تقارير: (ديسمبر)
يبدأ العام الدراسي (2026) في ظل أزمة عميقة يعيشها التعليم الحكومي في السودان، في مناطق حكومة الأمل التي يديرها رئيس الوزراء المعيّن كامل إدريس. وسبب البداية المتعثرة الحرب التي كان (التعليم) عموماً أبرز ضحاياها، بعدما تسببت في نزوح الأطفال وأسرهم، وتدمير المدارس، ونقص المعلمين والكتاب المدرسي والإجلاس، وضعف تمويل التعليم إلى حد غير مسبوق.
سألنا عن ميزانية التعليم، ولا توجد جهة تملك إجابة. وتشير اليونيسف إلى أن أكثر من (8) ملايين طفل في سن الدراسة خارج المدرسة، وأن نحو نصف مباني المدارس لم تعد صالحة للعمل كفصول دراسية، بعد أن توقفت الدراسة فيها لما يزيد عن العامين، ولم تخضع للصيانة لأكثر من أربع سنوات في أحسن الأحوال. وفوق هذا وذاك، يتأثر العام الدراسي الجديد بالانهيار الاقتصادي والتضخم الذي أفرز واقعاً معيشياً بالغ الصعوبة، تعاني منه الأسر والمعلمون على حد سواء.
نظام تعليمي منهار
في العام الدراسي السابق (2025-2026)، وعلى الرغم من عدم انتظامه بشكل كبير، إلا أنه كان بمثابة اختبار للنظام التعليمي. الملاحظة الأولى، وبالذات في التعليم الأساسي، أن الأسر عادت إلى التعليم الحكومي مضطرة، بعد أن توقفت مدارس خاصة كثيرة بسبب الحرب، كما أن النزوح إلى الولايات أجبر الأسر على إلحاق أبنائها بالتعليم المتاح في الولايات (المستقرة)، غير أن الأمر الأكثر وضوحاً تمثل في ضعف النظام التعليمي، إذ ظهرت وزارات التعليم في الولايات كجزر معزولة فيما يتعلق بظروف المعلمين وبيئة التعليم وإدارة العملية بشكل عام. ولم يكن للمعلمين سبيل سوى الاحتجاج على عدم اهتمام الحكومة بإدارة التعليم، وكان الاحتجاج في شكل إضرابات متكررة في الولايات. نظمت لجنة المعلمين السودانيين هذه الإضرابات في محاولة للفت انتباه الحكومة حتى تهتم، وبالذات بمعاش المعلم الذي هو العنصر الرئيسي في التعليم.
الناطق باسم لجنة المعلمين سامي الباقر، في تصريح لـ(ديسمبر)، قال: “الإضرابات والاحتجاجات لم تكن محصورة فقط في حقوق ورواتب المعلمين، على الرغم من أهميتها، ولكن كانت تشمل النظام التعليمي بشكل شامل”.
وشهدت معظم الولايات إضرابات وتوقف التعليم العام الماضي، الأمر الذي دفع الحكومة، عبر وزير التربية ووزارة المالية، إلى إطلاق وعود عديدة للمعلمين حتى يعودوا للعمل، وأكدت أنها استجابت لكل المطالب، وعلى الرغم من عودة المعلمين للعمل، إلا أن الوعود لم تنفذ بحسب لجنة المعلمين.
وقال سامي: “التحدي الأساسي هو أن الدولة مطالبة بإعادة بناء نظام التعليم وتمويله، بينما الواقع يشير إلى تراجع الإنفاق وتحميل الأسر أعباء تعليم أطفالها”.
معركة الكتاب: على أولياء الأمور الاستعداد
أشار عدد من الخبراء التربويين إلى أن المناهج التعليمية في السودان دخلت المعترك السياسي بامتياز. وعلى الرغم من اتباع حكومة الفترة الانتقالية نظاماً متفقاً عليه في وضع المنهج، إلا أنها واجهت حملة شرسة من النظام الذي أسقطته الثورة الشعبية.
بعد اندلاع الحرب، شكل رئيس الوزراء المعيّن كامل إدريس لجنة لمراجعة المناهج برئاسة وكيل وزارة التربية والتعليم، وأطلق عليها (اللجنة العليا لمراجعة المناهج)، ولم يتضح عمل اللجنة حتى اليوم، بعد أن مضى على تشكيلها عام كامل. إلا أن صحيفة (ديسمبر)، ومن متابعاتها، حصلت على منهج جديد للغة العربية للصف الأول أساس، وفي درس الحرف (كاف) ورد (ك: كوز)، وهو ذو دلالة سياسية معلومة للجميع.
وبخصوص توفير الكتاب، قال عدد من المعلمين في المدارس الحكومية في ولاية القضارف إنهم لم يتسلموا الكتب المدرسية حتى اليوم. وهذا الحال متطابق في عدد من الولايات، من بينها مدارس في ولاية الخرطوم.
وقال مدير مدرسة حكومية في الخرطوم: “الكتاب المدرسي غير متوفر بالصورة التي تضمن حق الطالب في التعليم، وقد تركت الدولة توفيره بدرجة كبيرة على مسؤولية ولي أمر التلميذ والطالب”.
وقالت معلمة: “على الأسر أن تستعد لتوفير الكتاب والإجلاس وكل شيء”. وهذا يعني فعلياً نقل جزء من تكلفة التعليم إلى الأسر التي تعاني أصلاً من آثار الحرب والغلاء وتراجع الدخول وانهيار القيمة الشرائية للجنيه.
وبحسب تربويين، هذا الوضع يؤثر في معدلات التسرب المدرسي ويدفعها للزيادة، بعد أن تعجز الأسر عن توفير متطلبات أبنائها.
المعلم والطالب في بيئة رديئة؛ مع ظروف الحرب، تم استخدام كثير من المدارس في العاصمة الخرطوم والولايات دوراً لإيواء النازحين من مناطق الحرب، وبعضها لا يزال يستخدم لهذا الغرض في المناطق المتأثرة بالنزاع، من بينها في مدينة الدمازين في ولاية النيل الأزرق، والأبيض بولاية شمال كردفان، فضلاً عن عدم صيانة المدارس لسنوات مع ظروف الحرب ومواسم الأمطار، كما تعرضت الأثاثات للتخريب والنهب.
وقال الناطق باسم لجنة المعلمين: “الإجلاس جزء أساسي من تمويل التعليم والإنفاق عليه، وليس مسؤولية المجتمع، لكن الحكومة رفعت يدها عنه، وأصبح توفير المقاعد وتجهيز الفصول يعتمد بدرجة كبيرة على الجهد المجتمعي، وهو جهد، مهما بلغ، لا يمكن أن يغطي حجم الحاجة”.
وينظر كثيرون إلى بيئة المدارس على أنها أحد مظاهر الانهيار الذي يشهده التعليم الحكومي. والبيئة المدرسية لا تعني الإجلاس وحده، وإنما تشمل الكتاب، والمياه، والصرف الصحي، والمعينات التعليمية، وتأهيل المدارس، وتوفير الظروف التي تسمح للمعلم والطالب بالقيام بالعملية التعليمية؛ لذا ترى لجنة المعلمين السودانيين أن تحسين البيئة المدرسية من أولويات المطالب التي رفعتها للحكومة؛ لأن تأثيرها مباشر على الطالب والمعلم ومستوى تحصيل الدروس.
معركة الحقوق
وجهنا سؤالاً للجنة المعلمين السودانيين: هل تتوقعون أن تستجيب الحكومة لمطالب المعلمين المتعلقة بالأجور والحقوق؟ واضعين في الاعتبار أن الحكومة وعدت مرات عديدة بالإيفاء بمطالب المعلمين المتمحورة حول صرف المتأخرات (راتب 10 أشهر)، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتحسين بدلات السكن والإعاشة، وتعاملت مع هذه الوعود بالتسويف والمماطلة، على حد تعبير اللجنة، التي قال إنابةً عنها سامي الباقر:
“المطلوب الآن ليس تقديم وعود جديدة، وإنما تنفيذ الحقوق والقرارات القائمة، المعلم لا يستطيع الاستمرار في أداء رسالته براتب لا يتناسب مع تكاليف المعيشة، ونتوقع أن تتفهم الحكومة الوضع مع التضخم القائم، ووفقاً لدراسة تقديرية أعدها المكتب الاجتماعي في اللجنة، تبين أن الحد الأدنى لتكلفة معيشة أسرة من خمسة أشخاص يبلغ نحو (3) ملايين و(435) ألف جنيه شهرياً، بينما يغطي راتب معلم في الدرجة الثالثة نحو 4.2٪ فقط من هذه التكلفة، لذلك بات استقرار العام الدراسي رهيناً بقضية الأجور وإيفاء الدولة بمطالبات معاش المعلم وأسرته ولو في الحد الأدنى”.
ولكن في حال لم تستجب الحكومة للمطالب المقدمة من المعلمين عبر اللجنة؟ الإجابة على هذا السؤال في الفقرة اللاحقة.
لجنة المعلمين: خيارات التصعيد مفتوحة
وإذا لم تستجب الحكومة لهذه المطالب، ما موقف اللجنة؟ طرحنا هذا السؤال على الناطق باسم اللجنة، الذي قال: “في حال تجاهلت الحكومة مطالبنا، خيارات التصعيد مفتوحة”.
ومضى سامي قائلاً: “ستواصل اللجنة الضغط من أجل تنفيذ حقوق المعلمين، عبر لجانها في الولايات وبالوسائل التي يحددها المعلمون وفق تطورات كل ولاية، نحن لا نعتبر تجاهل حقوق المعلمين أمراً طبيعياً يمكن الاستمرار فيه”.
وعن خيار الدخول في إضراب عن العمل وتعطيل العام الدراسي، قال: “الإضراب وسيلة من وسائل الضغط النقابي، وليس هدفاً في حد ذاته. ولا يمكن أن نقول مسبقاً إن جميع الولايات ستدخل في إضراب، لأن القرار يرتبط بواقع كل ولاية واستجابة حكوماتها لمطالب المعلمين”.
وشهد عام 2026 إضرابات وتوقف الدراسة في عدد من الولايات، ووجه البعض انتقادات للمعلمين بحجة أنهم لم يهتموا لمصلحة التلاميذ والطلاب، ونظر آخرون إلى أن النظام التعليمي المتبع من حكومة الأمر والإضرابات المتكررة وعدم استقرار العام الدراسي تصب في مصلحة التعليم الخاص.
قال الباقر: “المشكلة ليست في إضراب المعلمين، وإنما في الأسباب التي تدفعهم إليه. فعندما يكون المعلم عاجزاً عن توفير الحد الأدنى من احتياجات أسرته، والمدرسة تفتقر إلى الكتاب والإجلاس والبيئة المناسبة، فإن الأزمة تكون أعمق من مسألة الإضراب”.
المعركة بدأت مبكراً من الخرطوم
والي الخرطوم، وفي محاولة للالتفاف على مطالب المعلمين، التقى أمس الأول اتحاد المعلمين الذي يتبع للنظام البائد، في محاولة لشق صف المعلمين استباقاً للعام الدراسي، وفي اللقاء بذل وعوداً جديدة.
بدورها، لجنة المعلمين أصدرت بياناً شديد اللهجة رفضت فيه منهج والي الخرطوم ومحاولة الالتفاف والتسويف، جاء فيه:
“تابعنا في لجنة المعلمين التصريحات الأخيرة الصادرة عن والي ولاية الخرطوم بحكومة الأمر الواقع، خلال اجتماعه بما يُسمى “اللجنة التمهيدية للاتحاد العام للمعلمين السودانيين”، والتي حاول من خلالها تجميل الواقع المأساوي عبر حديث مكرر ومستهلك عن “استمرار مساعي الدولة للوفاء بحقوق المعلمين”، وإطلاق اتهامات مرسلة ممجوجة، محاولاً اختزال نضالات المعلمين المشروعة في شماعة “الأجندة الخارجية””.
وتناول البيان الأوضاع المعيشية المتردية في البلاد، وطالب الوالي بعدم الاستخفاف بحقوق المعلمين والإيفاء بمطالبهم. وورد في نص البيان:
“أعطوا المعلمين حقوقهم الكاملة والناجزة أولاً، وسددوا متأخرات الـ10 أشهر، إضافة للعلاوات والبدلات والمنح منذ بداية الحرب فوراً، ونفذوا القرارات الصادرة والتوجيهات من أعلى هرم تنفيذي، وكُفُّوا عن المتاجرة والهروب للأمام، فقضايا المعلمين ليست للاستهلاك وإرسال الأقاويل”.
عام عسر
كل الشواهد تشير إلى أن العام الدراسي سيكون في غاية العسر، استناداً إلى مظاهر التردي المريع في أداء حكومة الأمر الواقع بقيادة كامل إدريس، إضافة إلى تداعيات الحرب على التعليم التي لا تزال ماثلة ومحسوسة ومعاشة، ثم فوق هذا وذاك انهيار النظام التعليمي بعد فقدان الحكومة المركزية السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، جراء سيطرة الدعم السريع عليها أو جراء استمرار النزاع فيها، ووفقاً للمعطيات وما ورد، فإن المواجهة بين السلطة والمعلمين بدأت فعلياً وفي وقت باكر جداً من عمر العام الدراسي.
خلفية: الحرب والتعليم
منذ اندلاع الحرب، أُدرج التعليم في السودان ضمن القضايا المهملة، وتوقفت الدراسة نحو 484 يوماً (أكثر من 16 شهراً)، وصنفتها منظمة (اليونيسف) بأنها أطول فترة متواصلة لإغلاق المدارس في العالم.
في النصف الأخير للعام 2024، بدأت المدارس تفتح أبوابها تدريجياً، وتحديداً في المناطق التي لم تتأثر بالنزاع مباشرة، وفي عام 2025، بعد سيطرة الجيش على الخرطوم وولاية الجزيرة وسنار، شرعت وزارة التربية والتعليم الاتحادية في العودة إلى العمل.
وفي الجانب الآخر، وبعد الإعلان عن حكومة (تأسيس)، بدأت الدراسة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، لكنها حصرت في المناطق الحضرية في المدن الكبرى، إلا أنها عملية تعليمية لا تحظى بالتنسيق مع الإدارات في مناطق سيطرة الجيش.
لذا يعد العام الدراسي الحالي (2026-2027) بالغ الأهمية، ومناطاً به معالجة الاختلالات التي خلفتها الحرب في الأعوام الماضية، في ظل ظروف اقتصادية سيئة للغاية، ومطالبات من المعلمين بتحسين معاشهم للحد الذي يمكنهم من أداء دورهم، فضلاً عن بيئة تعليمية منهارة، إن لم تكن خطرة.