لماذا نخاف الرأي الآخر؟

أماني أبو سليم

لماذا نريد، في أحيان كثيرة، أن يوافقنا الآخرون؟ لماذا لا نتحمل اختلافهم عنا؟ ولماذا لا يكفينا أن نتمسك برأينا، فنشعر بالحاجة إلى انتزاع موافقتهم، أو دفعهم إلى الصمت، أو حملهم على إظهار اقتناع لا يشعرون به؟.

لماذا يبدو الرأي المخالف كأنه اعتراض على صورتنا عن أنفسنا، وعن حكمتنا وأخلاقنا؟ كيف يتحول اختلاف في الرأي إلى ما يشبه المساس بهويتنا، فنراه خسارة شخصية لا اختلافاً في وجهات النظر؟.

ما الذي يخيفنا في احتمال أن يكون الآخر على حق؟.

أن نكتشف أننا أخطأنا، وأن ذلك يقتضي أن نعيد النظر في أحكام أصدرناها، ومواقف دافعنا عنها، وأشخاص أسأنا إليهم، وربما قرارات بنينا عليها جزءاً من حياتنا. وقد نكتشف أننا استثمرنا في رأيٍ ما كثيراً من أنفسنا ووقتنا، مما يرفع كلفة التخلي عنه.

وهناك خوف آخر، أن نكتشف أننا لم نكن ندافع عن الحقيقة، وإنما عن حاجتنا إلى أن نكون على صواب. فقد ننتقي من الوقائع ما يؤيد موقفنا، ونتجاوز ما يناقضه، ونمنح الأخطاء التي تصدر عنا تفسيرات لا نقبلها من الآخرين. وحين يظهر رأي مخالف يربك هذه الصورة، يصبح الإنصات إليه مواجهة مع أنفسنا، لا مع فكرة مخالفة فحسب.

وقد نخشى أيضاً خسارة المكانة والانتماء، فأحياناً لا يُقيَّم المرء بما يقوله فقط، وإنما بما يُنتظر منه أن يقول. وقد يصبح تغيير الرأي سبباً للشك في ولائه، أو مدعاة للسخرية منه، أو تهديداً لموقعه بين الآخرين.

 

قد تدفعنا هذه المخاوف إلى أن نشرع أسلحتنا لإخراس الرأي الآخر، وقتل كلمته، أو وأدها قبل أن تخرج بالكامل. وقد نشعل حرباً تبدأ باختلاف في الكلام، ثم تتصاعد إلى معارك كلامية، حتى نصل إلى نيران الأسلحة الحقيقية.

 

ومن هذه الأسلحة السخرية، التي قد تصبح وسيلة لمواجهة عجزنا عن اختبار حججنا. فبدلاً من مناقشة الفكرة، ننتقل إلى صاحبها، ونقلل من شأنه، ونشكك في مقاصده، ونبحث عن ثغرة في سيرته أو عيب في شكله، كأن الانتقاص منه يكفي لإبطال حجته.

والسخرية هنا تتجاوز إضحاك الآخرين. إنها تضعنا في موقع من يملك حق التقييم، وتضع الآخر في موضع مَن عليه أن يدافع عن نفسه. وهكذا نُبعِد النقاش عن الفكرة التي بدأ من أجلها، ونحوّله إلى مواجهة شخصية.

وبهذا لا نُسكت الرأي المخالف فقط، بل نؤثر في الآخرين أيضاً، فقد يتعلمون أن الصمت أكثر أماناً من التعبير. ومع الوقت، لا نسمع إلا رأينا.

لكن إذا كنا نثق في صحة آرائنا، فلماذا يقلقنا أن نسمع رأياً يناقضها؟ ولماذا نسعى إلى ترهيب الآخر لضمان سكوته؟ وإذا كنا نعلم أنه لم يقتنع، وإنما صمت خوفاً أو زهداً في النقاش، فما الذي يمنحنا إياه هذا الصمت من طمأنينة لا نستطيع الحصول عليها من الحجة؟.

ربما يمنحنا الصمت شعوراً بالسيطرة، لكنه لا يمنحنا دليلاً على أننا أقنعنا أحداً. فإخضاع الآخر ليس إقناعاً، وغياب الاعتراض لا يعني ثبوت صحة رأينا. وقد ننجح في إخفاء الاختلاف من حولنا، من دون أن ننجح في تغييره.

ماذا نخسر حين نرفض الاختلاف؟.

نخسر فرصة اكتشاف ما لا نراه. فالعقل الذي لا يسمع إلا ما يوافقه يظل أسيراً للأدلة التي اختارها لنفسه، أو التي انتقاها، بينما يمكن للرأي المخالف أن يكشف نقصاً في معرفتنا، أو تناقضاً في أحكامنا، أو زاوية أغفلناها. ولا يعني ذلك أن الرأي الآخر صحيح لمجرد أنه مختلف، فقد يكون ضعيفاً أو خاطئاً. لكننا لا نستطيع التمييز إذا منعنا أنفسنا من الاستماع إليه ومحاولة فهمه.

وقبول الاختلاف لا يعني أن نتخلى عن قناعاتنا، أو أن نساوي بين كل الآراء، أو أن نمتنع عن نقد ما نراه خطأ. معناه أن نمنح الفكرة فرصة للفحص قبل أن نحكم على صاحبها، وأن نميز بين رفض الرأي ورفض حق صاحبه في التعبير عنه، وأن نحتفظ لأنفسنا بحق المراجعة كما نحتفظ بحق الاعتقاد.

فالرأي الذي لا يستطيع البقاء إلا إذا صمت المختلفون عنه، يظل محتاجاً إلى حماية مستمرة، وربما إلى أن يُحرس بالسخرية والإساءة، وأحياناً بسلاح حقيقي. أما الرأي الذي نثق به، فيمكننا أن نضعه أمام الأسئلة، ونستمع إلى الاعتراضات عليه، ونقبل أن يتغير إذا ظهرت أسباب تستحق التغيير.

ليس أصعب ما في الاختلاف أن نرى العالم بعيون أخرى، بل أن نسمح لهذه العيون بأن تجعلنا نرى شيئاً لم نكن نراه، أو ربما كنا نخشى أن نراه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *