(1)
عندما يبدأ الجيش التآكل
منذ اندلاع حرب أبريل 2023، شاع توصيف الصراع السوداني باعتباره حربًا بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. لكن استمرار الحرب واتساعها الجغرافي غيّرا هذه الطبيعة بصورة جوهرية. ففي دراسة حديثة أعدها “مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية” ونشرها بتاريخ 7 يوليو الماضي تحت عنوان: (Mapping the Armed Actors in the Sudan Conflict)، قدّر وجود نحو 150 جماعة ومليشيا مسلحة نشطة في الصراع، تشمل قوات عسكرية وشبه عسكرية، ومليشيات قبلية، وكتائب إسلامية، وجماعات دفاع مجتمعي، وعصابات إجرامية، ومقاتلين ومرتزقة أجانب، تختلف بشدة في دوافعها وقياداتها وبنيتها التنظيمية ومستوى تدريبها. ووصفت الجيش والدعم السريع بأنهما أصبحا مركزين لـ”ائتلافات متحركة” من القوى المسلحة أكثر من كونهما طرفي الحرب.
بكل تأكيد، للجيش السوداني ميزات داخل هذه المنظومة، على رأس ذلك؛ المؤسسة، والقيادة، والطيران، والبنية العسكرية التاريخية، وموارد الدولة. هذه الميزات تعمل الآن داخل حرب شديدة الاتساع والتعقيد. وكلما اتسعت رقعة القتال، زادت حاجته إلى الحلفاء، وكلما زاد عدد هؤلاء، ارتفعت كلفة القيادة والتنسيق. وكلما تقدمت القوات، اتسعت الأرض التي ينبغي تأمينها، وكلما طال خط الإمداد، ازدادت القوات المطلوبة لحمايته.
وهكذا تتولد معادلة التآكل الميداني للجيش؛ جبهات أكثر، مسافات أطول، قوات أكثر تنوعًا، سلاسل قيادة متعددة، خطوط إمداد أطول. والمحصلة النهائية قدرة أقل على تركيز القوة في المكان والوقت الحاسمين.
السؤال الاستراتيجي الحاسم اليوم ليس: كم عدد المقاتلين الذين يستطيع معسكر الجيش حشدهم؟ بل: كم منهم تستطيع ياسر العطا تحريكه، كقوة واحدة في الوقت نفسه، إلى الجبهة التي يختارها لا الجبهة التي يفرضها الدعم السريع، مع إبقائهم وإمدادهم هناك من دون إضعاف بقية الجبهات؟.
إذا تمكن الجيش من الاحتفاظ بتلك القدرة، فإن تعدد الحلفاء يظل مضاعفًا للقوة، أما إذا أجبرته جبهات كردفان ودارفور والنيل الأزرق وحماية العمق على توزيع قواته واحتياطياته باستمرار، بينما تظل مكونات التحالف محتفظة بعقائدها وقياداتها ومصالحها الخاصة، فالنتيجة، حتمًا، ليس انهيارًا عسكريًا سريعًا، وإنما شيء أبطأ وأكثر تعقيدًا؛ جيش قادر على القتال والانتصار في معارك منفردة، لكنه فاقد، للقدرة على تحويل تلك الانتصارات إلى حسم استراتيجي شامل.
وهذا هو التآكل. وهذا ما نشهده اليوم.

(2)
حين تصبح البندقية أقوى من الدولة ومصدرًا للسلطة
“عصر البطولة في سنار” للمؤرخ الأمريكي جاي إسبولدينق ليس مجرد دراسة لمرحلة تاريخية انتهت بانهيار سلطنة الفونج وفتحت باب البلاد في عام 1820م، للمرة الأولى أمام الغزو والاحتلال الأجنبي؛ بل أن كتاب (The Heroic Age in Sinnar) يقدم مفهومًا يمكن قراءته كحالة سياسية عامة تقول؛ إنه حين تضعف المؤسسة، يقوى الفرد، وتتراجع الدولة، وتتسلح الجماعة، وتصبح البندقية مصدرًا للسلطة، وعندما تُحكم الدولة بمنطق القوة والسلاح بدل القانون والمؤسسات، تصبح البندقية أقوى من المؤسسة، ويصبح حامل السلاح أقدر على فرض إرادته من صاحب الشرعية القانونية.
هذا الانهيار لا يظهر في السياسة وحدها، بل في تفاصيل الحياة اليومية للمدنيين؛ في أمٍّ لا تعرف كيف تؤمّن وجبة لأطفالها، وأبٍ يبحث عن دواء أو ماء، وطفلٍ ينقطع عن مدرسته، وأسرةٍ تفكر كل صباح في كيفية عبور الطريق بأمان، وبيتٍ لا تعرف أسرته إن كانت ستقضي ليلتها فيه أم ستضطر إلى النزوح. لذلك فإن وقف الحرب هو الأولوية؛ لأن استمرارها لا يعني فقط استمرار القتال، بل استمرار تفكك الدولة وتحويل الحياة اليومية للمدنيين إلى معركة من أجل البقاء. ولا يمكن إعادة بناء الدولة ما دامت البندقية هي مصدر السلطة.
وعنوان الكتاب قد يكون مضللًا إذا فُهم بمعنى تمجيد البطولة العسكرية. إسبولدينق يستخدمه للإشارة إلى مرحلة انتقالية يتراجع فيها النظام المؤسسي القديم ويبرز الأفراد المحاربون والزعماء وأمراء الحرب (1750–1850). وهو يقارنها، من الناحية المفهومية، بصورة “العصر البطولي” السابق لظهور الإسلام في الجزيرة العربية. والمقصود ليس «البطولة» بالمعنى الأخلاقي الحديث، وإنما هو مفهوم أنثروبولوجي لوصف مجتمع تكون فيه المكانة والشرف والسلطة مرتبطة بدرجة كبيرة بالشجاعة القتالية، وامتلاك السلاح، وحماية الجماعة، والغزو، والنهب، والثأر، والكرم، والنسب والسمعة الشخصية، مع غياب تام للقانون والأخلاق
وخلاصة الأطروحة أن سنار لم تسقط فجأة بسبب الغزو الخارجي؛ بل سبق الغزوَ تفككٌ طويل للنظام الاجتماعي والسياسي الذي كانت تقوم عليه الدولة، وصعود قوى اقتصادية ودينية ومحلية وعسكرية لم تعد السلطة المركزية قادرة على إخضاعها.
أليس هذا ما يجري اليوم في السودان، “وَقَع الحَافِرُ عَلَى الحَافِرِ”؟.
