د.محمد عبدالله
في خضم الحروب، لا يختار الأطفال مواقعهم في جبهات القتال، ولا يحملون السلاح، ولا يقررون متى تندلع المعارك أو متى تخبو نيرانها. لكنهم، وبقدر قسوة المفارقة، يكونون أول من يدفع الثمن، وآخر من يلملم جراحه حين تهدأ الأسلحة.
وفي السودان، لم يعد الطفل مجرد ضحية عابرة للحرب، بل أصبح أحد أبرز وجوه المأساة وأكثرها إيلاماً.
في السادس من يوليو 2026، أفادت وكالة أسوشييتد برس، نقلاً عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، بأن أكثر من 300 طفل لقوا حتفهم أو أُصيبوا خلال النصف الأول من العام، وأن غالبية هذه الخسائر نجمت عن هجمات بالطائرات المسيّرة.
لكن وراء هذا الرقم مئات الحكايات التي لا ترويها النشرات الإخبارية. أطفال كان من المفترض أن يكونوا في فصولهم الدراسية، أو يلهوا في أزقة أحيائهم، أو يطاردوا كرة في ملعب ترابي، فإذا بهم يتحولون إلى أرقام في سجل الضحايا، أو إلى أجساد تحمل ندوباً قد ترافقهم طوال العمر.
ومع ذلك، فإن الأرقام لا تحكي الحقيقة كلها.
هناك أطفال لم تقتلهم القذائف، لكن الحرب قتلت في داخلهم شيئاً يصعب تعويضه. أطفال شهدوا بيوتهم تتهاوى، ومدارسهم تُغلق أبوابها، وأحياءهم تتحول إلى ساحات للقتال. أطفال فقدوا آباءهم وأمهاتهم وإخوتهم، وشرعوا مع أسرهم في رحلات نزوح قسرية من مدينة إلى أخرى، ومن قرية إلى مخيم، يحملون معهم القليل الذي استطاعوا إنقاذه من حياة كانت، قبل اندلاع الحرب، تبدو عادية وآمنة.
وثمة طفل آخر لا تلتقطه إحصاءات القتلى والجرحى: طفل الجوع.
الحرب لا تسلب الطفل حياته فحسب، إنها تجرده من حقه في الغذاء والتعليم والرعاية الصحية والأمان. وعندما تتحول مساحات شاسعة من البلاد إلى مناطق تواجه المجاعة، يصبح الجوع وجهاً آخر للحرب، لا يقل قسوة عن القنابل.
ثم يأتي الخوف، ذلك الرفيق الثقيل.
أي مستقبل يمكن أن يحلم به طفل يستيقظ يومياً على دوي المسيّرات والقصف؟، وكيف له أن يركز في درسه أو يتمسك بحلم، وهو لا يدري إن كان سقف الغرفة التي ينام فيها سيبقى صامداً حتى الفجر؟.
والأمر الأكثر قسوة أن جيلاً كاملاً من أطفال السودان ينشأ اليوم في ظل الحرب. بعضهم لم يعرف وطنه إلا من خلال النزوح والمخيمات، وبعضهم فقد سنوات من عمره الدراسي، قد يصعب تعويضها.
وحين تخمد نيران الحرب، لن يكون كافياً أن نعيد بناء المدارس والمستشفيات. سنكون أمام مهمة أشق: إعادة بناء الإنسان، ومداواة جروح الخوف والفقد والحرمان التي تركتها الحرب في نفوس الأطفال.
لهذا، لا يصح أن يظل الحديث عن حرب السودان محصوراً في خرائط السيطرة العسكرية، وأسماء المدن، وأعداد المقاتلين والعتاد.
وراء كل هذه التفاصيل، هناك طفل.
طفل لا يفهم لماذا يقتتل الكبار، ولا يعنيه من يسيطر على هذه المدينة أو تلك. كل ما يريده هو أن يعود إلى مقعده الدراسي، وأن ينام من دون خوف، وأن يجد والديه إلى جانبه حين يستيقظ.
فأي نصر يمكن أن ندعيه، إذا كان ثمنه جيلاً كاملاً من الطفولة المهدرة؟
هذه الحرب البغيضة لا تقتل الأطفال حين تصيبهم الشظايا فحسب؛ إنها تسرق طفولتهم أيضاً. وهذه مأساة لا يمكن اختصارها في رقم أو اختزالها في خبر عابر.
إنقاذ أطفال السودان ليس مجرد عمل إنساني؛ إنه إنقاذ لمستقبل السودان ذاته.
أوقفوا الحرب.. من أجل الأطفال.