الحقوق في زمن الحرب (7)

الحق في العدالة والإنصاف.. عندما تصبح العدالة طريقًا لاستعادة الإنسان والدولة

 

صفاء الزين

 

العدالة حق أساسي يرتبط بكرامة الإنسان، وحريته، وأمنه، وهي من الدعائم التي تقوم عليها الدولة الحديثة. فالإنسان يحتاج إلى قانون يحميه، وقضاء مستقل ينصفه، ومؤسسات تستمع إلى شكواه، وآليات تمنحه فرصة الوصول إلى الحقيقة والانتصاف عند تعرضه للظلم أو الانتهاك. ومع غياب العدالة تتسع مساحة الخوف، وتتراجع الثقة في مؤسسات الدولة، ويشعر المواطن بأن حقوقه معرضة للضياع.

 

وفي السودان، اكتسب الحق في العدالة والإنصاف أهمية استثنائية مع استمرار الحرب منذ الخامس عشر من أبريل 2023، فقد خلَّف الصراع أعدادًا كبيرة من الضحايا، وارتبط بانتهاكات واسعة طالت المدنيين، شملت القتل، والتهجير، والاعتقال، والاختفاء، والتعذيب، والعنف الجنسي، وتدمير الممتلكات، وغيرها من الانتهاكات. ومع اتساع حجم المأساة أصبحت العدالة جزءًا أصيلًا من أي تصور جاد لمستقبل السودان، لأن إنهاء الحرب يقتضي معالجة آثارها على الإنسان والمجتمع والدولة.

 

العدالة حق لكل إنسان

 

الحق في العدالة يعني حصول الإنسان على حماية قانونية متساوية، وإتاحة فرصة حقيقية للجوء إلى المؤسسات المختصة عند تعرضه لانتهاك أو ظلم؛ ويشمل ذلك الوصول إلى القضاء، والمحاكمة العادلة، والمساعدة القانونية، ومعرفة الحقيقة، والحصول على جبر الضرر. وتقوم العدالة على المساواة أمام القانون؛ فلا ينبغي أن تختلف قيمة حق الإنسان بسبب موقعه الجغرافي، أو وضعه الاجتماعي، أو انتمائه السياسي، أو ظروف الحرب. فكرامة الضحية واحدة، وحقها في الإنصاف واحد، ومسؤولية الدولة تجاهها قائمة في جميع الظروف.

 

الحرب واتساع دائرة الانتهاكات

 

أدت الحرب في السودان إلى اتساع دائرة الانتهاكات، وأصبح المدنيون في مناطق مختلفة من البلاد يواجهون أخطارًا متعددة. ومع استمرار القتال والنزوح وتراجع المؤسسات في مناطق واسعة، يجد كثير من الضحايا صعوبة في الوصول إلى الجهات القادرة على الاستماع إلى شكاواهم وتوفير الحماية القانونية لهم.

وتتضاعف معاناة الضحية عندما تفقد أحد أفراد أسرتها، أو منزلها، أو مصدر رزقها، ثم تجد نفسها عاجزة عن الوصول إلى العدالة. فالألم الناتج عن الانتهاك يصبح أكثر قسوة عندما يشعر الإنسان بأن حقه في الشكوى غير متاح، وأن المسؤول عن الانتهاك قادر على الإفلات من المساءلة. ومن هنا تصبح استعادة مؤسسات العدالة جزءًا أصيلًا من استعادة حياة المجتمع نفسه.

 

الوصول إلى العدالة

 

العدالة تحتاج إلى مؤسسات قريبة وآمنة، وإجراءات واضحة، ومحامين قادرين على تقديم المساعدة، وقضاة مستقلين، ووسائل تتيح للضحايا تقديم شكاواهم وحماية الأدلة. وقد يواجه النازح، أو اللاجئ، أو الشخص الذي يعيش في منطقة متضررة من الحرب صعوبات كبيرة في الوصول إلى هذه الخدمات؛ لذلك تحتاج الدولة في مرحلة التعافي إلى تطوير آليات عدلية تصل إلى المناطق المتضررة، وتوفر المساعدة القانونية للضحايا، وتراعي الظروف الخاصة للفئات الأكثر هشاشة. فالوصول إلى العدالة حق، وتوفير وسائل الوصول إليها مسؤولية مؤسسية، وأي عائق يحرم الإنسان من هذا الحق يضعف ثقة المجتمع في الدولة.

 

استقلال القضاء أساس الإنصاف

 

يصعب بناء عدالة حقيقية من دون قضاء مستقل؛ فالقاضي يحتاج إلى الاستقلال عن الضغوط السياسية، والعسكرية، والاجتماعية، حتى يستطيع تطبيق القانون وفق معايير مهنية عادلة. ويحتاج السودان في مرحلة إعادة بناء الدولة إلى إصلاح مؤسسات العدالة وتعزيز استقلالها، وتوفير ضمانات تحمي القضاة، وأعضاء النيابة، والمحامين، من التدخل والتهديد. فالقضاء المستقل يمنح المواطن شعورًا بأن القانون قادر على حمايته، ويمنح المجتمع وسيلة سلمية لحل النزاعات، ويضع حدودًا لاستخدام القوة والنفوذ.

 

العدالة للضحايا

 

الضحايا في السودان يحتاجون إلى أكثر من الاعتراف بما تعرضوا له؛ يحتاجون إلى الحقيقة، وإلى سماع أصواتهم، وإلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإلى جبر الضرر. وجبر الضرر يمكن أن يأخذ صورًا متعددة، منها التعويض، وإعادة الحقوق، وإعادة الممتلكات، والدعم النفسي والاجتماعي، والاعتراف الرسمي بالانتهاكات، وضمان عدم تكرارها. والضحية تحتاج إلى أن تشعر بأن الدولة والمجتمع يعترفان بمعاناتها، وأن ما تعرضت له لن يضيع داخل ذاكرة الحرب؛ ويحتاج المجتمع كذلك إلى الاعتراف بالضحايا حتى تتحول الذاكرة من مصدر للألم والانقسام إلى أساس لفهم الماضي وبناء المستقبل.

 

العدالة ومواجهة الإفلات من العقاب

 

يمثل الإفلات من العقاب أحد أخطر التحديات أمام مستقبل السودان؛ فعندما يرتكب شخص انتهاكًا خطيرًا من دون مساءلة، تصل إلى المجتمع رسالة شديدة الخطورة مفادها أن القوة تستطيع تجاوز القانون. وتكرار هذه الحالة يضعف احترام القانون، ويشجع على استمرار الانتهاكات؛ ولهذا تمثل المحاسبة عنصرًا أساسيًا في حماية المجتمع من تكرار العنف. والمساءلة تحتاج إلى إجراءات قانونية عادلة تقوم على الأدلة، والتحقيق المستقل، واحترام حقوق المتهمين والضحايا في الوقت نفسه؛ فالعدالة تقوم على إثبات المسؤولية وفق القانون، وتحمي الضحية من دون تحويل القضاء إلى وسيلة للانتقام.

 

العدالة الانتقالية بعد الحرب

 

سيحتاج السودان إلى مسار شامل للعدالة الانتقالية يعالج إرث الانتهاكات المتراكمة عبر سنوات طويلة، ويضع الضحايا في مركز عملية التعافي. وتشمل العدالة الانتقالية كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، وضمان عدم تكرار الانتهاكات؛ وهي عملية تحتاج إلى مشاركة الضحايا والمجتمعات المتضررة، وإلى مؤسسات مستقلة تتمتع بالثقة والقدرة على العمل. والعدالة الانتقالية تفتح ملفات الماضي لمعرفة ما حدث، وتحديد المسؤوليات، وإنصاف الضحايا، وإصلاح المؤسسات، ومعالجة الأسباب التي أسهمت في إنتاج العنف، بعيدًا عن تحويلها إلى أداة للانتقام.

 

العدالة والمساواة بين السودانيين

 

أظهرت الحرب خطورة التمييز المرتبط بالموقع الجغرافي، أو الهوية، أو الانتماء السياسي؛ ولذلك يجب أن يقوم الإنصاف على المساواة في الحقوق. فالعدالة التي تصل إلى مراكز المدن وتغيب عن الأطراف تترك شعورًا عميقًا بالغبن، والمواطن في القرية النائية يحتاج إلى الحماية القانونية ذاتها التي يحتاج إليها المواطن في العاصمة. ولهذا فإن بناء دولة عادلة يتطلب توزيع مؤسسات العدالة والخدمات القانونية بصورة متوازنة، وضمان وصول جميع المواطنين إليها دون تمييز، مع مراعاة المناطق التي تعرضت للتهميش أو الحرب لفترات طويلة.

 

النساء والأطفال والعدالة

 

تحتاج النساء والأطفال إلى آليات عدلية تراعي طبيعة الانتهاكات التي قد يتعرضون لها؛ فالعنف الجنسي، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والاستغلال، والاختفاء، وفقدان أحد الوالدين، كلها قضايا تحتاج إلى استجابة قانونية واجتماعية متخصصة. وقد تمنع الوصمة الاجتماعية، أو الخوف، أو انعدام الحماية بعض الضحايا من تقديم الشكاوى؛ لذلك يجب توفير بيئات آمنة وسرية، ودعم قانوني ونفسي، وآليات لحماية الشهود والضحايا. كما يحتاج الأطفال المتضررون من الحرب إلى إجراءات عدلية تراعي أعمارهم واحتياجاتهم النفسية، وتحميهم من التعرض لمزيد من الأذى.

 

العدالة والحقيقة

 

الحقيقة جزء أصيل من الإنصاف، فالمجتمعات التي تعجز عن معرفة ما حدث تظل أسيرة الروايات المتضاربة، وقد تتحول الذاكرة نفسها إلى مساحة جديدة للصراع. ولهذا فإن توثيق الانتهاكات، وحفظ الأدلة، وشهادات الضحايا، يمثل مهمة وطنية وحقوقية كبرى؛ فمعرفة الحقيقة تساعد الأسر على معرفة مصير مفقوديها، وتساعد المجتمع على فهم ما جرى، وتوفر أساسًا للمساءلة وجبر الضرر. والحقيقة تحتاج إلى توثيق مهني يحمي الوقائع من التلاعب، ويفصل بين المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية، ويحمي ذاكرة الضحايا من التوظيف السياسي.

 

إصلاح مؤسسات الدولة

 

تحتاج العدالة المستدامة إلى إصلاح مؤسسات الدولة المرتبطة بحماية الحقوق وتطبيق القانون؛ فالشرطة، والنيابة، والقضاء، والمؤسسات العدلية، تحتاج إلى المهنية، والاستقلال، والمساءلة. ويجب أن يكون الإصلاح المؤسسي جزءًا أصيلًا من عملية بناء الدولة بعد الحرب، حتى يشعر المواطن بأن المؤسسات تعمل لخدمته وحمايته.

كما تحتاج مؤسسات العدالة إلى كوادر مؤهلة، وموارد كافية، وبنية تحتية مناسبة، ونظم حديثة لحفظ الملفات والأدلة، وآليات رقابة تمنع إساءة استخدام السلطة. والإصلاح هنا يتجاوز المباني واللوائح إلى إعادة صياغة العلاقة بين المؤسسة والمواطن على أساس الحقوق وسيادة القانون.

 

العدالة أساس السلام

 

السلام الذي يغيب عنه العدل يظل هشًا؛ فالمجتمعات التي تحمل جراحًا عميقة من دون إنصاف قد تعود إلى دائرة العنف مع تجدد أسباب الصراع. ولهذا يجب أن تكون العدالة جزءًا من عملية السلام، وأن يشعر الضحايا بأن التسوية السياسية لن تأتي على حساب حقوقهم؛ فوقف الحرب يحتاج إلى مسار متزامن لمعالجة الانتهاكات، وحماية الضحايا، وإعادة بناء الثقة. والسلام المستدام يحتاج إلى ثقة، والثقة تحتاج إلى قانون، والقانون يحتاج إلى مؤسسات عادلة قادرة على حماية الحقوق ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكها.

 

العدالة واستعادة الدولة

 

يرتبط الحق في العدالة والإنصاف بمستقبل الدولة السودانية نفسها؛ فالدولة التي يعجز فيها المواطن عن الوصول إلى العدالة تفقد إحدى وظائفها الأساسية، وتفقد معها جزءًا من مبرر وجودها في وعي مواطنيها. واستعادة الدولة تحتاج إلى استعادة ثقة المواطن في القانون، وبناء مؤسسات قادرة على الإنصاف، والاعتراف بضحايا الانتهاكات، ومعالجة آثار الحرب بصورة تحفظ كرامتهم وحقوقهم.

السودان يحتاج إلى عدالة ترى الإنسان قبل الانتماء، والضحية قبل السياسة، والقانون قبل القوة؛ يحتاج إلى دولة يشعر فيها المواطن بأن حقه محفوظ، وشكواه مسموعة، وكرامته محمية، وأن المسؤولية لا تسقط بسبب النفوذ، أو السلاح، أو الموقع. فالعدالة طريق لحماية الإنسان، والإنصاف وسيلة لإعادة بناء الثقة، والمساءلة ضمانة لعدم تكرار الانتهاكات؛ ومن خلال هذه المبادئ تستطيع العدالة أن تنتقل من مطلب للضحايا إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة وعلاقتها بمواطنيها.

إن السودان الذي نريد بناءه يحتاج إلى عدالة تصل إلى كل مواطن، وإنصاف يقوم على المساواة، ومؤسسات تحمي الحقوق، ودولة تجعل سيادة القانون أساسًا لعلاقتها مع المجتمع. فالدولة التي تعجز عن إنصاف ضحاياها ستظل تحمل أسباب نزاعها داخل مؤسساتها، أما الدولة التي تضع العدالة في قلب إعادة البناء فتقطع الطريق أمام تحويل الظلم المتراكم إلى حرب جديدة.

العدالة هي الشرط الذي يمنع السلام من التحول إلى هدنة مؤقتة بين جولات العنف، وليست بندًا لاحقًا على السلام. فالدولة التي تعجز عن إنصاف الضحية تترك للجراح حق كتابة المستقبل، والدولة التي تسمح للقوة بتجاوز القانون تعيد إنتاج الحرب داخل مؤسساتها نفسها، ولهذا فإن مستقبل السودان سيتحدد بقدرته على تحويل العدالة من وعد أخلاقي إلى سلطة قانونية نافذة، تحمي الإنسان، وتردع المعتدي، وتعيد للدولة معناها.

 

لا للحرب.. نعم للعدالة، فلا سلام بلا عدالة. نعم للإنصاف. نعم لمساءلة تحمي الإنسان. ونعم لدولة يكون فيها القانون أقوى من القوة، وتكون فيها كرامة الضحية بداية الطريق نحو سودان أكثر عدلًا وسلامًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *