بعد إعلان نتيجة الشهادة السودانية: كيف نقيس نجاح المدرسة بعيداً عن الأوائل؟

أماني أبوسليم

عندما تشاهد أخبار المدارس الخاصة وما أحرزه طلبتها في امتحان الشهادة السودانية، ستفهم أن نتائج الامتحان أصبحت من أهم إعلاناتها لنيل ثقة أولياء الأمور: هذه المدرسة أو تلك أوصلت طلابها إلى هذه المستويات، وهذا عدد من أحرزوا نسباً مرتفعة، وهذه أسماء من دخلوا قائمة المائة الأوائل.

ومن الطبيعي أن تفخر المدرسة الخاصة بطلابها المتفوقين، وأن تحتفي بإنجازاتهم. لكن هل يكفي وجود عدد من طلابها ضمن قائمة المائة الأوائل، أو إحرازهم أكثر من 90%، للحكم على أدائها في عملية تعليمية متعددة الأبعاد؟ وإذا لم يكن هذا هو المعيار، فما المعيار الأكثر عدلاً؟.

لنأخذ مدرسة أعلنت أن لديها عشرة طلاب أحرزوا أكثر من 90%. هذه معلومة مهمة، لكنها لا تخبر ولي الأمر إلا عن هؤلاء العشرة. ماذا حدث للطلاب الآخرين؟.

هنا يبدأ السؤال الحقيقي عن أثر المدرسة.

قد يكون الطالب المتفوق قد دخل المدرسة وهو متفوق أصلاً، وقد تكون قدراته الفردية ودعم أسرته وعوامل أخرى أسهمت في نتيجته. لذلك تخبرنا النتيجة النهائية أين وصل الطالب، لكنها لا تخبرنا بالضرورة كم أضافت المدرسة إلى رحلته.

أما الطالب الذي دخل المدرسة بمستوى متوسط، أو كان يعاني ضعفًا في مادة أو أكثر، فقصته مختلفة. نجاح المدرسة معه لا يظهر في قائمة الأوائل، وإنما في مقدار ما استطاعت أن تضيفه إليه: هل اكتشفت نقاط ضعفه؟ هل فهمت أسبابها؟ هل قدمت له الدعم المناسب؟ وهل أصبح أفضل مما كان عليه؟.

وهذا لا يعني التقليل من قيمة التفوق. فالطالب الذي يحقق نتيجة مرتفعة إنجاز يستحق الاحتفاء، والمدرسة التي ساعدته على ذلك تستحق التقدير. لكن جودة المدرسة لا يمكن أن تُقرأ من الطلاب الذين وصلوا إلى القمة فقط، فالتعليم مسؤولية تجاه جميع الطلاب.

وهنا تظهر قيمة قياس النمو. فبدل أن نعرف فقط نسبة من تجاوزوا  90%. يمكن أن نعرف أيضاً كم طالباً تحسَّن مستواه مقارنة، بنقطة البداية، وكم طالباً تجاوز صعوبة كان يعاني منها، وكم طالباً انتقل من مستوى إلى آخر بفضل ما تلقاه من تعليم ودعم.

هذه المعلومات قد لا تصنع قائمة لامعة من الأوائل، لكنها تخبرنا شيئاً أكثر عمقاً عن المدرسة: ماذا تفعل عندما لا يكون الطالب متفوقًا.

وتزداد أهمية هذا السؤال في المدارس الخاصة، حيث تدفع الأسر رسوماً مقابل الحصول على تعليم أفضل وفرص أوسع لأبنائها. فإذا حصل بعض الطلاب المتفوقين على منح أو إعفاءات من الرسوم، فهذا يمكن أن يكون وسيلة مهمة لتشجيع التفوق ودعم الطلاب المتميزين. لكن من حق بقية الأسر أيضاً أن تعرف كيف تتعامل المدرسة مع الطالب الذي يحتاج إلى دعم أكبر، وما الذي تقدمه له إذا تراجع مستواه.

فالمعيار العادل لا ينبغي أن يكون فقط عدد الطلاب الذين حققوا نتائج استثنائية، وإنما قدرة المدرسة على التعامل مع اختلاف مستويات طلابها، وعلى مساعدة كل طالب على التقدم من النقطة التي بدأ منها.

كما أن التعليم لا ينتهي عند الدرجة. فما الذي يكتسبه الطالب إلى جانب المنهج والامتحان؟ هل يتعلم التفكير، وحل المشكلات، والتعلم بصورة مستقلة، والتعبير عن نفسه؟، وهل تساعده المدرسة على بناء قدرات تستمر معه بعد انتهاء الامتحان؟.

بهذه الصورة تصبح نتيجة الشهادة السودانية جزءاً من صورة أكبر. لا نسأل فقط: كم طالباً وصل إلى القمة؟ وإنما نسأل أيضاً: كم طالباً تقدم؟ وماذا أضافت المدرسة إلى كل طالب مقارنة بما كان عليه عندما بدأ؟.

ولي الأمر الذي يدفع رسوم مدرسة خاصة يحتاج إلى معرفة أكثر من أسماء المتفوقين. يحتاج إلى أن يعرف ماذا سيحدث لابنه إذا كان متوسط المستوى، أو إذا تعثر، أو إذا تراجع مستواه. فهذه هي اللحظات التي يظهر فيها أثر المدرسة الحقيقي.

فالطالب هو غاية التعليم، وليس وسيلة لبناء العلامة التجارية للمدرسة.

وعندها يمكن أن تصبح نتائج المدرسة أكثر من قائمة بأسماء المتفوقين، أن تخبرنا ليس فقط من وصل إلى القمة، وإنما كم طالباً تقدم، وكيف ساعدت المدرسة كل طالب على أن يصبح أفضل مما كان عليه.

عندها تصبح النتيجة شهادة على أثر المدرسة في طلابها، لا مادة إعلانية عنهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *