بقلم: وليد عنبوور
في لحظة سياسية وعسكرية شديدة الاضطراب، لا تعود تصريحات القيادات العسكرية مجرد مواقف عابرة مرتبطة بتطورات الميدان أو ضرورات التعبئة؛ إذ تتحول إلى نصوص سياسية تكشف بنية التفكير العسكري الذي يدير المشهد، وتكشف حدود رؤيته للدولة وموقع المجتمع والقوى المدنية في مستقبل السودان. ولذلك يصبح خطاب الفريق أول ياسر العطا في حواره مع صحيفة «الشروق» المصرية مادة تتجاوز التصريح العسكري المباشر، خصوصاً عندما يجمع بين الحديث عن عدم رغبة الجيش في الحكم، والدعوة في الوقت ذاته إلى بقاء القائد العام رئيساً للدولة لثلاث أو أربع دورات انتخابية، وبين تصعيد الخطاب تجاه إثيوبيا ودول الإقليم، وتقديم تصورات تتجاوز حدود الحرب إلى شكل الدولة بعدها.
فالخطاب الذي يربط حماية الدولة باستمرار القيادة العسكرية في قمة السلطة يخلط بين حماية الحدود وخضوع الجيش للسلطة المدنية، وينقل مفهوم حماية الدولة إلى حماية بنية الحكم ذاتها، محولاً الخوف من الفوضى إلى مبرر لإدامة الوصاية، بينما تحتاج الدولة التي انهارت مؤسساتها إلى فصل واضح بين وظيفة الدفاع وحق المجتمع في اختيار السلطة وصياغة مستقبله السياسي بحرية.
تناقضات الحوار التأسيسي وسقف الوصاية فوق الدستورية
المفارقة الأولى تبدأ من العبارة التي تقول إن الجيش لا يريد حكم البلاد، ثم تنتقل مباشرة إلى تصور يجعل القائد العام رئيساً للدولة خلال ثلاث أو أربع انتخابات مقبلة، مع منح الأحزاب الفائزة مسؤولية تشكيل الجهاز التنفيذي. وهي صيغة لا تنهي الحكم العسكري، بل تتجه إلى إعادة إنتاجه داخل هندسة انتخابية؛ إذ يصبح الانتخاب قائماً تحت سقف عسكري محدد سلفاً، وتصبح شرعية الصندوق مرتبطة بوجود وصاية فوق دستورية تملك حق حماية الدولة وتحديد رئيسها في الوقت ذاته، مما يحول الانتخابات من أداة لإنتاج السلطة إلى آلية لإعادة ترتيبها داخل المجال الذي تسمح به المؤسسة العسكرية.
وقد ذهب العطا في الحوار إلى القول إن وجهة نظره تتمثل في أن القائد العام، أياً كان اسمه، يكون رأس الدولة، مع تولي الانتخابات البرلمانية إنتاج الحكومة التنفيذية.
المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الدورات الانتخابية المقترحة، وتتجاوز ذلك إلى الفكرة المؤسسة خلفها؛ فحين يقرر القائد العسكري مسبقاً أن موقع رئيس الدولة ينبغي أن يبقى مرتبطاً بالقائد العام، تصبح المؤسسة العسكرية طرفاً في صياغة العقد السياسي قبل بدء النقاش الوطني حوله، ويغدو الحديث عن حياد الجيش منفصلاً عن وظيفته السياسية الفعلية؛ لأن من يحدد شكل الحكم ويضع سقفاً لاختيار رأس الدولة لا يستطيع تقديم نفسه باعتباره مؤسسة بعيدة عن صناعة السلطة.
وتزداد المفارقة حدة عندما يوضع هذا التصور أمام الحوار السوداني ـ السوداني الذي يجري تقديمه باعتباره مساراً تشارك فيه القوى السياسية والمدنية لتحديد مستقبل الدولة وترتيبات الحكم؛ فإذا كان الحوار سياسياً ومدنياً وتأسيسياً، فإن الجيش لا ينبغي أن يكون طرفاً فيه أصلاً، لأن المؤسسة العسكرية ليست حزباً سياسياً ولا هيئة تفويض شعبي ولا مكوناً مدنياً يملك حق التفاوض حول شكل الدولة ونظام الحكم ورئاسة الدولة وتوزيع السلطة، وتظل مؤسسة وطنية مهنية تنشأ وظيفتها داخل الدولة وتخضع للعقد الدستوري الذي يصوغه المجتمع.
وهذا يجعل التناقض أكثر حدة: فإذا كان الجيش غير معني بالقضايا السياسية، كما يفترض في الدولة الديمقراطية، فكيف يصبح موقع القائد العام في رئاسة الدولة قضية يحددها الجيش مسبقاً؟ وإذا كان الحوار مدنياً، فكيف تصبح المؤسسة العسكرية صاحبة تصور جاهز لشكل السلطة المفترض أن ينتجه الحوار؟ وإذا كان الحوار تأسيسياً، فكيف تسبق المؤسسة العسكرية المشاركين إلى تحديد إحدى أهم قضايا التأسيس؟.
القضية ليست أن يشارك الجيش ثم يلتزم بمخرجات الحوار؛ والحقيقة المعرفية أن الجيش لا ينبغي أن يكون طرفاً سياسياً في الحوار من الأساس، لأن مهمته تبدأ داخل الدولة التي ينتجها العقد الدستوري، لا عند صياغة ذلك العقد.
وعلى هذا الأساس، فإن طرح بقاء القائد العام رئيساً للدولة لثلاث أو أربع دورات لا يمثل مجرد رأي شخصي، بل يكشف اختلاطاً بين المجال العسكري والمجال السياسي، ورغبة في الاحتفاظ بحق تحديد جزء من المستقبل السياسي للدولة، حتى مع إعلان عدم الرغبة في الحكم؛ فالمؤسسة التي تحدد رأس الدولة، وشكل العلاقة بين البرلمان والجهاز التنفيذي والقائد العام، والمدة التي يبقى فيها العسكري في قمة السلطة، تكون قد دخلت المجال السياسي من أوسع أبوابه، مهما كانت اللغة المستخدمة لتسمية ذلك حماية أو ضرورة أو انتقالاً مؤقتاً.
ولهذا ينسف هذا الطرح الحوار السوداني ـ السوداني قبل بدايته؛ لأن الحوار الذي يفترض أن يكون مساحة لصياغة عقد وطني جديد لا يستطيع أن يبدأ تحت سقف سياسي تحدده المؤسسة العسكرية مسبقاً، كما لا يستطيع أن يتحول إلى عملية تأسيس حقيقية إذا كان الجيش يحمل نتيجة سياسية جاهزة يريد إدخالها إلى الطاولة.
فالتأسيس يقتضي أن يقرر المجتمع شكل الدولة ونظام الحكم ورئاسة الدولة والعلاقة بين المؤسسات، ثم يخضع الجيش لما ينتجه هذا العقد من قواعد دستورية، لا أن يدخل لحظة التأسيس حاملاً تصوراً مسبقاً لرأس الدولة.
ضمن هذا المشهد، يصبح بعض الأفندية المدنيين الذين يروجون للحوار مع تجاهل هذه المفارقة جزءاً من وظيفة سياسية خطرة؛ لأنهم يقدمون غطاءً مدنياً لترتيب عسكري مسبق، ويتحولون بذلك إلى «دمى في يد العسكر»، سواء امتلكوا الوعي الكامل بهذه الوظيفة أم تحركوا تحت وهم فتح طريق للحل. فالمعيار الحقيقي هو الوظيفة السياسية التي يؤديها هذا الدور في إنتاج الشرعية، وحين يجري تسويق حوار تأسيسي بالتزامن مع تحديد رأس الدولة مسبقاً، تصبح المشاركة المدنية أداة تزيين لترتيب سلطوي بعيداً عن الشراكة الفعلية.
هذه المفارقة تقود إلى أصل أعمق للأزمة يتعلق بطبيعة المؤسسة العسكرية ذاتها. فالقوات المسلحة بصورتها التاريخية جزء من بنية الأزمة التي أنتجت الدولة القديمة، وتراكمت داخلها علاقة معقدة بين القوة العسكرية والسلطة والاقتصاد ومراكز النفوذ. ولذلك فإن التعامل معها باعتبارها مؤسسة تحتاج إلى إصلاحات إدارية فقط لا يمس جذور المشكلة؛ لأن حرب 15 أبريل كشفت عجز النموذج القديم للدولة وتهاوي ترتيباته الأمنية والسياسية عن حماية المجتمع، كما كشفت أن إعادة إنتاج المؤسسة ذاتها بالعقيدة والبنية والعلاقات القديمة لن تقود إلى دولة جديدة.
ترحيل الأزمة إلى الخارج وتوظيف الملفات الإقليمية والميدانية
في الوقت نفسه، تكشف تصريحات العطا عن انتقال الخطاب العسكري من الدفاع عن المجال الوطني إلى صناعة فضاء جيوسياسي واسع ومتشابك للتهديدات. فبعد الاتهامات المتكررة للإمارات، يتجه الخطاب هذه المرة نحو تصعيد مباشر ضد إثيوبيا، مستشهداً بادعاءات حول استخدام مطار أصوصا للانطلاق الميداني، رابطاً ذلك بمعارك النيل الأزرق والحديث عن مساعٍ إثيوبية للوصول إلى ميناء عصب الإريتري، وهي قضايا وردت ضمن الحوار نفسه إلى جانب حديثه عن دارفور والتطورات الميدانية.
هذا المنطق لا يمنح الحرب امتداداً عابراً للحدود فحسب، بل تتجاوز أبعاده التناقضات التاريخية والتوازنات الأمنية الحساسة بين أسمرا وأديس أبابا، محوِّلاً الخطاب العسكري إلى أداة لإعادة تعريف الصراع الداخلي باعتباره مواجهة متعددة الجبهات، تغذي الاستقطاب الإقليمي وتصوغ اصطفافات الخصوم والحلفاء استناداً إلى مخاوف الجوار.
هذا النمط من الخطاب يستوجب قراءة استراتيجية مستقلة؛ إذ إن نقل مركز الأزمة إلى الفضاء الخارجي قد يمنح المؤسسة العسكرية قدرة مؤقتة على حشد الداخل وتبرير الاستعانة بأطراف خارجية، لكنه لا يعالج الجذور الحقيقية للصراع. وحتى مع فرضية وجود تدخلات إقليمية، فإن ذلك لا يلغي المسؤولية التاريخية للبنية السياسية والأمنية التي أدت إلى انهيار الدولة وتحالفت مع النظام المحلول، ولا يمنح المؤسسة العسكرية مسوغاً لاتخاذ حماية السيادة ذريعة للانفراد برسم مستقبل البلاد؛ فالسيادة الوطنية الحقيقية تبنى على الإرادة الشعبية والعقد الاجتماعي، وتتعارض مع هيمنة المؤسسة العسكرية على المجال السياسي.
وإقحام الملف الإثيوبي في هذا التوقيت الحرج، بالنظر إلى ملفات الحدود والفشقة وسد النهضة، يحمل مخاطر استراتيجية قد تحول الشريط الحدودي إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وتضع البلاد داخل محاور لا تملك أدوات التوجيه فيها، وقد تدفعها إلى خدمة حسابات إقليمية تتجاوز المصلحة السودانية المباشرة.
وتتكرر الهندسة نفسها في الحديث عن جبهات دارفور والنيل الأزرق، إذ يجري تقديم وعود باقتراب تحرير الفاشر ونيالا والجنينة، مع تصوير جبهة النيل الأزرق باعتبارها محاولة لإعاقة التقدم نحو الغرب. وهذه طريقة تصنع النصر قبل اكتماله على الأرض، وتحول التوقعات العسكرية إلى حقائق سياسية مسبقة؛ وهذه الفجوة بين الواقع والتعبئة واحدة من أشد مظاهر الهروب إلى الأمام، لأن الدولة لا تستطيع بناء شرعيتها على انتصارات معلنة قبل تحققها.
والبعد الأشد إقلاقاً أن خطاب النصر المتكرر قد يزيح النقاش عن كلفة الحرب الإنسانية والاجتماعية، وعن ملايين النازحين واللاجئين وتدمير المؤسسات وانهيار الاقتصاد، ويجعل المجتمع مطالباً بالصمت أمام كل تجاوز ما دام الخطاب يعده بانتصار قريب، فتستمر التعبئة وتتأجل معالجة أسباب الانهيار.
وتكشف قضية المعتقلين، وما ارتبط بحديث العطا عن احتجاز شقيقه منذ الأيام الأولى للحرب، ثم رفضه تمييزه عن غيره من المعتقلين، نقطة تتجاوز المأساة الفردية إلى كيفية توظيف القضية داخل الخطاب العام، بما يمكن أن يحولها سياسياً إلى مادة للتعبئة واستمرار الحرب؛ فتحويل مأساة المعتقلين إلى وقود لمزيد من الدمار لا يقدم حلاً.
أما الملف الروسي في البحر الأحمر، وما يرتبط بتأخر الاتفاق حول القاعدة البحرية بسبب غياب البرلمان، فيكشف بدوره عن سؤال السيادة الدستورية؛ إذ لا يمكن اختزال القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالموانئ والقواعد العسكرية والوجود الأجنبي في ترتيبات مؤقتة تفرضها الحرب، كما أن الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية تحتاج إلى تحقيق مستقل وشفاف؛ لأن حماية السيادة تعني أيضاً ترسيخ أركان المحاسبة والنزاهة المؤسسية، وحظر تحويل الملفات السيادية إلى أدوات في صراعات القوى الكبرى.
من شرعية السلاح إلى شرعية التأسيس
المحصلة السياسية لهذه التصريحات تتضح في تركيبها: توسيع دائرة التهديدات الإقليمية، وتثبيت مركزية المؤسسة العسكرية، وتصنيع انتصارات مستقبلية، وربط الأزمة بمخاطر الخارج لفرض تصور معين للدولة القادمة؛ فتغدو هذه الهندسة آلية متكاملة لتأجيل استحقاق التأسيس الحقيقي، بينما جاءت حرب 15 أبريل لتكشف النهاية الفعلية للنموذج القديم للدولة، لا سقوط سلطة عابرة فقط.
لقد أعلنت الحرب النهاية العملية لدولة تآكلت بنيتها عبر عقود من الانقلابات والحروب ومراكز القوة المتعددة؛ انهارت مؤسساتها، وتفتت وظائفها، وتبعثرت سلطتها، وتحولت أجزاء واسعة من بنيتها إلى ركام، وما بقي من مؤسساتها القديمة فقد القدرة على إنتاج حياة وطنية مستقرة. ولذلك فإن محاولة ترميم ذلك الركام أو إعادة تدوير أطلاله تحت عناوين ومسميات جديدة لن تعني استعادة الدولة، بل تؤدي إلى إعادة إنتاج شروط الفاجعة ذاتها.
المطلوب بعد 15 أبريل ليس إعادة بناء الدولة القديمة، ولا ترميم مؤسساتها المنهارة، ولا إعادة توزيع مواقعها بين النخب والقوى التي عاشت داخل بنيتها؛ بل تتجلى الحاجة في إعلان القطيعة التاريخية مع النموذج الذي انتهت آخر تجلياته في الحرب، والبدء في تأسيس دولة سودانية جديدة تنشأ من عقد وطني جديد ومن إرادة السودانيين الحرة، لا من موازين القوة التي أفرزتها الحرب.
ولذلك فإن إعادة التأسيس عملية سياسية ودستورية تعيد تحديد شكل الدولة ونظام الحكم وتوزيع السلطة والعلاقة بين المركز والأقاليم والعدالة الانتقالية والعلاقة بين الجيش والمجتمع والاقتصاد السياسي للمؤسسات العسكرية.
ومن هذا المنظور يصبح موقف الجيش من الحوار واضحاً؛ فالجيش ليس طرفاً سياسياً في عملية التأسيس، ولا يملك تفويضاً شعبياً يتيح له التفاوض حول شكل السلطة أو تحديد رئيس الدولة أو وضع سقف زمني لبقاء قائده في قمة الحكم، وتتحقق مهمته بالخضوع لما تنتجه الإرادة المدنية التأسيسية من عقد دستوري، ثم العمل داخله باعتباره مؤسسة دفاع وطنية مهنية.
وفي صلب هذا التحول يأتي إنشاء وتأسيس جيش وطني جديد، لا بوصفه تفصيلاً فنياً يؤجل إلى ما بعد صياغة الدولة، بل باعتباره نتيجة طبيعية للعقد الوطني الجديد؛ جيش يولد من رحم الدستور الجديد، بعقيدة وطنية غير حزبية، وتمثيل عادل، وهيكل مهني، ووظيفة دفاعية واضحة، وخضوع كامل للسلطة المدنية، واستقلال عن المنافسة السياسية والاقتصادية، بحيث لا يصبح الجيش طرفاً في صناعة السلطة أو مركزاً موازياً للدولة.
وعليه، فإن طي الحرب لن يكون خاتمة الأزمة السودانية، بل تتشكل معه بداية المعركة الحقيقية؛ معركة الانتقال من شرعية السلاح إلى شرعية التأسيس، ومن دولة انتهت بنيتها القديمة في حرب 15 أبريل إلى دولة جديدة تستمد شرعيتها من مواطنيها، ولا يعاد فيها تدوير مؤسسات ماتت وظائفها، ولا إنتاج علاقة الجيش بالسياسة التي كانت جزءاً من أسباب الانهيار، ولا يستبدل وجه قديم بوجه جديد داخل البنية ذاتها؛ بل يفتح السودانيون مساراً تأسيسياً حراً يحدد شكل دولتهم ونظام حكمهم وعقدهم الدستوري، ثم ينشئ الجيش الوطني الذي يخضع لهذا العقد.
وعندها فقط يصبح الخروج من فانتازيا التصعيد والهروب إلى الأمام انتقالاً حقيقياً من دولة الحرب والوصاية إلى دولة المواطنة والديمقراطية والتأسيس الجديد.