أكتوبر الوردي، شهر للحياة
في أكتوبر من كل عام، يتوشّح العالم باللون الوردي، لا احتفاءً بلونٍ عابر، بل تذكيراً بقضية تمسّ حياة آلاف النساء والأسر: سرطان الثدي. يأتي أكتوبر كل عام حاملاً لونه الوردي كصرخة وعي في وجه مرض يتربص بنسائنا، أمهاتنا، أخواتنا، وزميلاتنا. إنه شهر التوعية بسرطان الثدي، المرض الذي يبقى الأكثر انتشاراً بين النساء في السودان والعالم، والذي لا يُهزم إلا بالكلمة الصادقة، والفحص المبكر، وكسر حاجز الصمت، وتوفير المراكز المتخصصة لاستقبال النساء.
في السودان، تأخذ هذه المناسبة منذ اندلاع الحرب معنىً مضاعفاً. فالمرأة السودانية التي حملت على كتفيها أثقال الحرب والنزوح وفقدان المأوى وشظف العيش، وصمدت في وجه انهيار النظام الصحي ونقص الدواء وتوقف مراكز العلاج، هي اليوم أحوج ما تكون لأن نتذكرها، لا بالخُطَب وحدها، بل بالفعل.
لا يُعتبر سرطان الثدي قدراً محتوماً. إذ تشير كل البحوث الطبية إلى أن نسبة الشفاء تتجاوز 90% عند الكشف المبكر. لكن الكشف المبكر في بلادنا يصطدم بجدار من التحديات: أولها الحرب التي تسببت في دمار البنيات التحتية المتخصصة للتعامل مع هذا المرض، أو دفعتها للتوقف عن العمل، وحالت دون وصول النساء إلى ما ظل يعمل منها. ومن ثم تأتي التحديات الاجتماعية المرتبطة بالخوف، والوصمة، والاعتقاد الخاطئ بأن الحديث عن جسد المرأة عيب، ما يجبر كثيراً من النساء على الإحجام عن طلب المساعدة.
إن الكشف المبكر ليس ترفاً ولا شأناً نسائياً خاصاً، بل خطوة بسيطة قد تصنع فارقاً بين العلاج والانتظار، وبين الأمل والفقد. غير أن الوصول إلى الفحص والعلاج ما زال يواجه عقبات عديدة، من بينها بُعد المراكز الصحية، وارتفاع الكلفة، ونقص المعلومات.
من المهم أن تبدأ مساندة المرأة المصابة بالإنصات إليها، واحترام خصوصيتها، والوقوف إلى جانبها في رحلة العلاج. كما أن مسؤولية الدولة والمؤسسات الصحية والمجتمع المدني والقطاع الخاص متكاملة في بناء منظومة تضمن التشخيص المبكر والعلاج الكريم، ولا تترك المريضة وحيدة أمام المرض أو التكلفة أو الخوف.
من هنا، فإن معركتنا في أكتوبر الوردي ليست طبية فقط، بل هي معركة سياسية لإيقاف الحرب، ومعركة وعي وثقافة وتضامن. ورغم ظروف الحرب، يجب ألّا يمر شهر أكتوبر الوردي كمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي. نحتاج إلى أن نعمل جميعاً، خصوصاً منظمات المجتمع المدني، من أجل توفير عيادات متنقلة تصل إلى النساء في كل مكان، بما في ذلك معسكرات النزوح واللجوء، وأيام كشف مجاني في المستشفيات الطرفية وفي مراكز تجمعات السودانيين خارج البلاد، والضغط على السلطات الصحية لتقوم بتوفير جرعات العلاج الكيماوي والهرموني.
ونقولها وبصوت عالٍ لكل امرأة سودانية: افحصي ولا تترددي. الفحص الذاتي الشهري، والفحص السريري السنوي، وصورة الماموغرام بعد سن الأربعين، ليست رفاهية، بل هي حقك في الحياة.
ولكل رجل سوداني، كن شريكاً في الوعي لا حارساً للصمت. شجّع زوجتك، أختك، وابنتك على الفحص، ورافقها إلى الطبيب، فالدعم النفسي نصف العلاج.
أما الإعلام، فنطالبه بكسر حائط الصمت الذي يحيط بهذا المرض. لنستضِفْ الناجيات ليروين قصصهن، لا كحالات شفقة، بل كبطلات انتصرن. قصة كل ناجية هي وردة أمل تُزرع في قلب ألف امرأة خائفة.
أكتوبر الوردي ليس شهراً للون، بل شهر للحياة. ولنجعل من اللون الوردي وعداً سودانياً متجدداً بأن تكون صحة المرأة أولوية، وأن يظل الأمل أقوى من المرض.
لا للحرب.