حراك المعلمين وإضرابهم.. ناقوس أول 

تقارير: (ديسمبر)

 

رسالة محتشدة بالمرارة، بليغة التعبير، كاتبها أستاذ معلم، مفادها أنه ترك مهنة التعليم “إبراءً للذمة”، على حد قوله، لأنه لا يقوى على تعليم أولاد الناس وراتبه لا يكفي لشيء، ولا يعينه على الحياة ولا يساوي شيئاً يسيراً مما يبذله من جهد. صاحب الرسالة المتداولة؛ المعلم شيخ إدريس الريح، معلم في الدرجة الرابعة، سلخ في مهنة التدريس عشرين عاماً. غير أن الرسالة البليغة كشفت عن حال تجاوز أوضاع المعلم الاقتصادية المتردية، إلى حال الطالب نفسه الذي لم يعد يجد علماً من معلم يعجز عن إطعام أولاده. وأكثر من ذلك نبَّه صاحب الرسالة إلى مسألة أكثر عمقاً، هي تخبط وزارة التربية والتعليم وإداراتها المختلفة التي تدور في الفراغ ومعنية فقط باستهلاك الوقت والوعد، غير آبهة بمستقبل الطلاب والمعلم والتعليم. وختم شيخ إدريس الريح رسالته بعبرة أسيفة ومخيفة، حين قال: “المعلم إن لم يُنصَف، فاعلموا أن الوطن يخسر أغلى استثماراته”.

وإن سألت عن راتب المعلم اليوم وفي إجابة مختصرة فعليك أن تعلم أن راتب “ناظر” مدرسة وهو في الدرجة الأولى لا يبلغ (50) دولاراً أمريكياً، وهو تحديداً – بحسب كشف الرواتب الذي وفرته لجنة المعلمين السودانيين – (49.91) دولاراً، وقطعاً يقل عن ذلك كلما تراجعت قيمة الجنيه، كما هي الحال اليوم. لجنة المعلمين وعبر ناطقها الرسمي سامي الباقر، الذي تحدث لـ(ديسمبر) أكد أنهم ماضون في معركتهم حتى تعديل الحد الأدنى للأجور وحصول المعلمين على استحقاقاتهم المتأخرة، وقال “معركة الأجور ليست معركة المعلمين وحدهم لكنها معركة كل العاملين في الدولة”.

مجلس الوزراء.. القفز فوق الأزمة

التصعيد الذي تشهده قضية المعلمين ليس مفاجئاً. فمنذ عامين ظلوا يطالبون عبر لجنة المعلمين بصرف استحقاقاتهم ورواتبهم وتحسين معاشهم وفقاً لما أفرزته الحرب من تضخم وغلاء معيشة وتدهور اقتصادي عام، إلا أن مطالبتهم قوبلت بتجاهل وعدم اهتمام في معظم الأحيان، وبالوعود في أحيان أخرى. ومع استمرار الحرب واستمرار التدهور الاقتصادي لوَّح المعلمون بالإضراب عن العمل، ثم شرعوا فعلياً في تنفيذ الإضراب، وهذا ما سنتناول تفاصيله في هذا التقرير.

غير أن وزارة التربية والتعليم وحكومة رئيس الوزراء المعين كامل إدريس لم تتعامل مع الأزمة بالقدر المطلوب من الاهتمام والمسؤولية، باعتبار أنها الجهة المناط بها حل الأزمة، والأكثر فداحة أنها وفي اجتماع بخصوص التعليم في 2 يونيو الحالي حاولوا التعامي عن أزمة المعلمين المتعلقة بالرواتب والمتأخرات ورفع الحد الأدنى للأجور، وطفقوا يبحثون في أزمات أخرى مع أهميتها لكنها أقل تأثيراً على العملية التعليمية من أزمة إضراب المعلمين. وخرج الاجتماع – بحسب تصريح وزير التعليم – بضرورة معالجة أزمة الإجلاس وتوطين صناعة الأثاث المدرسي، متجاهلاً مناقشة أزمة الأجور والمعيشة إلا لماماً. هذا الأمر فاقم من الأزمة إذ عده المعلمون واللجنة تجاهلاً لا ينبغي في أزمة باتت تتعلق بحياتهم وحياة من يعولون، وتتعلق باستمرار العملية التعليمة في حد ذاتها.

المطالب: استحقاقات وأجور

سألنا لجنة المعلمين عن المطالب التي من أجلها انخرطوا في الإضراب عن العمل، فقالت “هي مطالب تتعلق مباشرة بصرف الاستحقاقات والمتأخرات، وكذلك نطالب برفع الأجور حتى تتماشى مع التضخم وارتفاع المعيشة الذي خلَّفته الحرب”. وبحسب المذكرة التي رفعها المعلمون تتلخص المطالب في الآتي:

أولاً: تعديل الهيكل الراتبي ورفع الحد الأدنى للأجور من 12 ألف جنيه إلى 216 ألف جنيه سوداني.

ثانياً: تسديد كافة المتأخرات من مرتبات وعلاوات وبدلات ومنح لجميع الولايات دون استثناء. 

ثالثاً: التزام الدولة بالإنفاق على التعليم باعتباره حقاً أساسياً من حقوق المواطنين.

رابعاً: تنفيذ الترقيات المستحقة للمعلمين.

خامساً: الالتزام بصرف المرتبات في موعد أقصاه اليوم الخامس من كل شهر.

وأضاف الإضراب وموقف السلطات منه مطالب جديدة تتمثل في وقف جميع الإجراءات الإدارية والأمنية ضد المعلمين بسبب الإضراب أو بسبب مواقفهم الرافضة للحرب، وإعادة جميع المعلمين المفصولين في ولايات دارفور وكردفان والنيل الأبيض وسائر ولايات السودان، بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع أو بسبب مشاركتهم في الإضراب، لذلك تنحصر مطالب المعلمين في حقوقهم المباشرة.

والمفارقة أن السلطات المتحكمة في إدارة البلاد معترفة بالتضخم الكبير الذي نشأ جراء الحرب والانهيار الاقتصادي وتآكل العملة الوطنية، ويعد قطاع المعلمين القطاع الأكبر في الدولة، وهذا يتسق مع تصريح وزير الرعاية الإجتماعية معتصم أحمد صالح الذي قال أمس إن نسبة الفقر وسط السودانيين ارتفعت إلى (73%) بين المواطنين.

لهذا أضرب المعلمون 

ما سيأتي في هذه الفقرة يعبر عن حال يصعب وصفه من التدني والانهيار. دعونا نستعرض رواتب المعلمين حسب الدرجة الوظيفية، ولا نريد أن نفسد عليكم المفاجأة والتي هي قطعاً غير سعيدة. لكن هل يعقل أن يتقاضى معلم راتباً قدره (18) دولاراً في شهر كامل من العمل وسط التلاميذ يغدو ويروح؟ إليك الرواتب حتى قبل التدهور الأخير الذي يشهده الجنيه السوداني أمس وأمس الأول، وهي كالآتي:

 

الدرجة الراتب بالجنيه ما يعادله بالدولار
الأولى 225,000 جنيه 48.91 دولاراً
الثانية 172,000 جنيه 37.39 دولاراً
الثالثة 151000 جنيه 32.83 دولاراً
الرابعة 128,000 جنيه 27.83 دولاراً
الخامسة 121,000 جنيه 26.30 دولاراً
السابعة 98,000 جنيه 21.30 دولاراً
الثامنة 88,000 جنيه 19.13 دولاراً
التاسعة 82,000 جنيه 17.83 دولاراً

 

ويكشف هذا الجدول بوضوح أن أدنى راتب للمعلم في الدرجة التاسعة، أي مدخل الخدمة، يبلغ (17,83 ) دولاراً، فهل يتوقع وزير التربية والتعليم أن يرغب أحد أبناء وبنات السودان في مهنة التدريس؟. لكن الجدول يوضح أيضاً أن المشكلة لا تتعلق بمن هم في مدخل الخدمة، فحتى مَن هم على بعد سنوات قليلة من التقاعد لا يتجاوز الراتب (50) دولاراً في أفضل الأحوال، وإن ذهبنا إلى العملة الوطنية الجنيه سنجد رواتب المعلمين من أعلى الهرم الوظيفي إلى أدناه تتراوح بين (225 ألف جنيه –  82 ألف جنيه).

وخيراً فعلت لجنة المعلمين السودانين عندما عقدت مقارنة بين قيمة الأجور في عام 2022 أي قبل الحرب وما هي عليه اليوم بعد ثلاث سنوات من الحرب، واختارت لها عنوان “المقارنة الصادمة” جاء فيها: في عام 2022م كانت مرتبات هذه الدرجات تعادل ما بين 181 و498 دولارًا شهريًا، بينما أصبحت اليوم تتراوح بين 49 و18 دولارًا فقط، أي أن المعلم فقد أكثر من 90% من القوة الشرائية الحقيقية لراتبه.

المرتب الذي كان يعادل نحو 498 دولاراً للدرجة الأولى أصبح اليوم أقل من 49 دولاراً، بينما انخفض راتب الدرجة التاسعة من نحو 181 دولاراً إلى أقل من 18 دولاراً شهريًا.

هزال المرتبات وتأخيرها

الأزمة لا تنتهي بضعف الرواتب وتدني قيمتها، ولكنها تتعلق أيضاً بالتأخير في صرفها وضياع استحقاقات في كثير من الأحوال. وبحسب معلمين تحدثوا لــ(ديمسبر) فإن المعلمين هم آخر الفئات التي يصرف لها الراتب، وقال أحد المعلمين في ولاية كسلا إنهم استقبلوا العيد بلا رواتب، وأنهم لم يصرفوا راتب شهر أبريل حتى نهاية شهر مايو، وأشاروا إلى وعود متكررة بصرف منحة العيد والراتب، لكن الأمر تحول إلى كذبة آخر النهار. وفي ولاية الجزيرة لم تصرف استحقاقات أعمال الشهادة السودانية 2026 لأكثر من شهر، فضلاً عن تراكم متأخرات المرتبات في سنوات الحرب الأولى والتي بلغت (14) شهراً كاملة. وينطبق هذا الحال على ولايتي النيل الأزرق ووسط دارفور، وبلغت المتأخرات في ولاية الخرطوم وولاية سنار (10) أشهر حسوماً، وهذا الحال ينطبق على ولايات دارفور وكردفان، وتعثر راتب مايو في جميع الولايات عدا ولاية البحر الأحمر.

الإضراب ومواجهة الإضراب

أمس الأول الثلاثاء 9 -6- 2026، أضرب المعلمون في ولاية كسلا. وبحسب شهود عيان تعطلت غالبية المدارس في الولاية كسلا، وأصدرت لجنة المعلمين بياناً أشار إلى أن تنفيذ الإضراب كان بنسبة 95% وأنه مستمر حتى اليوم الخميس، وانتظم الإضراب في عدد من الولايات من بينها النيل الأبيض، ولاية الخرطوم، البحر الأحمر، الولاية الشمالية، ونهر النيل. وتطابقت مطالب المضربين المتعلقة بتحسين الأجور وصرفها والصرف على العملية التعليمية من قبل الحكومة المركزية والحكومات الولائية. والمفارقة أن الحكومة تعاملت بتعسف وقمع بائن مع المحتجين من المعلمين المشاركين في الإضراب، واستدعى جهاز الأمن معلمين في كسلا وفي الولاية الشمالية من مدرسة القولد والحماداب (3)، إلى جانب مدارس في الدبة والقولد. وفي النيل الأبيض أصدر مدير المنطقة التعليمية قرارات نقل تعسفية في حق معلمات ومعلمين بالولاية. أما في ولاية الخرطوم وتحديداً في محلية شرق النيل تم توقيف عدد من مديري المدارس، واحتج المعلمون بأنهم يمارسون حقاً دستورياً من أجل حقوقهم ومن أجل التعليم بشكل عام.

سامي الباقر: نعمل على حراك مطلبي واسع

الناطق الرسمي باسم لجنة المعلمين سامي الباقر في حديثه لـ(ديسمبر) أكد أن حراك المعلمين سيستمر حتى انتزاع الحقوق، على حد قوله. وأشار الباقر إلى أن المعلمين استجابوا بشكل واسع للإضراب والمشاركة في الاحتجاج، وقال “حصل اتفاق واسع من المعلمين والإضراب وضع الوزارة أمام مسؤولياتها”. وأكد سامي أنهم ينتظرون تضامن قطاعات أخرى من المعلمين لجهة أن قضية الأجور والمعيشة تهم الجميع، منتقداً تعامل السلطات مع المعلمين المضربين ومحاولاتها ترهيب البعض وترغيب آخرين، وقال “من الأفضل للسلطات البحث عن حلول حقيقية للأزمة بدلاً عن الهروب للأمام وشراء الوقت”، مؤكداً أن الأزمة في طريقها للتصعيد والتعقيد مقبل الأيام، فالمعلمون قرعوا ناقوس الخطر والحكومة تدعي الصمم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *