السودان بين نيران الحرب ووعود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
حين يصبح السلام ضرورة وجودية
شيماء تاج السر، المحامية
يحتفل العالم في الحادي والعشرين من سبتمبر من كل عام باليوم العالمي للسلام، وهو اليوم الذي أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1981، ليكون بمثابة ناقوس يدق لنبذ العنف والدعوة إلى السلم والأمان، وتذكيراً للبشرية جمعاء بأهمية العيش المشترك في ظل قيم التسامح والعدالة والكرامة الإنسانية. وقد جاء هذا الإعلان تتويجاً لجهود دولية حثيثة سعت، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى بناء نظام عالمي يقوم على احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وتجنيب الشعوب ويلات الحروب والصراعات المسلحة.
غير أننا في هذا اليوم، وبدلاً من أن نحتفل بمنجزات السلام ومكاسبه، نجد أنفسنا إزاء واقع مرير في بقعة من العالم تشتعل فيها نيران الحرب، وتُسحق فيها حقوق الإنسان، وتُداس فيها كرامة البشر، ألا وهي السودان. فبينما يفترض أن يكون هذا اليوم مجسِّداً للمبادئ السامية الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، خاصة الحق في الحياة والحرية والأمن، نرى في السودان مثالاً صارخاً على كيف يمكن للحرب أن تحوِّل هذه المبادئ إلى مجرد حبر على ورق، وتحطم أحلام الشعوب في الحرية والعدالة والسلام.
لقد تحول الصراع، الذي اندلع في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إلى كارثة إنسانية وحقوقية تهدد أسس المجتمع السوداني وتنتهك القانون الدولي بفظاعة. ولم يعد السودان مجرد أزمة محلية أو إقليمية، بل أصبح اختباراً حقيقياً لمدى قدرة النظام الدولي على حماية المدنيين وتطبيق المبادئ التي أقرها في مواثيقه ومعاهداته الدولية.
المدنيون يدفعون ثمن الصراع على السلطة
لم تأتِ حرب السودان من فراغ، بل هي نتاج تراكمات سياسية وأمنية معقدة أعقبت الإطاحة بنظام عمر البشير في عام 2019. فقد عاش السودان ثلاثة عقود من الحكم الاستبدادي والتهميش والصراعات الإقليمية التي أضعفت مؤسسات الدولة، وأنهكت الاقتصاد الوطني، وأفقرت ملايين السودانيين.
وعندما قامت الثورة السودانية في ديسمبر 2018، حملت معها آمالاً عراضاً في التغيير والحرية والعدالة، وقدم الشباب السوداني والشابات السودانيات تضحيات جسيمة من أجل إزالة النظام القديم وبناء سودان جديد يقوم على أسس ديمقراطية سليمة.
غير أن اتفاق الجيش السوداني والدعم السريع، بعد الإطاحة بالبشير، سرعان ما تحول إلى صراع دموي على النفوذ والموارد، حيث تنافس الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، على السيطرة على مقدرات الدولة ومؤسساتها. وقد تحول هذا التنافس إلى مواجهة عسكرية مفتوحة في أبريل 2023، ليكتشف السودانيون أن حلمهم في الحرية والعدالة قد تحول إلى كابوس من العنف والدمار والمعاناة.
وأصبح المدنيون وقوداً لهذه المعركة، حيث تحولت الشوارع إلى ساحات قتال، والبيوت إلى أنقاض، والمستشفيات إلى أهداف، والمدارس إلى ملاجئ مؤقتة للنازحين. ولم يعد السودانيون يتساءلون عن مستقبل بلدهم فحسب، بل عن قدرتهم على البقاء على قيد الحياة في ظل هذه الظروف القاسية. إن الصراعات على السلطة، مهما كانت مبرراتها، تكون دائماً على حساب الشعوب التي تدفع الثمن من دمها وأمنها ومستقبلها.
انتهاكات حقوق الإنسان في ظل الإطار القانوني
يُعتبر القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان الإطارين الرئيسيين اللذين يحكمان سلوك الأطراف في النزاعات المسلحة ويضمنان حماية المدنيين. وقد وضعت هذه الأطر القانونية، على مر العقود، لتكون حصناً يحمي الفئات الأكثر ضعفاً في أوقات الحرب، ولتضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية حتى في أحلك الظروف.
ومع ذلك، تشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية إلى انتهاكات منهجية وجسيمة ترقى إلى مستوى جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية في السودان. ويمكن تصنيف هذه الانتهاكات ضمن عدة محاور رئيسية، يمثل كل منها انتهاكاً لإطار قانوني دولي واضح.
الاعتداء على الحق في الحياة والأمن الشخصي
يعد القتل العشوائي للمدنيين السمة الأبرز لهذه الحرب، حيث تحولت الأحياء السكنية إلى ساحات للموت والدمار. فالقصف العشوائي للمناطق السكنية، والإعدامات خارج نطاق القضاء، والمجازر التي تستهدف قرى وأحياء بأكملها، أصبحت أموراً اعتيادية، للأسف الشديد.
وتشير التقارير الموثقة إلى أن آلاف المدنيين، بينهم نساء وأطفال وشيوخ، قتلوا في هجمات استهدفت مناطق سكنية وأسواقاً ومستشفيات. وقد وثقت منظمات حقوق الإنسان حالات عديدة لقتل مدنيين عُزَّلٍ لا يشتركون في أي أعمال عسكرية.
وتنتهك هذه الأفعال المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على أن “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه”، كما تنتهك المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، التي تحظر “الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، والقتل بجميع أشكاله” تجاه الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال الحربية. وتعد هذه الانتهاكات جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
العنف الجنسي كسلاح حرب
يستخدم العنف الجنسي بشكل ممنهج كأداة لتخويف السكان وتركيعهم وتدمير النسيج الاجتماعي. فالتقارير عن حالات اغتصاب جماعي واعتداء جنسي بحق النساء والفتيات، بل وحتى الرجال والأطفال، تمثل انتهاكاً فادحاً للمادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو الحاطّة من الكرامة.
وقد وثقت تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية حالات عديدة لاستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب في السودان، حيث تستهدف النساء والفتيات في منازلهن أو أثناء محاولاتهن الفرار. وفي بعض الحالات يتم اختطافهن واحتجازهن لفترات طويلة، ويترك هذا العنف آثاراً نفسية وجسدية عميقة على الناجيات، ويؤدي إلى وصمهن اجتماعياً وحرمانهن من فرص التعافي وإعادة الاندماج في مجتمعاتهن.
وتعد هذه الأفعال، وفقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما يستوجب المساءلة وحماية الناجيات وضمان حقوقهن.
التهجير القسري وانهيار الحق في سبل العيش
أدت الحرب إلى واحدة من أسوأ أزمات النزوح في العالم، حيث نزح أكثر من 10 ملايين شخص داخلياً، وفر أكثر من مليوني شخص إلى دول الجوار. وهذا التهجير القسري ينتهك الحق في حرية التنقل والسكن (المادة 13 من الإعلان العالمي)، والحق في الملكية (المادة 17)، والحق في مستوى معيشي لائق (المادة 25).
كما أن تدمير البنية التحتية من مستشفيات ومدارس وأسواق يحرم الناس من أبسط حقوقهم الأساسية، ويجعل الحياة في السودان أقرب إلى جحيم حقيقي.
ويعاني النازحون داخلياً من ظروف معيشية قاسية، حيث يفتقرون إلى المأوى والمياه النظيفة والغذاء والدواء، ويعيشون في مخيمات مكتظة تفتقر إلى أدنى معايير الصحة والسلامة. أما اللاجئون في دول الجوار فيواجهون تحديات تتعلق بالحماية القانونية والخدمات الأساسية، فضلاً عن معاناة الانفصال عن أسرهم وذويهم.
استهداف البنى التحتية المدنية: انتهاك لمبدأ التمييز
يتعمد الأطراف المتحاربة استهداف المستشفيات والعاملين في المجال الطبي، مما يحرم الجرحى والمرضى من الرعاية الصحية الضرورية. كما يتم تدمير محطات المياه والكهرباء، مما يخلق أزمات ثانوية مثل انتشار الأمراض ونقص المياه الصالحة للشرب.
وينتهك ذلك مبدأ التمييز الأساسي في القانون الدولي الإنساني، الذي يفرق بين الأهداف العسكرية والمدنية ويحظر الهجمات العشوائية. فوفقاً للبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، يجب على أطراف النزاع أن تميز في أي وقت بين السكان المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، وأن توجه عملياتها العسكرية ضد الأهداف العسكرية فقط.
ولا يقتصر أثر تدمير هذه المنشآت على الخسائر المباشرة، بل يحرم المدنيين من حقوقهم الأساسية في الصحة والتعليم والمياه والغذاء، ويضاعف معاناتهم في ظل الحرب.
انعدام الوصول الإنساني: عقاب جماعي
تحول الأطراف المتحاربة دون وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، مستخدمة التجويع كسلاح حرب. وهذا يشكل شكلاً من أشكال العقاب الجماعي، وهو محظور بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي (القاعدة 55)، كما يمثل انتهاكاً للحق في الغذاء والرعاية الصحية، ويؤدي إلى وفيات كان يمكن تجنبها لو تم السماح بوصول المساعدات الإنسانية.
وقد حذرت الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية مراراً من أن انعدام الوصول الإنساني في السودان يهدد حياة الملايين، وخاصة الأطفال والنساء وكبار السن.
ووفقاً للقاعدة 55 من القانون الدولي الإنساني العرفي، يجب على أطراف النزاع أن تسمح وتسهل المرور السريع للمساعدات الإنسانية المقدمة للسكان المدنيين المحتاجين، وأن تكفل حرية تنقل العاملين في المجال الإنساني. إن عرقلة وصول المساعدات تمثل انتهاكاً لهذه القاعدة، وتزيد من معاناة السكان المدنيين الذين يعيشون في مناطق النزاع.
المساءلة والعدالة: ثغرات في التطبيق
الإطار القانوني موجود وواضح، ولكن الإشكالية تكمن في آليات المساءلة والتنفيذ. فسيادة ثقافة الإفلات من العقاب تغذي استمرار هذه الانتهاكات وتشجع مرتكبيها على الاستمرار في جرائمهم دون خوف من المحاسبة.
وعلى الرغم من أن هذه الأفعال قد تشكل جرائم تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، خاصة في ظل استمرار إحالة الوضع في دارفور إلى المحكمة منذ 2005، فإن التعقيدات السياسية وضعف الإرادة الدولية يعيقان تحقيق العدالة للناجين.
إن تحقيق العدالة في السودان يتطلب جهداً دولياً متواصلاً ومنسقاً يشمل دعم جهود المحكمة الجنائية الدولية، وإنشاء آليات وطنية للمساءلة، وتوثيق الانتهاكات من قبل المنظمات المحلية والدولية، إلى جانب ضمانات لعدم تكرارها تشمل إصلاح قطاع الأمن والعدالة وبناء مؤسسات ديمقراطية قوية تحترم حقوق الإنسان وسيادة القانون.
المجتمع الدولي: بين العجز والمسؤولية
إن ما يحدث في السودان يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية. فقد أظهرت الجهود الدولية حتى الآن عجزاً واضحاً عن وقف المأساة، حيث اقتصرت في كثير من الأحيان على البيانات والتنديدات، دون إجراءات حازمة وفعالة. كما لم تنجح الوساطات الإقليمية والدولية في التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، أو فتح ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية، أو دفع الأطراف المتحاربة نحو طاولة المفاوضات.
ووفقاً لميثاق الأمم المتحدة، يلتزم المجتمع الدولي بحماية السلم والأمن الدوليين واحترام حقوق الإنسان ومنع الجرائم ضد الإنسانية. كما أن مبدأ المسؤولية عن الحماية يفرض على المجتمع الدولي واجب التدخل لحماية المدنيين من الجرائم الجماعية عندما تفشل الدولة في حمايتهم.
ومن هنا، فإن حماية المدنيين وإنهاء الحرب لا يمكن أن تكون مسؤولية السودانيين وحدهم، بل تتطلب استجابة دولية أكثر فاعلية واتساقاً.
نداء من أجل السلام وإحياء الإنسانية
في اليوم العالمي للسلام، لا يمكن أن تكون دعواتنا للسلام مجرد كلمات تقال. إن إنهاء هذه المأساة يتطلب جهداً جماعياً وعملاً متواصلاً يشمل عدة محاور رئيسية:
ضغط دولي فاعل وحقيقي
يجب أن يمارس المجتمع الدولي ضغطاً فاعلاً وحقيقياً على الأطراف المتحاربة لدفعها إلى وقف إطلاق النار الدائم والدخول في مفاوضات سياسية جادة تضع مصلحة الشعب السوداني فوق كل اعتبار. ويتطلب ذلك فرض عقوبات على الأفراد والكيانات التي تعرقل جهود السلام أو ترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وتشكيل جبهة دولية موحدة تضم الدول الكبرى والمنظمات الإقليمية لمواجهة هذه الأزمة.
دعم غير مشروط للعمل الإنساني
يجب ضمان ممرات آمنة لتوصيل المساعدات الإنسانية إلى جميع المحتاجين دون عوائق، ورفع القيود المفروضة على العمل الإنساني، وتوفير التمويل الكافي للمنظمات الإنسانية العاملة في السودان. كما يجب حماية العاملين في المجال الإنساني من الاستهداف والاعتداء وضمان وصولهم الآمن إلى جميع المناطق المتأثرة بالنزاع.
دعم قوي لآليات المساءلة
يجب دعم جهود توثيق الانتهاكات من قبل المنظمات المحلية والدولية، والضغط من أجل محاكمة مرتكبي جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة أمام القضاء. ويتطلب ذلك تعزيز قدرات المحكمة الجنائية الدولية، وإنشاء آليات وطنية للمساءلة، وضمان مشاركة الضحايا والناجين في عمليات العدالة الانتقالية.
تمكين صوت السودانيين
يجب الاستماع إلى إرادة الشعب السوداني الذي يطمح إلى السلام والحرية والديمقراطية والعدالة، وليس إلى حكم العسكر أو المليشيات. ويتطلب ذلك دعم منظمات المجتمع المدني السودانية، وتمكين النساء والشباب من المشاركة في صنع القرار، وضمان أن أي تسوية سياسية تعكس إرادة الشعب السوداني وتطلعاته في الحرية والعدالة والسلام.
السلام ليس ترفاً بل ضرورة وجودية
في الختام، إن السلام في السودان ليس ترفاً، بل هو ضرورة وجودية؛ إنه الحق في العيش دون خوف، والحق في العلاج، والحق في التعليم، والحق في الحلم بمستقبل أفضل. وفي هذا اليوم العالمي للسلام، يجب أن نوجه دعواتنا إلى العمل من أجل أن تتحول كلمات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من حلم بعيد إلى واقع يعيشه كل سوداني وسودانية.
فالسلام الحقيقي لا يعني فقط غياب الحرب، بل وجود العدالة والكرامة للإنسان. وهو ليس حالة طبيعية تتحقق تلقائياً، بل نتيجة جهد متواصل وعمل دؤوب والتزام صادق بالمبادئ والقيم الإنسانية.
إن السلام في السودان ليس مسؤولية السودانيين وحدهم، بل هو مسؤولية جماعية تقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره. فلنعمل جميعاً من أجل سودان ينعم بالسلام والعدالة والكرامة، ومن أجل عالم يحترم فيه حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في كل مكان وزمان.