صفاء الزين
هناك أيام لا تُقاس بالساعات التي مرت فيها، ولا بعدد من خرجوا إلى شوارعها، بل بما تتركه في وجدان الشعوب من أثر لا يمحوه الزمن. أيام تتحول إلى علامات فاصلة بين ما كان وما يجب أن يكون، بين واقع أثقلته الأزمات، وحلم يتطلع إلى وطن أكثر عدلًا وأمنًا واستقرارًا. ومن بين هذه الأيام، يظل الثلاثون من يونيو في السودان 2019 لحظة استثنائية، لأنها لم تكن مجرد موعد للتظاهر، بل كانت تعبيرًا عن إرادة وطن يبحث عن مستقبله، وعن شعب قرر أن يكون شريكًا في صناعة مصيره.
في تلك اللحظات، لم يكن السؤال: من ينتصر على من؟، بل كيف ينتصر السودان على أزماته؟. فالأوطان لا تنهض حين يغلب فريقٌ فريقاً آخر، وإنما تنهض عندما ينتصر الجميع لفكرة الوطن، وعندما تصبح المصلحة الوطنية هي البوصلة التي تهدي القرار، بعيدًا عن الاستقطاب والانقسام.
لقد عاش السودان خلال سنوات متلاحقة تحولات عميقة، حملت معها آمالًا كبيرة وتحديات أكبر. وبين تطلعات المواطنين إلى الحرية والعدالة، وتعقيدات الواقع السياسي والاقتصادي والأمني، وجد السودانيون أنفسهم أمام اختبار بالغ الصعوبة: كيف يمكن الحفاظ على الدولة، وفي الوقت نفسه تحقيق تطلعات الشعب؟ وهو سؤال لم يكن السودان وحده مَن واجهه، بل واجهته أمم كثيرة مرت بمراحل انتقالية، واكتشفت أن بناء المستقبل أصعب كثيرًا من تغيير الماضي.
وجاءت الثلاثون من يونيو 2019م لتؤكد أن الشعوب تظل حاضرة في معادلة التاريخ، وأن صوت المواطنين يظل عنصرًا أساسيًا في رسم ملامح المرحلة المقبلة. فقد خرج السودانيون، كلٌّ يحمل رؤيته وآماله، لكنهم التقوا عند فكرة واحدة؛ أن السودان يستحق مستقبلًا أفضل، وأن الوطن أكبر من المصالح الضيقة، وأبقى من الصراعات العابرة.
غير أن التجارب علمتنا أن الثورات ليست نهاية الطريق، وإنما بدايته. فإسقاط واقع لا يعني بالضرورة بناء واقع جديد، والانتقال من مرحلة إلى أخرى يحتاج إلى مؤسسات قوية، وإلى ثقافة سياسية تتسع للاختلاف، وإلى قيادة تدرك أن الحفاظ على الدولة لا يقل أهمية عن تحقيق مطالب الإصلاح. فالدولة ليست مباني ومؤسسات فحسب، وإنما هي شعور المواطن بالأمان، وثقته في العدالة، وإيمانه بأن الغد سيكون أفضل من الأمس.
ولعل الدرس الأهم الذي قدمته التجربة السودانية هو أن الأمل وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى مشروع وطني جامع. فالأوطان لا تُدار بالشعارات، وإنما بالرؤية والعمل والصبر. وكل مشروع للنهضة يحتاج إلى اقتصاد قوي، وتعليم يفتح أبواب المستقبل، ومؤسسات تحمي القانون، ومجتمع يؤمن بأن التنوع مصدر ثراء لا سببًا للخلاف.
لقد دفع السودان ثمنًا باهظًا للصراعات والانقسامات، وما زال المواطن السوداني يتحمل أعباء ظروف إنسانية واقتصادية وأمنية قاسية. ومع ذلك، لم يفقد السودانيون قدرتهم على التمسك بالأمل. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تتمسك بوطنها، مهما اشتدت المحن، تظل قادرة على استعادة عافيتها متى اجتمعت الإرادة، وارتفعت المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
إن استذكار الثلاثين من يونيو لا ينبغي أن يكون مناسبة لاستدعاء الخلافات، بل فرصة لمراجعة التجربة بأكملها، واستخلاص الدروس منها. فالأمم التي تتعلم من تاريخها هي وحدها القادرة على صناعة مستقبل أكثر استقرارًا. أما التي تبقى أسيرة الانقسام، فإنها تمنح الأزمات فرصة جديدة للتجدد.
واليوم، والسودان يمر بمرحلة دقيقة من تاريخه، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى مشروع جامع يعيد بناء الثقة بين أبناء الوطن، ويؤسس لدولة تتسع للجميع دون إقصاء، وتحفظ كرامة الإنسان، وتصون سيادة البلاد، وتفتح المجال أمام التنمية والإعمار بعد سنوات أنهكت الإنسان والمكان.
إن بناء السودان الجديد لا يبدأ من إعادة إعمار الطرق والجسور وحدها، بل يبدأ بإعادة إعمار الثقة، وإحياء قيم المسؤولية، وترسيخ ثقافة الحوار، والاقتناع بأن الوطن لا يملكه تيار ولا حزب ولا جماعة، وإنما هو ملك لجميع السودانيين، حاضرهم ومستقبلهم.
ولعل أكثر ما تحتاجه الأمم في لحظات التحول ليس فقط تغيير الوقائع السياسية، وإنما إعادة تشكيل الوعي الجمعي تجاه معنى الوطن ذاته. فالوطن ليس مجرد حدود ترسمها الخرائط، ولا مجرد مؤسسات تدير الحياة اليومية، بل هو ذلك الإحساس العميق الذي يجعل الإنسان يرى في استقرار بلده جزءًا من استقراره الشخصي، وفي نهضته امتدادًا لأحلامه وأحلام أبنائه. وعندما تضعف هذه العلاقة بين المواطن ووطنه، تصبح الأزمات أكثر تعقيدًا، لأن خسارة الثقة تظل من أصعب الخسائر التي يمكن أن تواجهها الشعوب.
لقد أثبتت التجارب عبر التاريخ أن الدول لا تنهار فقط بسبب الحروب أو الأزمات الاقتصادية، وإنما قد تنهار عندما تتآكل الروابط التي تجمع أبناءها، وعندما يتحول الاختلاف الطبيعي إلى انقسام دائم، ويتحول التنوع – الذي يفترض أن يكون مصدر قوة – إلى سبب للصراع. والسودان، بما يحمله من تنوع ثقافي واجتماعي وإنساني ثري، يملك من المقومات ما يجعله قادرًا على بناء تجربة وطنية فريدة إذا ما أُحسن توظيف هذا التنوع في إطار مشروع وطني جامع.
فهذا البلد لم يكن يومًا أرضًا فقيرة بالإمكانات، بل كان دائمًا غنيًا بالموارد والطاقات والإنسان. أرض واسعة تحمل في باطنها الخير، وشعب عرف بالصبر والكرم والقدرة على تجاوز المحن. لكن الثروة الحقيقية لأي دولة لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد طبيعية، بل بما تملكه من قدرة على تحويل هذه الموارد إلى تنمية، وتحويل الأحلام إلى خطط، وتحويل الإرادة إلى عمل حقيقي ينعكس على حياة الناس.
واليوم، لا يحتاج السودان إلى معجزات بقدر ما يحتاج إلى توافق وطني حقيقي يعيد ترتيب الأولويات. يحتاج إلى أن يصبح بناء الإنسان هو البداية، لأن الإنسان هو الركيزة الأولى لكل مشروع نهضة. يحتاج إلى تعليم يصنع العقول، وإلى اقتصاد يمنح الشباب فرصة للحياة الكريمة، وإلى مؤسسات قوية يشعر المواطن في ظلها بالعدل والمساواة، وإلى إعلام يعزز الوعي بدلاً من تعميق الانقسام، وإلى خطاب وطني يزرع الأمل بدلًا من الخوف.
وفي خضم ما مرّ به السودان من تحديات قاسية، تبقى الحقيقة الأهم أن الأوطان لا تُقاس بما تواجهه من أزمات، بل بما تملكه من قدرة على تجاوزها. فكم من دول مرت بظروف بدت في لحظاتها الأولى وكأنها نهاية الطريق، ثم تحولت لاحقًا إلى تجارب ملهمة في إعادة البناء والانطلاق. ولم يكن الفارق يومًا في حجم التحديات، وإنما في حجم الإرادة التي واجهتها. فحين تؤمن الشعوب بأن مستقبلها يستحق التضحية، وحين تدرك أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن الحوار ليس ضعفًا بل وسيلة للعبور نحو الاستقرار، تصبح الأزمات محطات عابرة لا قدرًا دائمًا.
إن الأوطان تُبنى حين يشعر كل مواطن أن له مكانًا فيها، وأن صوته مسموع، وأن مستقبله ليس رهينة للصراعات ولا للظروف العابرة. فالإحساس بالانتماء ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما شعور يتجسد في العدالة، وفي تكافؤ الفرص، وفي الإيمان بأن الوطن يمنح أبناءه حقهم في الحلم كما يمنحهم حقهم في الحياة الكريمة.
وربما كانت أكبر الرسائل التي تحملها ذكرى الثلاثين من يونيو أن الشعوب، مهما تعرضت للإحباط، لا تفقد قدرتها على النهوض. فقد تمر السنوات محمّلة بالتحديات، وقد تتأخر الأحلام، وقد تتعثر الخطوات، لكن إرادة الحياة تظل أقوى من اليأس، وإرادة الشعوب تظل قادرة على إعادة كتابة المستقبل متى وجدت الرؤية والقيادة والمسؤولية المشتركة.
تبقى الثلاثون من يونيو، بما تحمله من رمزية، تذكيرًا بأن إرادة الشعوب قادرة على صناعة التحولات، لكنها أيضًا تذكير بأن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تتحقق في الشوارع، وإنما تلك التي تتحقق في بناء دولة عادلة، ومؤسسات مستقرة، ومجتمع متماسك يحمي وحدته ويصون مستقبله.
فالتاريخ لا يخلّد الأيام لأنها كانت صاخبة، بل لأنه يرى فيما حملته من معانٍ ما يستحق البقاء. والذكرى الحقيقية ليست احتفالًا بالماضي، وإنما عهدٌ متجدد مع المستقبل، بأن يبقى السودان وطنًا يتسع لجميع أبنائه، وأن تتحول تضحياتهم وآمالهم إلى مشروع نهضة يليق بتاريخ هذا البلد العظيم، وبشعبه الذي أثبت، في أصعب اللحظات، أن الأوطان قد تتعب، لكنها لا تموت ما دام في أبنائها من يؤمن بها ويعمل من أجلها.