ديمقراطية العطا كيف يريد الجيش احتكار السلطة لأكثر من عقدين؟

تقرير: (ديسمبر)

 

ترفض قيادة الجيش رسمياً فكرة الحكم، لكنَّ خطاباً يتكرر على لسان رئيس هيئة الأركان الفريق أول ياسر العطا يرسم نظاماً مختلفاً تماماً: حكومة مدنية منتخبة تدير الشؤون التنفيذية، بينما يبقى القائد العام للقوات المسلحة رأساً للدولة لثلاث أو أربع دورات انتخابية. وفي حديث لصحيفة «الشروق» المصرية، لم يربط العطا هذه الصلاحية بشخص البرهان، بل جعلها سمةً للموقع نفسه، مؤكداً أن «القائد العام أياً كان اسمه» يجب أن يتولى رئاسة الدولة، بل إن الجيش قد «يجبر» القائد على البقاء لمنع انهيار الدولة.

هذا التحول من الشخص إلى المؤسسة هو جوهر المسألة. فالخطاب يتجه من طموح فردي إلى محاولة لتحويل النفوذ العسكري من سلطة انتقالية إلى ركيزة دستورية دائمة. وبذلك ينتقل السؤال من: «هل سيرشِّح البرهان نفسه؟» إلى إشكالية أعمق: هل تريد المؤسسة العسكرية تثبيت موقعها في قمة النظام السياسي، حتى بعد أن تُفتح صناديق الاقتراع وتُطوى صفحة الحرب؟.

 

مَأسسة الرئاسة

 

يمكن قراءة موقف العطا بطريقتين. الأولى، باعتباره محاولة لحماية البرهان من الضغوط السياسية، وإبقائه في السلطة لفترة انتقالية طويلة بحجة صون الدولة. والثانية، وهي الأهم سياسياً، أن التصور يتجاوز البرهان نفسه. فعبارة «أياً كان اسمه» تنقل الفكرة من شخص إلى منصب: القائد العام، بحكم موقعه، هو من ينبغي أن يتولى الرئاسة.

وليس هذا تصوراً ظهر في 2026 فجأة. ففي سبتمبر 2024، أكد العطا بقاء القائد العام رأساً للدولة بصلاحيات سيادية بعد الانتخابات، لثلاث أو أربع دورات. ويجعل تكرار الفكرة، بفاصل زمني يقارب عامين، من الصعب اختزالها في موقف عابر أو استجابة لحملة ترشيح. لكن ذلك لا يكفي للقول إنها «عقيدة رسمية» للقوات المسلحة. الدليل المتاح يثبت شيئاً أضيق: أن أحد أبرز قادة الجيش يطرح علناً وباستمرار تصوراً لموقع المؤسسة في النظام السياسي المقبل. وهنا تكتسب الفكرة وزناً يتجاوز الموقف الشخصي.

 

ديمقراطية إجرائية

 

يربط العطا الديمقراطية بالانتخابات: الشعب ينتخب البرلمان، والأغلبية تشكل الحكومة، والحكومة تمارس سلطاتها التنفيذية. لكن هذه الصيغة تترك السؤال الأصعب معلقاً: من يملك السلطة النهائية عندما تتعارض الحكومة المنتخبة مع رئيس الدولة الذي هو في الوقت نفسه القائد العام؟.

الديمقراطية نظام لتوزيع السلطة ومساءلتها. وتأتي آلية اختيار الحكومة ضمن هذا النظام. وقد أشارت تحليلات دولية، مثل مؤسسة كارنيغي، إلى أن إحدى مشكلات الانتقال السوداني تمثلت في اتساع النفوذ السياسي والاقتصادي للمؤسسة العسكرية مع محدودية الضوابط التي تحكمه، إلى جانب ضعف المؤسسات المدنية.

وبمعنى آخر، يمكن أن تجتمع الانتخابات والحكومة والبرلمان داخل نظام سياسي تظل فيه مراكز أساسية من السلطة خارج المجال المدني. ومن هنا ينتقل الخلاف الحقيقي من موعد الاقتراع إلى السؤال عما تستطيع الانتخابات تغييره فعلياً.

فإذا كانت الصناديق تغيّر البرلمان والحكومة، بينما يبقى رأس الدولة مرتبطاً مسبقاً بالقيادة العسكرية، فإن الانتخابات تصبح آلية لتداول جزء من السلطة. وهنا يظهر الفارق بين انتخاب الحكومة وانتخاب النظام نفسه.

 

وصاية مؤسسية

 

لغة الوصاية حاضرة منذ وقت مبكر في الخطاب العسكري. في أعقاب فشل انقلاب بكراوي في سبتمبر 2021، وقبل انقلاب أكتوبر بشهر، قال البرهان: “كلنا شركاء في حماية البلاد. نحن أوصياء على البلد وتحقيق أحلام شبابه”، مضيفاً إن أي جهة “لن تتمكن من إبعاد القوات المسلحة عن المشهد”.

جاء ذلك الخطاب قبل انقلاب أكتوبر، وهو ما يجعله دالاً على تصور مبكر لدور الجيش، من دون أن يكفي وحده لإثبات وجود تخطيط مسبق للانقلاب. فالمؤسسة هنا تقدم نفسها بوصفها حامية للدولة وصاحبة دور مستمر في تحديد مسارها السياسي.

وقد رصد المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية هذا الإشكال، مشيراً إلى أن انقلاب 2021 أنهى المسار نحو الديمقراطية المدنية، فيما وثقت تحليلات أخرى تغلغل المؤسسة في قطاعات اقتصادية وسياسية رئيسية.

الفارق اليوم أن الفكرة تظهر بصورة أكثر تحديداً. في 2021 كان الخطاب يضع الجيش داخل «المشهد». أما في تصور العطا، فالمطلوب الاحتفاظ بموقع مؤسسي في قمة الدولة.

تزداد المسألة تعقيداً عندما يتحدث العطا عن الأحزاب السياسية. فهو يقول إن الجيش يريد «تقوية ودعم» الأحزاب لتصبح «وطنية»، وإشراك الشباب لاكتساب الخبرة، ثم «تسليمهم السلطة». قد تبدو هذه اللغة دعماً للانتقال، لكنها تطرح سؤالاً مختلفاً: من يملك تعريف الحزب «الوطني»؟ ومن يقرر أن الطبقة السياسية أصبحت جاهزة للحكم؟.

في الديمقراطية، لا تمنح المؤسسة العسكرية شهادات الجاهزية. الأحزاب تتنافس، والناخبون يقررون. أما إذا ظل الجيش هو المحدد لنضج القوى السياسية، ويحتفظ برأس الدولة طوال فترة «التأهيل»، فإن العلاقة تتحول من منافسة ديمقراطية إلى وصاية سياسية. وهنا لا يعود الجيش مجرد حامٍ للدستور، بل يصبح طرفاً في تحديد شكل النظام وحدود السلطة داخله.

 

إكراه البقاء

 

الأكثر دلالة في التصريحات هو احتمال أن «يُجبر» الجيش البرهان على البقاء، لا مجرد القول باستمراره في السلطة. هنا تنتقل استمرارية الحكم من رغبة الشخص إلى «حاجة المؤسسة». ووفق رواية العطا، قد يرفض البرهان الترشح، بينما ترى الدولة حاجتها إليه، وتكلفه المؤسسة العسكرية بالاستمرار.

وقد صرح البرهان بأن الحديث عن ترشُّحه سابق لأوانه، من دون أن يعلن موقفاً نهائياً بشأن الترشح بعد سبع سنوات من الحكم. ومع ذلك، تنسجم هذه المواقف داخل الرواية التي يقدمها العطا: القائد لا يطلب استمرار السلطة، وإنما تأتيه من المؤسسة بوصفها تكليفاً. وهكذا تتحول الاستمرارية من قرار فردي إلى واجب مؤسسي.

وتكشف هذه الصياغة تصوراً أوسع لدور المؤسسة العسكرية؛ فهي تضع لنفسها موقعاً في تحديد من ينبغي أن يتصدر المشهد السياسي، وتربط بقاء القائد العام بما تعتبره ضرورة للدولة. عند هذه النقطة يصبح السؤال أكبر من شخص البرهان: من يقرر أن بقاء القائد العام ضرورة للدولة؟.

ثلاث أو أربع دورات انتخابية ليست فترة انتقالية قصيرة. وبحسب طول الدورة الدستورية، قد تعني نحو عقدين من وجود القائد العام في الرئاسة. وهنا تظهر أسئلة لا تجيب عنها التصريحات: متى تنتهي هذه الفترة؟، من يقرر زوال خطر الانهيار؟، هل يستطيع البرلمان المنتخب عزل رئيس الدولة؟، وهل تستطيع حكومة منتخبة تغيير القيادة العسكرية إذا اختلفت معها؟، وإذا كانت الإجابة بالنفي، فما الذي تستطيع الانتخابات تغييره فعلياً؟.

أظهرت تجربة 2019–2021 أن وجود حكومة مدنية داخل نظام مختلط لا يضمن الحكم المدني. وفي أكتوبر 2021، أطاح الجيش بالشراكة وحل المؤسسات المدنية. وتكشف هذه التجربة فارقاً أساسياً بين مشاركة المدنيين في الحكم وخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية؛ فوجود المدنيين داخل مؤسسات الدولة لا يكفي وحده لإعادة توزيع مراكز القوة.

ومن هذه الزاوية، فإن جعل القائد العام رأساً للدولة لعدة دورات قد ينقل إشكالية 2019–2021 من ترتيب انتقالي إلى قاعدة دستورية طويلة الأمد.

 

شرعية الحوار

 

يدخل الحوار السوداني – السوداني في المعادلة هنا. يرى منتقدو الحوار أن المسألة تتجاوز إنهاء الحرب إلى منح سلطة الأمر الواقع مخرجاً سياسياً يعيد إنتاج شرعيتها. وقد ذهبت الصحفية والمحللة السياسية رشا عوض إلى قراءة شديدة الحدة، معتبرة أن الحوار قد يُستخدم لإعادة إنتاج سلطة عسكرية بواجهة مدنية ومنحها شرعية سياسية وإقليمية.

يبقى هذا توصيفاً صادراً عن خصم، ويحتاج التعامل معه إلى أدلة مستقلة، لكنه يطرح سؤالاً محورياً: هل سيكون الحوار آلية لإنهاء الحرب؟، أم المسار الذي يحدد شكل السلطة التي ستخرج منها؟.

يصبح السؤال أكثر إلحاحاً إذا دخلت القيادة العسكرية الحوار وهي تحمل تصوراً مسبقاً عن موقع القائد العام. فالحوار قد ينهي الحرب ويعيد في الوقت نفسه توزيع الشرعية. وعندها تنتقل المعركة إلى قواعد النظام نفسه.

 

تطور الخطاب

 

قد يبدو خطاب العطا مختلفاً عن خطاب البرهان في سبتمبر 2021. لكن المقارنة الزمنية تكشف تحولاً أعمق. في ذلك التاريخ، وصف البرهان أنفسهم بأنه «أوصياء»، ورفض إبعاد الجيش عن المشهد. بعد شهر وقع الانقلاب. وبعد سنوات، يطرح العطا بقاء القائد العام رأساً للدولة لثلاث أو أربع دورات، مؤكداً أن الأمر لا يتعلق بالبرهان وحده. ليس المطلوب إثبات خطة واحدة متصلة، بل رصد تطور في صياغة الدور السياسي للمؤسسة: من رفض الانسحاب من المشهد، إلى تصور لموقع ثابت في قمة الدولة. وهذا التطور يفسر لماذا تبدو التصريحات الحالية أكبر من حديث عن مستقبل قائد معين.

في المقابل، يطرح القيادي بتحالف القوى الثورية الديمقراطية «صمود»، خالد عمر، تفسيراً مختلفاً؛ فهو يرى أن المشكلة تكمن في طموح البرهان الشخصي، ويضع مساره منذ المرحلة الانتقالية وانقلاب أكتوبر وصولاً إلى الحرب في إطار محاولة لترسيخ السلطة. هذه قراءة سياسية لخصم، ولا تعامل كحقيقة مثبتة، لكنها مفيدة لأنها تكشف الفرق بين تفسيرين. وفق عمر، المشكلة شخص يريد الحكم. أما في تصريحات العطا، فالمشكلة مؤسسة ترى أن موقع قائدها جزء من بنية الدولة. والفارق جوهري: لأنك تستطيع تغيير الشخص، لكن إذا أبقيت القاعدة نفسها، فقد يبقى النظام الذي أنتج المشكلة. وهنا يعود السؤال: هل سينتخب السودانيون حكومة فحسب، أم سينتخبون أيضاً من يملك السلطة العليا عليها؟. إذا كان البرلمان يشكل الحكومة، لكنه لا يغيّر رئيس الدولة المرتبط بالقيادة؛ وإذا كان الجيش يحدد من هم «الوطنيون»؛ وإذا كان البقاء يُبرَّر بحماية الدولة، ويمتد لثلاث أو أربع دورات، فإن الانتخابات ستغيّر جزءاً من السلطة، لكنها لن تجيب عن السؤال الأهم: من يخضع لمن؟.

المسألة التي يطرحها العطا تتجاوز سؤال مشاركة الجيش المباشرة في السياسة. السؤال الأعمق هو: هل تستطيع المؤسسة مغادرة الحكومة مع احتفاظها بمركز السلطة؟.

يستطيع الجيش ترك الوزارات، والسماح للأحزاب بالفوز، وقيام برلمان منتخب. لكن احتفاظه برأس الدولة، ووضعه شروطاً لـ«وطنية» الأحزاب، وتحديده موعد نضج الطبقة السياسية، يُبقي جوهر المشكلة قائماً، وإن تغيّرت بنيتها. فالخلاف الحقيقي بعد الحرب سيتعلق أيضاً بما تستطيع الانتخابات تغييره، حين يكون رأس الدولة محجوزاً سلفاً لمن يشغل القيادة العسكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *