مظاهر الفساد المنسوبة لشرطة المرور السودانية مؤذية ولا تنفع معها الحملات المرحة

إبراهيم حمودة

 

شاهدت على إحدى منصات التواصل الاجتماعي فيديو لاثنين من منسوبي شرطة المرور بملابسهم البيضاء الناصعة، يعكفان على أداء إحدى أغنيات زيدان إبراهيم ذائعة الصيت، أحدهما على آلة الساكسفون والآخر يتولى الأداء الصوتي. وكعادة مرتادي هذه المنابر، ألقيت نظرة للتعليقات لمعرفة مدى استحسان المشاهدين للفيديو. الحقيقة، دهشت من الردود التي تركت سياق المادة المعروضة جانباً واتجهت للتلميح إلى فساد شرطة المرور وأساليبهم في تحصيل الأموال من السائقين بمختلف الطرق والمسميات التي تم ذكرها، والتي يدخل بعضها في قائمة «الراندوق» الذي لا قِبَل لي به.

ولأن ظهور الفيديو للشرطيين وهما ينشغلان انشغالاً سامياً بفن جميل ورفيع، تزامن مع صعود صفحة على تطبيق الفيسبوك وبقية المنابر، تقول إنها تفضح جرائم شرطة المرور بـ”الثابتة”، كما يردد صاحبها، استنتجت أو ظننت أنها ربما تكون حملة معاكسة منظمة من قِبَل الشرطة لتخفيف الأذى الذي حدث لسمعتها. مثل هذه الحملات معروفة وصارت جزءاً من وصايا خبراء علم الاتصال وتشكيل الصورة أو الشخصية بالنسبة للمؤسسات المختلفة.

لا أستطيع الجزم بأن الفيديو الذي شاهدته هو جزء أو تفصيلة من حملة مرحة مقابلة لتحسين الصورة، ولكني لا أستبعد الأمر، وهو إن حدث، خيار عاقل في المتناول. لكن الشاهد أن مثل هذه الحملات المرحة تعود بحصيلة أسوأ من عدم التقدير وانعدام الثقة.

العلاقة بين جهاز أو مؤسسة مثل الشرطة والمواطن لا تحكمها الثقة فقط بشكلها العام، مثل الثقة في ماركة منتج ما، أو الثقة في بنك أو مؤسسة مالية. الثقة هنا تمثل عقداً صامتاً بين المواطن وبين أجهزة الدولة التي يتوقع منها النزاهة المطلقة والشفافية وتطبيق القانون بشكل لا يفرق بين مواطن وآخر ولا يتجاوز روح القانون. يضاف لذلك قدرة الدولة على فحص أداء هذه الأجهزة مثل البوليس والجيش والخدمة المدنية.

في الغرب مثلاً، إذا أطلق شرطي النار من سلاح الخدمة الذي بحوزته، يتم على الفور أخذ أو تحريز السلاح منه ومنحه إجازة يبقى فيها بالمنزل حتى اكتمال التحقيق بواقعة استخدام السلاح، وما إذا كان تم وفق القانون ووفق القواعد والتعليمات المكتوبة المعروفة الخاصة باستخدام السلاح الناري في مواجهة المواطنين.

بذات القدر تضمن اللوائح والنظم ومقدرة الدولة الفعلية على المراقبة والمراجعة أن شرطي المرور يؤدي دوره بالنزاهة المتوقعة منه والتي تعكس نزاهة الدولة. لا يتعمد تحرير غرامة مالية دون سبب واضح أو دون داعٍ، ولا يدخل قيمة هذه الغرامة في جيبه الخاص. وبسبب أن السودان ما زال يعتمد إلى حد ما على الإيصالات الورقية في الأمور المالية ولم تكتمل الرقمنة بنسبة مائة في المائة، فأتوقع مثلاً في مسائل مثل الغرامات المالية أن يكون هنالك أكثر من فرد ضمن الطاقم العامل لضمان عدم الانفراد بالمواطن أو مستخدم الطريق موضوع المخالفة المنسوبة إليه. أن يتفق الفريق على اقتسام المبلغ أمر آخر.

نعود لموضوع الثقة المذكور أو العقد الصامت الذي يترجم في الاحترام الكامل للأشخاص الذين ينفذون أجهزة إنفاذ القانون أو يقدمون الخدمات العامة. في بلد يُحترم فيها القانون، يتوقف السائق لإشارة الشرطي بالتوقف ويسمع منه سبب التوقيف، وإذا حرر له الشرطي مخالفة ينتج عنها غرامة مالية يدفعها دون ممانعة.

بالمقابل، يجب أن يكون سلوك الشرطي أو المنتمي لأي جهاز من أجهزة الدولة على قدر الثقة وملتزماً بالموجهات والقوانين واللوائح التي تحكم عمله المكلف به.

الحديث السابق مجرد حديث نظري يفترض أن الدولة في ذات نفسها مهابة ومحترمة وتمثل مجموع السكان الذين تمثلهم وتعمل على خدمتهم. ومن أحكام هذه الهيبة أن توفر لموظفيها ما يحفظ كرامتهم ويقيهم شر الانزلاق لطرق ملتوية ومخالفة للقانون كي يتمكنوا من توفير مبلغ يسد حاجتهم الفعلية وحاجة أسرهم.

إن كان راتب المعلم مثلاً لا يكفي أجرة المواصلات للمدرسة جيئة وذهاباً خلال الشهر، فمن العبث أن تتوقع ازدهار التعليم أو جودة في أداء المعلم بطريقة ينتفع بها التلاميذ والطلاب. ذات القدر ينطبق على مؤسسات مثل الجيش والشرطة بتشكيلاتها المختلفة وبقية القوى الأمنية الحاملة للسلاح.

أعتقد أن كل مواطن يعرف أن بعض حاملي السلاح يستخدمونه طوال تاريخ الأنظمة السياسية المختلفة بشكل متجاوز للقانون من أجل الحصول على خدمات أو أموال، أو حتى محاولة الحصول على احترام غير مستحق بالتلويح بالسلاح، وأن الدولة ظلت غير راغبة أو غير قادرة على إنصاف المواطنين المتظلمين في معظم الحالات.

الشاهد حالياً، وفيما يخص شرطة المرور، أن هنالك سيلاً من الفيديوهات التي تظهر رجال المرور بزيهم الأبيض الناصع، أو المتسخ أحياناً، وهم يتقاضون مبالغ مالية من أشخاص لا تظهر ملامحهم أو وجوههم في الصورة، ولكن ما يمكن ملاحظته أن النظامي يستلم أموالاً. مثل هذه الأمور حين تتحول إلى نسق أو تتكرر، أو تتحول إلى حملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حملة جائرة كانت أم محقة في تناولها ومقصدها، أمر يستحق التحقيق الشامل الجاد واستئصال أي شرطي فاسد إن تم إثبات التهمة عليه.

وفي حالة سكوت القادة أو تقاعسهم عن فتح مثل هذا التحقيق، يجب إيقافهم ومساءلتهم من السلطات الأعلى. مثل هذه الفيديوهات يجب أن تؤخذ بالجدية اللازمة، ليس لأنها تثبت بشكل قاطع حدوث فساد، ولكن من أجل فحصها من حيث صحتها في الأساس، وتحديد السياق الذي حدثت فيه عملية الدفع، والتعرف على الأشخاص موضوع الفيديو.

أرى أنه أمر مهين أن تتم مناداة رتب عليا في الشرطة بأسمائهم ورتبهم ومواقعهم التي يحتلونها من أجل التدخل في الوقائع والملابسات التي تظهر في الفيديوهات التي طالعناها، وأرجو ألا ننتظر طويلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *