أماني أبو سليم
انظر إلى هذا الاسم الغريب: إدسون أرانتس دو ناسيمنتو.
أنت تعرفه جيدًا. نعم، إنه بيليه، لاعب الكرة الأشهر.
هل تعرف روليهلاهلا؟
هل خطر ببالك أنه نيلسون مانديلا؟
وإذا سُئلت عن صاحب أغنية «جوهر صدر المحافل» أو «اذكري أيام صفانا»، فهل ستقول: عبد الكريم عبد الله مختار، أم ستقول كرومة؟.
ما الذي يجعل اسمًا ما يتصدر تعريف الشخص، بينما يتراجع الاسم الذي وُلد به إلى الأوراق الرسمية؟ ولماذا يصبح لقب صغير، أطلقه أهل أو أصدقاء، أكثر التصاقًا بصاحبه من الاسم الذي اختاره له والداه؟.
كرومة، مثلًا، هو الاسم الذي بقي في ذاكرة الناس، حتى صار عبد الكريم عبد الله مختار غير معروف تقريبًا. ويقال إن «كرومة» لقب أطلقته عليه أمه، وتوجد رواية تربطه باسم اللورد كرومر، والأهم في قصة اللقب أنه غلب الاسم الرسمي وبقي هو الاسم الذي عرفه الناس به.
ربما نحن لا نملك أسماء كثيرة فقط، وإنما يملك كل اسم نسخة منا.
هناك الاسم الذي أعطاه لنا أهلنا، فيعرفنا به البيت الأول، وتعرفنا به طفولتنا.
وهناك الاسم الذي أعطته لنا المدرسة، أو الأصدقاء، أو رفاق الحي. اسم قد يكون غريبًا، أو مضحكًا، أو لا نعرف اليوم لماذا التصق بنا أصلًا، لكنه بقي حيًا عند أشخاص بعينهم.
وهناك اسم العائلة الذي يظهر في المناسبات الرسمية، ولقب العمل الذي يجعلنا أكثر جدية وترتيبًا: الأستاذ، الدكتور، المدير، أو الاسم الذي تراه مكتوبًا على بطاقة العمل وفي الرسائل.
ثم هناك أسماء لا يعرفها الجميع.
اسم قد يناديك به شخص واحد، وربما لا تسمعه لسنوات. وحين ينطقه فجأة، تشعر أن شيئًا في داخلك قد التفت.
ليس لأن الاسم مميز، وإنما لأنه يعرفك من زمن آخر، فيحرّك ذلك الزمن مكانًا خاصًا بداخلك.
ولهذا قد تكون بعض الأسماء شفرات للذاكرة. يكفي أن ينطقها شخص ما حتى تفتح وراءها غرف كاملة من حياتنا.
شخص لم يلتقِ بنا في صورتنا الحالية، أو ربما التقى بنا قبل أن نصبح ما نحن عليه الآن. ينادينا باسم قديم، فنضحك أحيانًا، أو نشعر بشيء من الارتباك، كأن صوتًا ما فتح بابًا لم نعد ندخله كثيرًا.
والغريب أن الشخص الذي يستخدم الاسم القديم قد لا يعرف أننا تغيرنا. هو لا يقصد أن يعيدنا إلى الماضي، لكنه ما زال يرانا من المكان الذي عرفنا فيه أول مرة.
فأي الأسماء تكون هي الشخص في الحقيقة؟
الاسم الرسمي الذي تحمله أوراقه؟ أم الاسم الذي يناديه به أهله؟ أم اللقب الذي اختاره له أصدقاؤه؟ أم الاسم الذي اختاره هو لنفسه حين أراد أن يبدأ مرحلة جديدة؟.
ربما لا يوجد اسم واحد يختصرنا. نحن نكبر، وتبقى وراءنا أسماء صغيرة، كل واحد منها يعرّف جزءًا منا. بعضها يخص طفلًا لم يعد موجودًا إلا في الذاكرة، وبعضها يخص صديقًا قديمًا، وبعضها يخص مرحلة لا تشبه حياتنا الآن.
وربما لهذا يكون الاسم القديم أحيانًا أكثر حميمية من الاسم الذي نحمله اليوم. فهو لا يعرفنا كما أصبحنا، وإنما كما كنا.
الغريب أن الاسم نفسه يمكن أن يجعلنا أشخاصًا مختلفين قليلًا.
قد نكون في العمل شخصًا، وفي البيت شخصًا آخر، ومع أصدقاء الطفولة نعود إلى نسخة قديمة منا لم نكن نعرف أننا ما زلنا نحتفظ بها.
ولعل أجمل الأسماء هي تلك التي لا يستخدمها أحد تقريبًا، إلا شخص واحد.
ذلك الشخص الذي ما زال يعرف اسمنا القديم، وربما يعرف معه شيئًا من الشخص الذي كنا عليه.
فحين ينادينا أحدهم بذلك الاسم الذي لم يعد أحد يستخدمه، قد لا يكون السؤال: لماذا ما زلت تتذكره؟ ربما السؤال الأجمل: من الذي استجاب في داخلنا؟ نحن الآن، أم النسخة التي كان يعرفها؟.
الإنسان لا يتخلص تمامًا من نسخه القديمة. بعضها يبتعد، وبعضها يختبئ، وبعضها يظل في مكان ما داخلنا، ينتظر كلمة واحدة كي يظهر.
هل تعرف داتش؟ إنه اسم البيت للرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان. وهل تعرف أن الملكة إليزابيث الثانية، وهي في عمر الرابعة والسبعين، وقّعت خطابًا لوالدتها باسم ليليبيت، وهو اسم تدليلها بالبيت.
ربما لهذا نشعر أحيانًا بالدفء حين ينادينا شخص باسمنا القديم.
فهو لا ينادينا فقط.. إنه يعرف النسخة التي كُنّاها.