تساؤلات مشروعة؟
لم يخيِّب المؤتمر الصحفي الأول للجنة الحوار السوداني-السوداني ظن أكثر الناس تفاؤلاً. لم يقدم مؤتمر السلام روتانا إجابة لكل الأسئلة الموضوعية والملحة التي تطرحها، ولا أي مشروعات حلول للأزمة السودانية وانتظر السودانيون إجاباتها ليزيلوا الشكوك التي انتابتهم بشأن فعالية اللجنة منذ الإعلان عن تشكيلها.
حيث اكتفى أعضاء اللجنة بالتأكيد على أن دورهم يقتصر على تهيئة المناخ للحوار دون أن يطرحوا حتى ولو رأياً مبدئياً في التحديات الأساسية التي تواجه كل المحاولات المحلية والإقليمية والدولية لإطلاقه.
بداية؛ هل يمكن أن يبدأ الحوار والحرب ما تزال مستعرّة تأكل الأخضر واليابس؟، فأي حوار لا يجعل من وقف الحرب هدفه الأول يصبح غير مجدٍ، لأنه سيكون حواراً يثبِّت حالة الانقسام الجغرافي التي تعيشها البلاد بين مناطق سيطرة الجيش ومناطق سيطرة الدعم السريع ما يهدد وحدة البلاد، لذا يصبح وقف الحرب حجر الزاوية في أي حوار، لأنه يسمح بمشاركة أوسع ويحول دون تقسيم السودان مستقبلاً، ويحول دون أن يهيمن أي من أطراف الحرب على الحوار.
القضية الثانية، التي لم تفصح عنها اللجنة، هي كيفية تحديد الأطراف المشاركة في الحوار، وهي المعضلة التي ظلت محل خلاف بين القوى المدنية والقوى الإقليمية والدولية وآخرها “الخماسية”. فدون تحديد أسس متوافَقٍ عليها لاختيار الأطراف المشاركة في الحوار فإن محاولات “إغراق” الحوار بقوى موالية لقائد الجيش أو أي من الأطراف الأخرى ستهدد نتائجه.
ولم يترك الدكتور نصرالدين شلقامي، عضو اللجنة، فرصة لأصحاب النوايا الحسنة حين أقر في تصريحات لمنصة (الطريق 18) أن المؤتمر الوطني لن تتم دعوته للحوار، بينما ستتم دعوة أمه الرؤوم الحركة الإسلامية، ما يعكس تناقضاً مع تصريحات سابقة لقائد الجيش ونوايا مبيتة لإعادة الحياة لفلول النظام البائد.
أيضاً لم تحدد اللجنة الهدف النهائي للحوار الذي تسعى إليه، فدون تحديد هدف نهائي واضح سيدور الحوار في حلقة مفرغة، ويتحول إلى “مسرح” لكسب الوقت ومحاولات فرض الأمر الواقع. الهدف النهائي لأي حوار في ظروف السودان الحالية، وبعد وقف الحرب وإيصال المساعدات الإنسانية وعودة اللاجئين والنازحين، هو الحكم المدني الديمقراطي عبر مرحلة انتقالية تتولى عمليات إعادة التعمير وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية والإصلاح الدستوري والقانوني، وإصلاح المؤسسات العسكرية ودمجها في جيش مهني موحد، وإصلاح الخدمة المدنية، ومن ثم تنظيم انتخابات حرة نزيهة تأتي ببرلمان وحكومة منتخبة.
اللجنة لم تحدد أيضاً أبعاد علاقتها مع سلطة الأمر الواقع، فلا يكفي الحديث عن الاستقلالية والجميع يعلم أن كل تكاليف السفر والإقامة والتنقل الداخلي وتنظيم الاجتماعات والمؤتمر الصحفي تولى توفيرها مستشار البرهان؛ علاء الدين محمد عثمان، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول استقلاليتها ودون التشكيك في أعضاء اللجنة.
أخيراً، وقبل أن يجف مداد قرارات وزير العدل “الملتبسة” بشأن البلاغات المفتوحة ضد قيادات القوى المدنية، جاءت تصريحات رئيس أركان القوات المسلحة، الفريق ياسر العطا، والتي تطرح تساؤلات بشأن قرارات وزير العدل على علاتها. فخلال مخاطبته لقوات متوجهة لمناطق العمليات يوم الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 وجّه انتقادات للقوى السياسية والمدنية الرافضة للحرب وصلت حد اتهامها بالعمالة والخيانة والعمل ضد الوطن والجيش ومساندة مساعي ومحاولات “إعادة استعمار السودان مجدداً”.
اللجنة تنكبت الطريق منذ البداية، فالشعب السوداني يريد توجهات واضحة تستجيب أولاً لمطلب وقف الحرب ومن ثم الدخول في حوار سياسي يعيد الاعتبار لأهداف ثورة ديسمبر المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة والحكم المدني. وحسناً فعلت القوى المدنية برفضها المشاركة في هذا الحوار الذي يهدد وحدة السودان ويقود لتثبيت سلطة قائد الجيش.
لا للحرب.