تقرير: (ديسمبر)
قدم تقرير أعدته اللجنة التي شكلتها الهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم صورة قاتمة للغاية عن الأوضاع التي تعيشها الجامعة وطلابها بعد القرار السياسي الذي يقف خلفه كل من قائد الجيش ورئيس الوزراء ووزير التعليم العالي لسلطته، والذي نص على إغلاق المراكز الخارجية وإجبار الطلاب على الانتظام قسراً في الدراسة الحضورية بمجمعات وكليات الجامعات السودانية المختلفة، وعلى رأسها جامعة الخرطوم.
تستعرض «ديسمبر» في السطور القادمة أبرز محتويات تقرير لجنة نقابة الأساتذة الصادر خلال هذا الشهر، بعد ما تحصلت على نسخة منه، وتهدف من هذا النشر إلى دق ناقوس الخطر الذي يجابه جامعة الخرطوم من طلاب وأساتذة جراء تنفيذ هذا الإجراء السياسي المطبق من إدارة الجامعة امتثالاً للتوجيهات الصادرة عن مؤسسات حكم سلطة قائد الجيش، إذ تهدف تلك السياسات إلى استخدام وتوظيف “حطام وخراب ومآسي الحرب” للحصول القسري على المشروعية السياسية، دون اكتراث بأي مخاطر مستقبلية تهدد السودان وشعبه في الحاضر والمستقبل.
الخطوة الأولى
أعلن رئيس اللجنة التسييرية للهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم، البروفيسور حسن عبدالحليم عبدالله، بتاريخ 4 أغسطس 2026م، تشكيل لجنة أطلق عليها «لجنة ضمان استمرار العملية التعليمية»، إنفاذاً للتوصيات الصادرة عن الاجتماع التشاوري للجمعية العمومية المنعقد بتاريخ 20 يوليو 2026م.
تشكلت اللجنة من (12) عضواً، ثلثهم من النساء. ترأست إحداهن اللجنة، وهي الدكتورة منال السيد عبدالرحمن (كلية العلوم)، وشغل الرئيس المناوب، البروفيسور علي رباح (كلية الهندسة)، موقع الرئيس المناوب، وكُلِّفت الدكتورة ريان إبراهيم محمد (كلية الطب) بمهام المقرِّرية، ومثلت المجمعات الأربعة الرئيسية (الوسط، الطبي، شمبات والتربية) ضمن عضوية اللجنة.
طبقاً لتقرير اللجنة، فإن الجامعة ضمت قبل اندلاع الحرب (23) كلية، و(12) معهداً بحثياً، و(10) مراكز أبحاث، و(4) مستشفيات جامعية، ومجمعات سكنية وفرت السكن الملائم لـ20% من أعضاء هيئة التدريس وكبار الموظفين، ودوراً لضيافة الزوار، ومجمعات سكنية للطلاب (داخليات)، وأبرمت الجامعة نحو 1400 مذكرة تفاهم واتفاقية تعاون مع مؤسسات دولية وخارجية، بجانب بنية تحتية تقنية.
بلغ عدد طلاب الجامعة في العام 2025م 44 ألف طالب في مرحلة البكالوريوس والدبلوم الوسيط، و10 آلاف طالب في مجال الدراسات العليا، وبلغ عدد العاملين 5501 موظفاً، يشكل الأكاديميون منهم 36%، في ما يشكل غير الأكاديميين 64%. وقامت خلال فترة الحرب بتخريج 8 آلاف طالب وطالبة، وتأمين الانتقال السلس والمستمر لجميع طلاب المستويات الدراسية المختلفة.
العوامل الثلاثة
أوضح التقرير أن إدارة الجامعة أعلنت في مطلع العام 2025م استئناف الدراسة الحضورية لطلاب السنة الأولى بكلية التربية، فيما شهد مطلع العام 2026م إعلان العودة الكاملة للتعليم الحضوري والتخلي عن التعليم الإلكتروني والإغلاق الكامل لكافة المراكز الداخلية والخارجية.
وكشف أن تطبيق قرار إقامة امتحانات الدور السابعة حضورياً، إنفاذاً لقرار التخلي التام عن التعليم الإلكتروني والمراكز الخارجية والعودة بنسبة 100% للتدريس الحضوري، يصطدم في الوقت الحالي بثلاثة عوامل؛ يعد أولها “ندرة الأساتذة والأطر المساعدة بمقرات الجامعة”، نتيجة لاستمرار أعداد كبيرة من أعضاء هيئة التدريس والكوادر الإدارية والفنية المساعدة في الوجود في دول الجوار، وثانيها “هشاشة البنية التحتية” جراء الدمار الذي لحق بالمنشآت والمرافق التعليمية، مع بطء وتأخر مشروعات إعادة الإعمار، أما ثالثها فهو الغياب فوق العادة للطلاب.
الواقع الطلابي الصادم
تناول التقرير الظروف التي يعيشها طلاب الجامعة جراء تأثرهم بالحرب وتداعياتها، من خلال نزوح ولجوء أعداد كبيرة منهم مع أسرهم، والتعامل مع التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب، بجانب صعوبة الحصول على بيانات من مصادر صلبة حول الإحصائيات الخاصة بالطلاب. وأوضحت اللجنة في تقريرها حرصها على التواصل مع عدد كبير من الروابط الأكاديمية والأساتذة والإداريين، وخصوصاً مع الطلاب.
استدلت اللجنة بالمعلومات المستخلصة من استبيان رابطة طلاب كلية الطب عن استئناف الدراسة بتاريخ 10 أغسطس 2026م، والذي أظهر أن 42% من طلاب الكلية لاجئون خارج السودان، وأن حوالي 54% يتحلون بالثقة في المعرفة النظرية، في ما يعاني أكثر من 75% من فجوات كبيرة في المهارات السريرية. وأبدى أكثر من 90% من الفئة التي شملها الاستبيان قلقهم من الدراسة السريرية المعملية، إما بسبب نقص أعضاء هيئة التدريس والمشرفين، أو زيادة الأعباء الواقعة عليهم، أو لعدم جاهزية المرافق الطبية ذات الصلة لإكمال مقتضيات التدريب العملي.
كما أظهرت نتائج الاستبيان الذي أجرته الجمعية الهندسية التسييرية وأرفقت نتائجه لعميد كلية الهندسة بالجامعة بتاريخ 5 أبريل 2026م، بمشاركة 1351 طالباً، أن أكثر من نصف العينة لاجئون خارج السودان، وأن 27% منهم يقيمون بالسودان لكن خارج ولاية الخرطوم، ولا يمتلك 74.7% من العينة سكناً داخل ولاية الخرطوم بعد انقضاء الامتحانات، في ما أعرب 57% من العينة عن عدم قدرتهم بشكل مطلق على تحمل تكاليف السفر.
تلقت اللجنة تقارير شفاهية من بعض الكليات أظهرت التراجع الكبير في أعداد المقبولين بالجامعة بعد الحرب مقارنة بالفترة السابقة لها، بالإضافة إلى النسبة القليلة جداً للطلاب المنتظمين بالدراسة قياساً بالعدد الكلي المقبول، مشيرةً إلى الغياب المشهود بين الطلاب في الامتحانات الأخيرة التي عقدت حضورياً بالجامعة، والتي عقدت بمقرات الجامعة بولاية الخرطوم.
أوضح التقرير أن الطلاب المسجلين لكلية الصيدلة بالجامعة قبل الحرب، والذين بلغت نسبتهم 90% من المقاعد المخصصة، بالمقارنة بالتسجيل الحالي للدفعة المؤجلة 2023م، والتي بلغت 46%، والدفعة المؤجلة 2024م، والتي بلغت 41%. وبلغ عدد الطلاب المقبولين في دفعتين بكلية التربية بعد الحرب ما يساوي عدد طلاب دفعة واحدة قبل اندلاع الحرب بشكل تقريبي، كما أن عدداً من طلاب كلية التربية تركوا الدراسة وقرروا الانقطاع عنها.
تجريف العقول
أورد التقرير أرقاماً صادمة إضافية متصلة بأساتذة الجامعة، بالاستناد إلى الاستبيان الذي أجرته اللجنة التسييرية لنقابة أساتذة جامعة الخرطوم بتاريخ 19 يونيو 2026م، بمشاركة 381 من أعضاء جمعيتها العمومية، إذ كشف أن 71% من عينة الأساتذة يوجدون خارج السودان، و29% داخل السودان.
أما الأرقام التي قامت نقابة الأساتذة بتجميعها في 22 أغسطس 2026م بشكل تقريبي لعدد العائدين، فإن النسبة بأقسام إحدى كليات مجمع الوسط بلغت 20%، أما متوسط العائدين بأحسن ثلاثة أقسام بإحدى كليات مجمع شمبات فبلغ 50%، أما بمجمع التربية فإن نسبة الحضور حتى 15 أغسطس 2026م بلغت 68%.
خلص التقرير إلى أن هذه النسب “صالحة لأن تكون عينة معتبرة في هذا المنحنى، يتضح أن حجم الضرر الذي سيطول الجامعة من فقدان أساتذتها إن أصرت إدارة الجامعة وتمادت في اتخاذ قراراتها التي لا تعير للعودة المرنة للأساتذة أي اهتمام”.
تدمير البنية التحتية
أظهر التقرير التدمير الكامل لسكن أساتذة الجامعة بحي المطار بشكل كامل، في ما فقدت أكثر من 50% من الإجمالي الكلي للسكن المخصص للأساتذة والموظفين في عدة مواقع بالخرطوم. كما تعرض الجزء الشمالي من المبنى القديم لكلية الصيدلة لأضرار إنشائية كبيرة تتطلب إزالة طابق كامل، وتعرضت قاعات الامتحانات وقاعة البروفيسور عبدالله الطيب للتدمير الكامل، وفقدت كلية العلوم (12) مختبراً، من بينها سبعة بشكل كلي.
فقدت الجامعة كل أسطول النقل الخاص بها من المركبات، بما في ذلك باصات الرحلات العلمية، وأكثر من 50% من السعة التشغيلية للقاعات والمختبرات والمستشفيات، وما يزيد عن 90% من بنية تقنية المعلومات والاتصالات، نتيجة لتعرض المباني وشبكات الكهرباء والألياف الضوئية والمياه والصرف الصحي لتدمير واسع.
شملت تلك الخسائر فقدان السجل الإلكتروني ممثلاً في (صفحة الجامعة)، بالإضافة إلى أنظمة (الشهادات، إدارة التعليم، الموارد البشرية والبطاقة وغيرها)، والأجهزة التي تضمنت سجل شهادات التسجيل ونتائج الطلاب والأبحاث وغيرها من الأصول المهمة.
مذكرات بدون استجابة
أعرب كثير من الطلاب، طبقاً لما ورد في التقرير، عن قلقهم بخصوص انفصال قرار مجلس العمداء القاضي بإغلاق المراكز الخارجية للجامعة واعتماد الدراسة والامتحانات الحضورية، لكونه، طبقاً لوصفهم، “أغفل مناقشة القضايا المرتبطة بالطلاب وواقعهم، وعلى رأسها توفيق أوضاع الداخليات”، بالاستناد إلى أن عدداً كبيراً من الطلاب القاطنين بالخرطوم قبل الحرب “باتوا لا يمتلكون القدرة على الدراسة الحضورية دون توفير سكن داخلي يتبع للجامعة”.
أظهر استبيان رابطة كلية الطب مخاوف من الطلاب، خاصة الطالبات، من الصعوبات التي تجابه التنقل في الصباح الباكر أو حتى عند نهاية اليوم الدراسي في وقت متأخر من اليوم الدراسي، بجانب المخاوف المرتبطة بالسلامة والأمن.
كشف التقرير عن تقديم عدد من المذكرات من عدة جهات، قُدِّر عددها بما لا يقل عن (15) مذكرة، للمطالبة بمراجعة القرار الخاص بإغلاق المراكز الخارجية للجامعة، قُدمت من أولياء الأمور أو الجهات الطلابية، ورُفعت إلى عمداء الكليات أو وزير التعليم العالي ورئيس وزراء سلطة قائد الجيش، بجانب مذكرة بتاريخ 22 أبريل 2026م من الأجسام الطلابية لقائد الجيش شخصياً، أشارت إلى أن قرار إغلاق المراكز الخارجية يترتب عليه حرمان 80% من الطلاب من الجلوس للامتحانات.
مقترحات مستقبلية
اقترح التقرير عدداً من التوصيات، على رأسها اعتماد التعليم المدمج للدراسة القائم على الأنشطة الحضورية والأنشطة غير الحضورية، بحيث تشمل الأنشطة غير الحضورية (المحاضرات النظرية، والتقييم المستمر للأعمال الفصلية، والإشراف العلمي على البحوث)، في ما تقتصر الأنشطة الحضورية على (التدريب العملي، والتدريب السريري، والزيارات العلمية، والامتحانات النهائية).
وطالب باعتماد التعليم المدمج المرن لمدة عام دراسي كامل، بحيث يصبح مرتبطاً بخطة العودة وليس بديلاً عنها، والاستفادة من التجارب العالمية في مجال التعليم الإلكتروني الذي انتهجته جامعات عديدة، خاصة بعد جائحة كورونا، أو التجربة الأوكرانية والسورية والفلسطينية التي استمرت في التعليم الجامعي من خلال تبني (التعليم المدمج)، الذي يحقق عدة فوائد، وأبرزها المحافظة على الكفاءات التي أصبحت موجودة خارج السودان، وسد النقص في بعض التخصصات النادرة، واستمرار برامج الدراسات العليا والبحث العلمي.
ودعا إلى ضرورة مراجعة قرار إغلاق المراكز الخارجية والاستجابة لمطالب العديد من المذكرات بإعادة فتح المراكز الخارجية وتطويرها، عبر إصدار قرار بإعادة فتح المراكز الخارجية لخدمة الأساتذة والطلاب المتأثرين بالحرب، والاستفادة من الأساتذة الموجودين خارج السودان، مع إمكانية جعلها أحد مصادر الدخل المالي للجامعة.
وطالب بإجراء العودة التدريجية للأساتذة لمدة عام دراسي، والتجديد التلقائي لعقود المشاهرة لهذا العام الدراسي، على أن يتم خلال هذه الفترة -أي العام الدراسي الحالي- الإيفاء بعدة متطلبات، على رأسها صيانة المجمعات السكنية وإعدادها، وتحسين الوضع الاقتصادي لأساتذة الجامعة.
واقترح اعتماد ما أطلق عليه «النموذج المتدرج» كبرنامج تجريبي لمدة عام واحد، يتم بمقتضاه تقسيم العاملين إلى ثلاث فئات؛ الأولى (أ)، وهي المجموعة التي تعود بشكل كامل إلى مقر العمل، والتي تتطلب مساعدتها في توفير السكن وتخصيص منح انتقال؛ والفئة الثانية (ب)، والتي تشارك في أعمال مباشرة داخل الحرم الجامعي لفترة تمتد من أربع إلى ستة أسابيع في كل فصل دراسي، وتتطلب هذه الفئة توفير تذكرة سفر واحدة لكل فصل دراسي ممولة من الجامعة، وتوفير إعاشة أثناء الإقامة؛ أما الفئة الثالثة (ج)، فتقوم بمباشرة مهامها ودورها عن بُعد، حيث تمنح هذه الفئة مكافأة معيارية متفقاً عليها.
وشدد في ذات الوقت على أهمية مراعاة تأثيرات الحرب اقتصادياً ونوعياً، والظروف العامة التي تمر بها الأسر السودانية والطلاب والطالبات، الذين باتوا لا يمتلكون القدرة على العودة والاستقرار بمعزل عن أسرهم، وضرورة إعادة إعمار الداخليات لاستقبال الطلاب وتهيئة البنية التحتية للعملية التعليمية من قاعات ومعامل ومرافق خدمية، وتوفير البيئة الآمنة داخل الحرم الجامعي، والتقليل من المظاهر العسكرية داخل حرم الجامعة.
بيّن التقرير أن مشروع إعادة الإعمار “هو مشروع متكامل يحتاج لتنسيق الجهود بين إدارة الجامعة والكليات والخريجين ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمنظمات والجهات الداعمة”، مشيراً إلى أهمية إجراء تقييم هندسي وفني تفصيلي لجميع الأصول والمنشآت المتضررة، بوصفه مهماً لإجراءات السلامة وتصنيف درجة الضرر والأولوية وتقدير التكاليف، بما يساعد في إعداد خطة مرحلية واضحة لإعادة الإعمار.
ودعا لوحدة المبادرات الحالية الخاصة بإعادة الإعمار وتجميعها ضمن خطة شاملة لتوجيه الموارد المتاحة نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحاً، بجانب وضع رؤية لإعادة الإعمار وتحديد ما إذا كانت تهدف لإعادة الحالة لما كانت عليه قبل الحرب أم برؤية جديدة.