أنا أجذب ما أريد.. تخدير النفس بلغة التنمية البشرية

أماني أبو سليم

يكفي أن تمر دقائق على وسائل التواصل الاجتماعي لتشاهد تدفق الأسئلة وطلب الاستشارات على من يسمون أنفسهم مدربي تنمية بشرية. نصائح التجلي، تمارين الامتنان، وجذب الوفرة وتأكيد الاستحقاق. تحولت هذه اللغة إلى اقتصاد رقمي حقيقي، له مدربوه ومؤثروه ودوراته وورش عمل ومنتجات مختلفة، وأصبح بعض صانعي هذا المحتوى نجوماً يتابعهم جمهور كبير.

أستحق النجاح. أنا أستحق الوفرة. أنا أجذب ما أريد. أنا أعيش أفضل نسخة من نفسي. كل ما أريده يقترب مني. أتخلى عن الخوف وأثق في الكون. أفكر في الشيء كأنه حدث بالفعل، وسأراه في حياتي.

هذه العبارات اصبحت مكررة، وتحولت إلى دورات تدريبية وورش تعدنا بأننا نعيد اختراع أنفسنا.

المشكلة ليست في أن يردد الواحد منا لنفسه عبارات تشجيع، المشكلة عندما يتحول القول لبديل عن الفعل لإحداث تغيير إيجابي بالحياة، فالأساس هو الفعل والقول يساعد عليه، وليس تكرار القول انتظاراً لمعجزة.

للتأكيدات الذاتية استخدامات مدروسة في علم النفس، ويمكن لبعض ممارساتها أن تساعد الإنسان على حماية إحساسه بقيمته والتعامل بصورة أكثر إيجابية مع التهديدات والضغوط، وتحسين طريقة تفكيره وقدرته على التعامل مع الأزمات.

لكن مع انتشار الشكل التجاري لتطوير الذات، يمكن أن تتحول هذه الممارسات إلى وسيلة للتخدير وقبول الركون للقول بدلاً عن الفعل.

أن يكرر الواحد لنفسه (أستطيع أستطيع) قد يساعد على المحاولة. لكنه لا يمنح مهارة الفعل لتغيير السلوك الذي قد يكون السبب الأساس للأزمة أو المشكلة. وأن يتخيل النجاح قد يزيد الحماس، لكنه لا يعفي من التجريب والالتزام واختبار الفشل والإحباط ثم النهوض من جديد. محاولة إقناع جمهور المتابعين أن تكرار العبارة أو تخيل النتيجة كافٍ لتحقيقها يجعل من الخطاب التجاري لتطوير الذات شكلاً من أشكال بيع الوهم.

ولكن لماذا ينجح هذا الوهم في الانتشار؟

لأنه يستثمر في حاجة بشرية طبيعية جداً؛ الحاجة إلى الأمل، وإلى الشعور بالسيطرة على المستقبل، وإلى الاعتقاد بأن الظروف قابلة للتحسن. هذه حاجة حقيقية، ولذلك يسهل تحويلها إلى سوق لبيع الشعور بأنك في طريق النجاح بدلاً عن النجاح نفسه، ببيع دورة تدريبية، بترديد عبارات، برسم الأمنيات على الورق، بالاستماع لمقاطع عن الاستحقاق والوفرة. كل ذلك يمنح إحساساً بالتقدم في طريق النجاح، فيربح البيع وتنجح التجارة.

هذه التجارة مبنية على فهم الطبيعة البشرية، أن الإنسان يرغب في الشعور الذي يحسه عند الحصول على ما يرغب، وهنا يصبح تكرار العبارات مريحاً لأنه يمنح جزءاً من هذا الشعور دون تعب بالفعل لتحقيق تلك الرغبة.

هو تقريباً ذات الأمر، وإن بصورة مختلفة، فيما نراه من التدين الشكلي. فالدين في أصله ليس مجرد أداء طقوسي، بل عمل وسلوك ينبع من إيمان وعبادة ومعنى وأخلاق ومسؤولية. لكن حين تختزل الممارسة الدينية في شكل الطقس وحده، قد يصبح أداء الطقس في نظر صاحبه دليلاً كافياً على الصلاح، كما قد تصبح العبارة التحفيزية دليلاً في نظر قائلها على التقدم.

في الحالتين، يصبح الشكل أكثر سهولة مما يحدث حقيقةً، والقول أسهل من الفعل.

فالإنسان يحب أن يشعر بأنه يتقدم، أكثر من حبه أن يبذل ما يتطلبه التقدم. عبارة تمنحه الأمل، دورة تمنحه شعوراً بأنه يعمل على نفسه، وتخيُّلٌ للنجاح يمنحه بعضاً من نشوة الوصول إليه، من دون أن يخوض مشقة الطريق، عندها يختلط الشعور بالتقدم بالتقدم الفعلي. لأن التغيير الحقيقي لا يكون سريعاً ولا يأتي بسهولة، إنه يتحقق عن طريق التجربة والالتزام، والفشل والإحباط، ومراجعة الأخطاء وتغيير العادات. لذلك يكون الترديد أسهل من العمل، وشراء الإحساس بالتقدم أسهل من تحقيقه. وعند استبدال العمل بترديد عبارات، لن يكون ذلك طريقاً إلى التغيير، بل يتحول فقط إلى إيهام أنفسنا بأننا نتغير.

التاجر لا يستطيع بيع الوهم ما لم يجد من هو مهيأ لتصديقه، والمتابع لا يحصل على التغيير الحقيقي إذا اكتفى بشراء الشعور بأنه يتغير.

بين الطرفين تنمو تجارة تحوّل مفردات مثل الاستحقاق والوفرة والجذب والكارما إلى منتجات، وتصنع من مروجيها نجوماً بقدر ما يساهم المتابعون في ذلك.

والنتيجة قد تكون أن من يبحث عن تغيير حياته قد يجد نفسه، من دون أن ينتبه، يستهلك المزيد من الكلام عن التغيير دون خطوة فعلية في هذا الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *