مجلس حقوق الإنسان يدعو إلى عملية سياسية سودانية شاملة بمشاركة القوى المدنية والنساء والشباب، تفضي إلى انتقال مدني وحكومة منتخبة
جنيف: (ديسمبر)
مدّد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الاثنين الماضي، ولاية البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان لعام إضافي، في خطوة تهدف إلى ضمان استمرار التحقيق الدولي في الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب وجمع الأدلة وحفظها وتحديد المسؤولين المحتملين عنها، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية وتتزايد الدعوات الإقليمية والدولية لمحاسبة أطراف النزاع والجهات الداعمة لها.
واعتمد المجلس القرار بأغلبية 28 دولة مقابل 10 دول، مع امتناع 9 دول عن التصويت، في نتيجة أظهرت اتساع التأييد لاستمرار البعثة مقارنة بعام 2025، عندما أيد التمديد 24 عضواً مقابل 11، وامتنع 12 عضواً.
وصوتت ضد القرار مصر وبوروندي والصين وكوبا وإندونيسيا والعراق والكويت وباكستان وقطر وفيتنام، بينما امتنعت أنغولا وبنين وساحل العاج وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وغانا والهند وكينيا وتايلاند. وفي المقابل، أيدته دول أفريقية من بينها جنوب أفريقيا وغامبيا وملاوي وموريشيوس، إلى جانب غالبية الدول الأوروبية وعدد من دول أمريكا اللاتينية وآسيا والمحيط الهادئ.
ويرفض السودان التعامل مع البعثة بحجة وجود آليات أخرى للأمم المتحدة تعمل في مجال حقوق الإنسان، كما امتنع عن منح أعضائها تأشيرات دخول لزيارة البلاد.
وجاء القرار A/HRC/63/L.26، الذي قدمته المملكة المتحدة وألمانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج، تحت عنوان “الاستجابة لأزمة حقوق الإنسان والأزمة الإنسانية الناجمتين عن النزاع المسلح المستمر في السودان”. ويجدد القرار المطالبة بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ويحث الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي على الإسراع في بحث خيارات عملية لتعزيز حماية المدنيين في السودان.
وأدان القرار الانتهاكات المنسوبة إلى القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والقوات والمجموعات المتحالفة معهما، بما يشمل الهجمات العشوائية على المدنيين، والقصف الجوي وضربات الطائرات المسيرة، والقتل خارج نطاق القضاء، والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب والعنف الجنسي وتجنيد الأطفال وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
ويوضح القرار الاستنتاجات التي خلصت إليها البعثة بوجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وأن بعض الأفعال التي وثقتها قد ترقى إلى جرائم حرب.
أزمة إنسانية متفاقمة
وأشار القرار إلى أن أكثر من 33 مليون شخص في السودان بحاجة إلى مساعدات إنسانية، فيما يبلغ عدد النازحين 11.3 مليون شخص، ويقدر عدد اللاجئين في الدول المجاورة بنحو 4.6 ملايين. وأعرب المجلس عن القلق إزاء تقارير التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، التي تفيد بأن 19.5 مليون شخص، أي نحو 41% من السكان، يعانون مستويات شديدة من انعدام الأمن الغذائي الحاد في المرحلة الثالثة أو أعلى، مع احتمال حدوث مجاعة في 14 منطقة في شمال وجنوب دارفور وجنوب كردفان، واحتمال امتداد هذه الظروف إلى مناطق أخرى. وحذر القرار من احتمال استخدام التجويع وسيلة من وسائل الحرب، وأدان انتهاكات القانون الدولي الإنساني وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها جميع الأطراف.
دعوة إلى وقف القتال والانتقال السياسي
وأكد المجلس مجدداً أنه “لا يوجد حل عسكري للأزمة السودانية”، ودعا إلى وقف فوري وكامل لإطلاق النار دون شروط مسبقة، وإلى عملية سياسية سودانية شاملة بمشاركة القوى المدنية والنساء والشباب، تفضي إلى انتقال مدني وحكومة منتخبة تحفظ وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها.
وحث القرار جميع الأطراف والدول على احترام وحدة السودان وسلامة أراضيه، ورفض إقامة سلطة حاكمة موازية في المناطق التي تسيطر عليها “قوات الدعم السريع”.
الدعم الخارجي تحت المجهر
ومن أبرز جوانب القرار تركيزه على الدور الخارجي في استمرار الحرب، إذ أدان أشكال التدخل التي تشمل توريد الأسلحة والمعدات العسكرية، ونشر عناصر أجنبية تشارك في العمليات أو تدعمها، واستخدام المرتزقة وشبكات التمويل غير المشروع وتوفير التدريب والدعم اللوجستي وتقنيات الطائرات المسيّرة. ودعا القرار الدول والجهات الخارجية إلى وقف الدعم العسكري والمادي لأطراف الحرب، في وقت باتت فيه شبكات التسليح والتمويل والدعم الخارجي جزءاً متزايد الأهمية من النقاش الدولي بشأن أسباب استمرار النزاع.
وقال السفير البريطاني كومار آير، متحدثاً باسم الدول الخمس المقدمة للقرار، إن التقرير الأخير لبعثة تقصي الحقائق يرسم “صورة مدمرة”، في ظل نزوح الملايين واستمرار تعرض المدنيين للعنف. وأشار إلى أن استخدام القوات المسلحة وقوات الدعم السريع للطائرات المسيرة وسّع النطاق الجغرافي للأعمال العدائية، فيما طالت الهجمات مستشفيات وأسواقاً ومنشآت مدنية. وأكدت المجموعة المقدمة للقرار أن “هذا المجلس لا يمكنه أن يغض الطرف” عما يجري في السودان، مشددة على ضرورة مواصلة العمل من أجل المساءلة.
سياق البعثة ومهامها- ماذا يعني التمديد عملياً؟
أنشأ مجلس حقوق الإنسان بعثة تقصي الحقائق في أكتوبر 2023، ومنحها ولاية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والجرائم ذات الصلة، وتحديد الوقائع والظروف والأسباب الجذرية لها، وجمع الأدلة وتحليلها وحفظها وتحديد الأفراد والكيانات الذين قد يكونون مسؤولين عنها حيثما أمكن. وبناءً عليه، فإن النتيجة المباشرة لتصويت يوم الاثنين هي منح البعثة عاماً إضافياً لمواصلة هذه المهمة، بما يشمل توثيق الانتهاكات الجديدة والتواصل مع الضحايا والشهود ومنظمات المجتمع المدني وتحديث المعلومات المتعلقة بأنماط الانتهاكات والمسؤولين المحتملين عنها. كما يضمن التمديد استمرار عرض نتائج تحقيقات البعثة أمام مجلس حقوق الإنسان ومناقشتها دولياً، بما يبقي ملف الانتهاكات والمساءلة في السودان تحت الرقابة الدولية.
ويكتسب هذا التمديد أهمية مع تغير السيطرة على المناطق ونزوح السكان ومقتل أو انتقال الشهود وتضرر مواقع الانتهاكات، وهي عوامل قد تجعل استعادة الأدلة أو التحقق منها أكثر صعوبة مع مرور الوقت. ولهذا، فإن الأثر العملي للقرار يتمثل في منع انقطاع عملية التحقيق والتوثيق المستقل أثناء استمرار الحرب، والحفاظ على سجل يمكن الاستناد إليه في مسارات العدالة والمساءلة مستقبلاً.
ويُذكر أن البعثة لا تمثل محكمة، ولا تملك إصدار أحكام جنائية أو أوامر اعتقال أو فرض عقوبات، كما لا تتحول الأدلة التي تجمعها تلقائياً إلى قضايا جنائية. لكن حفظ هذه الأدلة وتحديد المسؤولين المحتملين يمكن أن يكتسب أهمية أمام آليات قضائية أو تحقيقية مختصة مستقبلاً.
مسارات متوازية للمساءلة
ويأتي التمديد ضمن منظومة أوسع من آليات المساءلة المتعلقة بالسودان. فإلى جانب البعثة الأممية، تواصل المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاتها في الجرائم الواقعة ضمن اختصاصها في دارفور، فيما تعمل آليات أفريقية على توثيق الانتهاكات. وكانت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب قد مددت في مايو 2026 ولاية بعثتها المشتركة لتقصي الحقائق بشأن السودان لعام إضافي.
ويؤكد القرار بذلك استمرار مسار المساءلة بالتوازي مع الجهود السياسية والإنسانية لإنهاء الحرب. كما يحافظ بالنسبة إلى الضحايا على قناة دولية مستقلة لتوثيق ما تعرضوا له وحفظ الأدلة المتعلقة بالانتهاكات.
ولا يضمن تمديد البعثة وحده إجراء محاكمات أو تحقيق العدالة، لكنه يضمن لعام آخر ألا يؤدي استمرار الحرب أو تغير موازينها أو مرور الوقت إلى إغلاق ملف الانتهاكات أو ضياع الأدلة، ويبقي مسألة من ارتكب الانتهاكات ومن يتحمل المسؤولية عنها جزءاً من النقاش الدولي بشأن مستقبل السودان.