

قراءة في تحقيق “ديسمبر”.. من التوليد إلى انهيار الشبكة واستشراف ما بعد الحرب

 

م/ وليد الريح

في عددها رقم (67) بتاريخ 20 أغسطس 2026، نشرت (ديسمبر) تقريراً على صفحتها الخامسة بعنوان: “الكهرباء: تحقيق يكشف حقائق ومعلومات صادمة”. وتنشر (ديسمبر) في هذه الصفحة تعقيباً مفصلاً من المهندس/ وليد الريح مبارك، خبير التخطيط العمراني وهندسة قطاع الكهرباء، وعضو سابق بلجنة إزالة التمكين في قطاع الكهرباء خلال الفترة الانتقالية في السودان، لأهمية ما ورد فيه من معلومات، وفي إطار توفير مساحة للمقاربات المختلفة للتعامل مع الأزمة التي يعيشها قطاع الكهرباء وآفاق الحلول بما يوفر رؤية أوضح للمهتمين بهذا القطاع الذي يؤثر على حياة أي مواطن سوداني.

 

مقدمة

قرأت باهتمام التحقيق الذي نشرته صحيفة (ديسمبر) في 20 أغسطس 2026 بعنوان: “الكهرباء: تحقيق يكشف حقائق ومعلومات صادمة”. والكهرباء اليوم ليست شأناً فنياً يخص المهندسين وحدهم، بل إحدى أكثر القضايا اتصالاً بحياة السودانيين وبإعادة بناء الدولة بعد الحرب.

غير أن اختزال الأزمة في التوليد والوقود والصيانة يقود إلى تشخيص ناقص، ومن ثم إلى علاج ناقص.

لقد قدم التحقيق صورة قاتمة عن مروي وقري وبحري وأم دباكر والوقود والصيانة، لكنه لم يمنح النقل والمحطات التحويلية والتوزيع ما تستحقه، مع أن الحرب دمرت أجزاء واسعة منها، وطالتها عمليات نهب وسرقة للمحولات والكابلات وزيوت المحولات.

 

مروي ليست توربينات فقط

 

يبدأ التحقيق بحريق محطة التحويل في سد مروي في الأول من أغسطس 2026، وينقل عن وزير الطاقة المعتصم إبراهيم وصف العطل بأنه “كبير ومفاجئ”، وربط عودة الإمداد بوصول قطع الغيار.

ولا خلاف على أهمية إصلاح مروي، لكنها ليست مجرد توربينات؛ إنها عقدة رئيسية في الشبكة القومية، والطاقة التي تنتجها لا تصل إلى المستهلك إلا عبر النقل والمحطات التحويلية.

لذلك لا يكفي أن نسأل: متى تعود مروي إلى التوليد؟ بل: ما الذي بقي من شبكة نقلها؟ وكم تستطيع الشبكة نقلَه فعلياً بعد عودتها؟.

وهذه ليست أسئلة نظرية. ففي 30 أبريل 2025 تحدث المدير العام لشركة كهرباء السودان القابضة، المهندس عبدالله أحمد محمد (إنشتاين)، لصحيفة (الرأي) السودانية عن تدمير أكثر من 1500 كيلومتر من خطوط وأبراج النقل في ولاية الخرطوم، إلى جانب خسائر ضخمة في المحولات وانخفاض القدرة المتاحة.

إذن نحن لا نتعامل مع محطة تعطلت، وإنما مع منظومة نقل انكسرت.

ويورد التحقيق قصة العطاء الصيني، البالغ نحو 9 ملايين دولار، الذي أُعلن فوزه في ديسمبر 2025 لتوريد محولات وكابلات وصيانة خطوط النقل الخارجة من مروي. وإذا صحت تفاصيله فهي قضية تستحق التحقيق، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن مشكلة مروي لا تنفصل عن شبكة النقل.

فالطاقة التي لا تستطيع الشبكة نقلها لا تختلف كثيراً، بالنسبة للمستهلك، عن الطاقة التي لم تُولد أصلاً.

 

الميغاواط لا يكفي

 

يذكر التحقيق أن إنتاج السودان الحالي يبلغ نحو 1100 ميغاواط، مقابل نحو 4400 ميغاواط قبل الحرب. والفارق هائل، لكن الميغاواط المنتج لا يعني بالضرورة ميغاواطاً يصل إلى منزل أو مصنع.

هناك سلسلة كاملة بين التوليد والمستهلك: توليد، نقل، تحويل، توزيع.

ولهذا يجب التمييز بين القدرة المركبة والمتاحة، وقدرة النقل والتحويل، ثم الطاقة التي تصل فعلياً إلى المستهلك. فالخطاب الذي يقيس نجاح المنظومة بما تنتجه المحطات وحدها يغفل أن الكهرباء توليد ونقل وتحويل وتوزيع.

 

قري وبحري: الصيانة أم إعادة البناء؟

 

تناول التحقيق محطات قري 1 و2 و4، وكأن القضية تدور أساساً حول الوقود والصيانة. لكن إفادة مدير شركة كهرباء السودان القابضة في 30 أبريل 2025 ذكرت أن قري 1 و2 و4 تعرضت للتدمير الكامل خلال الحرب، إلى جانب فقدان محطة بحري الحرارية كامل قدرتها.

إذا كان هذا هو الواقع، فإن الحديث عن صيانة هذه المحطات أو قطع غيارها يصبح مضللاً؛ فالمحطة المدمرة بالكامل تحتاج إلى إعادة إنشاء.

أما قصة الفحم فتحتاج إلى تصحيح: لا تستخدم محطات السودان الفحم الحجري، وإنما كان الفحم النفطي يستخدم في مراجل قري 4، التي خرجت من الخدمة قبل الحرب بعد انهيارها في 2021 نتيجة تراكم الرماد واختلال توازن المنشأة.

ومن ثم فإن بيع الفحم النفطي لمصانع الأسمنت بعد خروج قري 4 من الخدمة أمر يمكن تفسيره فنياً. أما الحديث عن أموال آلت إلى الجيش نتيجة البيع فهو اتهام خطير يحتاج إلى وثائق؛ خصوصاً مع السؤال البديهي: كيف تنتج مصفاة متوقفة فحماً نفطياً بقيمة 50 مليون دولار؟

وزيوت المحولات ليست وقوداً، بل جزء أساسي من العزل والتبريد، وفقدانها يمنع التشغيل الآمن.

 

بحري والتناقض الذي يحتاج إلى تفسير

 

في 27 مايو 2026 أعلن وزير الطاقة المعتصم إبراهيم عودة الوحدة الغازية G03 في محطة بحري الحرارية.

وفي المقابل، يذكر التحقيق أرقاماً تصل إلى 10 ملايين دولار لصيانة وحدة و20 مليوناً لوحدتين.

لكن هذه الأرقام تحتاج إلى تفسير في ضوء واقع المحطة. فإذا كانت إفادة أبريل 2025 قد أكدت أن بحري فقدت كامل قدرتها بسبب الحرب، فإن السؤال المشروع هو: هل جرت فعلاً صيانة لوحدة داخل محطة مدمرة؟، أم كانت العملية إعادة تأهيل أو إعادة تركيب لوحدات قائمة؟؟

ثم ما طبيعة الوحدات المستعملة التي وردت سابقاً عبر «أوكتاي» التركي؟ وهل تتناسب تكاليف الصيانة المعلنة مع قيمتها؟

هذه أسئلة فنية ومالية مشروعة، وإجابتها ينبغي أن تكون موثقة وواضحة.

 

أم دباكر: الاستثناء الذي يكشف القاعدة

 

أما أم دباكر فهي الاستثناء الذي يكشف القاعدة. ففي 10 يناير 2024 تناول موقع (نبض) اجتماع والي النيل الأبيض مع مسؤولي التوليد والنقل والتوزيع لبحث خروج أم دباكر ومشكلات الصيانة والوقود، إلى جانب خط جبل أولياء ومحطة مشكور.

ثم في 27 مايو 2026 أُعلن اكتمال الصيانة الكبرى للوحدة الثالثة وعودتها إلى العمل، وارتفاع القدرة التشغيلية المعلنة إلى نحو 122 ميغاواط بدلاً من 80 ميغاواط.

لكن عودتها لم تنهِ الأزمة. ففي يونيو 2025 نقلت صحيفة (فويس) بياناً من كهرباء السودان تحدث عن أعطال وفصل متكرر بسبب عدم توازن الأحمال وزيادة المطلوب عن المتاح.

وهنا تظهر الحقيقة التي يغفلها كثير من الخطاب حول الكهرباء: قد تعود المحطة إلى الخدمة، ومع ذلك تظل عاجزة عن تقديم كهرباء مستقرة إذا كانت الشبكة والأحمال والربط غير متوازنة.

وأم دباكر نموذج حي يثبت أن التوليد لا يعمل في فراغ، بل داخل منظومة النقل والأحمال والتحويل والتوزيع.

 

الحرب لم تدمر محطات التوليد وحدها

 

عندما نجمع هذه الوقائع، تصبح الصورة أكثر وضوحاً: الحرب أخذت من السودان محطات توليد وخطوط نقل وأبراجاً ومحولات ومحطات تحويلية وكابلات وزيوت محولات وأنظمة حماية وتحكم، واستنزفت الكادر البشري.

وفي 30 أبريل 2025 تحدثت شركة كهرباء السودان عن فقدان أكثر من 1500 كيلومتر من خطوط النقل، وأكثر من 20 ألف برميل من زيوت المحولات، وأكثر من 1000 ميغاواط من القدرة.

وتؤكد ذلك وزارة الطاقة نفسها؛ ففي 15 يوليو 2026 نقل موقع (خطوة) تأكيدها أن التوليد والنقل والتوزيع سلسلة متكاملة، وأن الصيانة وإعادة التأهيل مدخل استقرار الإمداد.

 

الطلب ليس عدواً

 

يقول التحقيق إن الخرطوم تحتاج إلى نحو 600 ميغاواط، وقد يصل الطلب إلى 800 ميغاواط، بينما المتاح نحو 400 ميغاواط.

لكن ارتفاع الطلب بعد عودة السكان ليس سبباً للأزمة، بل أحد مظاهر التعافي.

خلال الحرب كانت قطاعات واسعة من العاصمة خارج الخدمة، فتراجع الاستهلاك. ومع عودة السكان والمياه والمستشفيات والأسواق والمصانع عاد الطلب.

فالطلب لم يصنع الأزمة؛ لقد كشفها. ولا ينبغي مقاومة ارتفاع الأحمال، بل بناء خطة الإعمار عليه.

أما التحذير من انهيار كامل في 2027، فهو مشروع، لكنه لا يصبح توقعاً هندسياً إلا بنموذج يأخذ في الاعتبار نمو الطلب والقدرة والاحتياطي وحالة التوليد والنقل والتحويل والوقود والربط الإقليمي.

 

كهرباء السودان الجديد

 

وهنا يبدأ السؤال الأهم: هل نريد أن نعيد كهرباء السودان إلى ما كانت عليه قبل الحرب، أم نريد أن نبني كهرباء السودان الجديد؟

لا ينبغي أن ننفق مليارات الدولارات لإعادة شبكة أبريل 2023 كما كانت، بل لبناء شبكة أقوى وأكثر مرونة ومتعددة المصادر ومترابطة إقليمياً.

نحتاج إلى مزيج متوازن من التوليد الحراري بالغاز والوقود الأحفوري والفحم النفطي حيثما كان اقتصادياً، مع التوسع المدروس في الطاقة الشمسية، وبالتوازي إعادة بناء النقل والمحطات التحويلية، وتحديث الحماية والتحكم، وإعادة إنشاء مركز التحكم القومي في سوبا، وإنشاء مسارات بديلة تمنع خروج خط واحد من إسقاط أجزاء واسعة من الشبكة.

ونحتاج إلى إعادة الربط مع مصر وإثيوبيا بعد تقوية خطوط النقل، وتوليد موزع قرب المناطق الصناعية والزراعية والمرافق الحيوية، ومحطات مستقلة للمياه والمستشفيات.

كما يجب دعم المواطن الذي فقد محوله وكابلاته ومنظومة التوزيع الداخلية، عبر دعم مباشر عيني أو مالي؛ فقد استنزفت الحرب مدخرات الناس وقدرتهم على إعادة التأهيل.

ولا يقل الإصلاح المؤسسي أهمية: توحيد شركات الكهرباء الخمس في كيان وطني قوي، وحوكمته مالياً وإدارياً، وإبعاد التدخل السياسي عن القرار الفني، وإعادة بناء الكادر الوطني.

فالمحول يمكن شراؤه، والتوربين يمكن استيراده، والوقود يمكن توفيره؛ لكن خبرة المهندس الحاذق الذي يعرف كيف يشخص الخلل، ويحمي الشبكة، ويعيد تشغيلها في اللحظة الحرجة، لا تُشترى في صندوق.

لقد كشفت الحرب أن أزمة كهرباء السودان أعمق من توربين متوقف، وأبعد من نقص الوقود، وأكبر من عطاء قيمته تسعة ملايين دولار.

 

لقد انكسرت المنظومة

 

ولهذا لا ينبغي أن ينتهي سؤال الكهرباء عند: كم ميغاواطاً ننتج؟ بل: كم نولِّد؟ كم ننقل؟ كم نحول؟ كم نوزع؟ وكم يصل فعلاً إلى المواطن؟.

قد تعود قري، وتعمل أم دباكر، وتستعيد مروي قدرتها، لكن إذا بقيت الشبكة ضعيفة فلن يشعر السودان بكامل قيمة هذه العودة.

إعادة إعمار الكهرباء ليست برنامجاً لإصلاح محطات متفرقة، وإنما مشروع وطني لإعادة بناء إحدى أهم ركائز الدولة والاقتصاد وربط الكهرباء بالتنمية والعدالة وتوزيع الفرص بين أقاليم الوطن.

لا يجوز أن يكون جزاء السودانيين بعد أن تسكت البنادق ويعم السلام أن نعيد لهم كهرباء الأمس ونعتبر ذلك إنجازاً.

لقد دفع هذا الشعب ثمناً باهظاً، ولذلك لا يستحق إعادة تشغيل أجزاء من الماضي، وإنما بناء كهرباء السودان الجديد: أقوى، وأكثر مرونة، ومتعددة المصادر، ومترابطة إقليمياً، وقادرة على حمل اقتصاد يتعافى ويتطلع إلى الصناعة والزراعة والمياه والتعدين والتكنولوجيا.

فإعادة الإعمار الحقيقية تبدأ حين ننظر إلى الكهرباء كما ينبغي أن ننظر إلى الدولة نفسها:

منظومة واحدة، لا أجزاء متفرقة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *