صفاء الزين
هذه المقالة هي الأولى في سلسلة أكتب فيها عن تجربة رواندا، لا بوصفها رحلة عابرة أو زيارة إلى بلد تجاوز واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في أفريقيا، وإنما باعتبارها تجربة سياسية ومجتمعية تفتح أسئلة عميقة حول ما يحدث للدولة والمجتمع بعد الحرب.
من كيغالي بدأت رحلتي في برنامج للتبادل والتعلم وبناء الخبرات في قضايا السلام وبناء الدولة والمشاركة العامة للنساء، وهناك انتقلت الأسئلة من قاعات التدريب إلى المؤسسات والمواقع والمراكز التي شكّلت جزءاً من التجربة الرواندية في مواجهة آثار الإبادة وإعادة بناء الدولة والمجتمع.
كان الانتقال بين هذه المواقع جزءاً من التعلم نفسه، لأن فهم تجارب السلام وبناء الدولة يحتاج إلى الاقتراب من المؤسسات، والاستماع إلى أصحاب التجربة ومقارنة السياسات بما أنتجته على أرض الواقع، ومن هنا جاءت هذه السلسلة محاولة لقراءة رواندا بعيون سودانية.
كيف يعالج مجتمع آثار الحرب؟ وكيف تبنى العدالة بعد الانهيار؟ وكيف تُحفظ ذاكرة الضحايا؟ وكيف تستعاد الثقة؟ وكيف تتحول مشاركة النساء، من حضور في المشهد، إلى تأثير حقيقي في صناعة الدولة والسلام؟.
منذ اللحظة الأولى في كيغالي شعرت أن السؤال الأكبر يتجاوز صورة المدينة الهادئة والمنظمة. كيف استطاعت دولة، خرجت من إبادة جماعية عام 1994، أن تعيد بناء مؤسساتها ومجتمعها، وأن تجعل من الذاكرة جزءاً من التعليم، ومن العدالة جزءاً من معالجة الماضي، ومن مشاركة النساء عنصراً واضحاً في الحياة العامة؟.
زيارة النصب التذكاري للإبادة الجماعية في كيغالي كانت واحدة من أكثر محطات الدراسة تأثيراً. فالمكان لا يؤدي وظيفة تخليد الضحايا فقط، وإنما يجمع بين الذاكرة والتعليم والتوثيق والوقاية من تكرار الجرائم الجماعية، ويعرض تاريخ الإبادة ويحفظ شهادات ووثائق مرتبطة بالضحايا والناجين ويقدم مساحة للتعلم.
أمام الذاكرة الرواندية أدركت أن معالجة آثار الحرب تبدأ من الاعتراف بحجم الجريمة، وبحق الضحايا في الكرامة والمعرفة. فالمجتمع الذي يوثق ماضيه يمتلك فرصة أكبر لبناء معرفة عامة تستند إلى الوقائع والشهادات، بينما يؤدي تجاهل الماضي إلى ترك المجال أمام روايات متصارعة واستغلال سياسي للذاكرة. ولهذا تبدو تجربة رواندا مهمة في التعامل مع الذاكرة باعتبارها جزءاً من بناء الوعي العام وربطها بالتعليم ومنع تكرار العنف.
ثم يأتي السؤال الأصعب: ماذا يحدث عندما يكون عدد المتهمين بالجرائم ضخماً؟ وتكون مؤسسات العدالة نفسها قد تعرضت لانهيار واسع؟. هنا تظهر تجربة المحاكم المجتمعية المعروفة باسم “غاكاكا”.
واجهت رواندا عدداً هائلاً من قضايا الإبادة، فاعتمدت آلية قضائية تشاركية على المستوى المحلي شارك فيها أفراد من المجتمعات المحلية في الفصل في القضايا، بهدف التعامل مع العدد الكبير من الملفات، وإتاحة مساحة لسماع شهادات الضحايا، ومعرفة مصير المفقودين، وإتاحة الاعتراف بالجرائم، وطلب الصفح والمساهمة في المصالحة.
تعاملت محاكم “غاكاكا” مع أكثر من مليون قضية، وأصبحت واحدة من أبرز تجارب العدالة المجتمعية بعد النزاعات الجماعية. جاءت أهميتها من قدرتها على نقل جزء من عملية العدالة إلى مستوى المجتمع نفسه، حيث يعيش الضحايا والمتهمون والشهود.
لكن تجربة “غاكاكا” تحتاج إلى قراءة نقدية أيضاً. فقد واجهت تحديات مرتبطة بضمانات المحاكمة العادلة والضغط الاجتماعي واحتمالات الخطأ في الشهادات، وتفاوت قدرة المجتمعات على إدارة القضايا بصورة متساوية. وهذه نقطة مهمة في دراسة تجارب الدول الخارجة من النزاعات، فالاستفادة الحقيقية تأتي من فهم الإنجازات والقيود معاً، وليس من نقل التجربة كما هي.
ومن هنا يتضح معنى أوسع للعدالة في مرحلة ما بعد النزاعات. فالعدالة ترتبط بالحقيقة والاعتراف وجبر الضرر واستعادة الكرامة، وإعادة بناء الثقة داخل المجتمع الضحية تحتاج إلى معرفة ما حدث، والأسرة تحتاج إلى معرفة مصير أفرادها، والمجتمع يحتاج إلى فهم أسباب العنف، والدولة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على منع تكراره.
هذه المستويات تجعل العدالة جزءاً من إعادة بناء الدولة نفسها، وتضعها في قلب عملية السلام بدل حصرها في المحاكم. وتكشف التجربة أهمية الجمع بين العدالة الوطنية والعدالة المحلية. فالدولة احتاجت إلى مؤسسات قضائية للجرائم الكبرى، وفي الوقت نفسه احتاجت إلى آلية تصل إلى المجتمعات المحلية.
هذا التعدد في مستويات العدالة يقدم درساً مهماً للسودان، حيث يمكن التفكير في منظومة وطنية متعددة المسارات تجمع بين القضاء والتوثيق والاستماع إلى الضحايا والعدالة المجتمعية، مع حماية الحقوق وضمان استقلال المؤسسات.
في رواندا برز أيضاً مسار مؤسسي للمصالحة والوحدة الوطنية ارتبط ببرامج للحوار والتثقيف وبناء القيادة ومعالجة آثار الانقسام. والفكرة الأساسية هنا أن المصالحة تحتاج إلى عمل طويل داخل المجتمع يبدأ من الاعتراف بالماضي، ويمتد إلى إعادة بناء العلاقات الاجتماعية والثقة بالمؤسسات.
السلام يحتاج إلى أدوات تعمل بعد توقف القتال. فالاتفاق السياسي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، بينما تحتاج المجتمعات إلى سنوات حتى تستعيد قدرتها على التعايش وإدارة الاختلاف. والمصالحة في هذا السياق ليست مجرد مصافحة أو تسوية سياسية، وإنما عملية لإعادة بناء العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة، وبناء مساحة تسمح للضحايا بالحديث وللمجتمعات بمواجهة تاريخها.
ومن أهم الدروس التي توقفت عندها تجربة النساء في الحياة العامة. فقد وضعت رواندا في دستورها حداً أدنى يبلغ 30% لمشاركة النساء في مواقع صنع القرار، ثم تجاوزت المشاركة الفعلية هذا الحد بفارق كبير، وأصبحت رواندا من أكثر الدول عالمياً في نسبة النساء داخل البرلمان، وهذه النتيجة ارتبطت بإطار دستوري وتشريعي وسياسات عامة.
هذه التجربة تفتح سؤالاً مهماً بالنسبة للسودان. فالمشاركة السياسية للنساء تحتاج إلى قواعد واضحة تضمن الوصول إلى مواقع القرار، وإلى بيئة مؤسسية تسمح باستمرار هذا الحضور. ووجود النساء في مؤسسات الدولة يحمل قيمة أكبر عندما يرتبط بالقدرة على التأثير في التشريع والسياسات وقرارات السلام.
كما أن حضور النساء في مؤسسات الدولة الرواندية يرتبط بسياق أوسع شاركت فيه النساء في إعادة بناء المجتمع بعد الإبادة، فتحملن مسؤوليات أسرية واقتصادية ومجتمعية كبيرة، ثم انتقل جزء من هذا الدور إلى المجال العام والسياسي، وهنا يظهر ارتباط المشاركة السياسية بإعادة بناء المجتمع.
لكن المشاركة السياسية لا يمكن اختزالها في الأرقام وحدها، فهي تتقاطع مع الاستقلال الاقتصادي والحماية من العنف والتعليم والعمل والخدمات والقدرة على التأثير في القرار، ولذلك فإن الدرس الأهم هو بناء بيئة مؤسسية تجعل مشاركة النساء مساراً مستمراً لا حضوراً رمزياً في المناسبات السياسية.
ما شدني في التجربة الرواندية أيضاً هو العلاقة بين بناء الدولة وبناء المجتمع. فإعادة بناء المؤسسات احتاجت إلى إصلاح الإدارة والعدالة والأمن والخدمات، وفي الوقت نفسه احتاجت إلى معالجة آثار الانقسام داخل المجتمع. والدولة التي تعمل بكفاءة تحتاج إلى مواطن يثق بقدرة مؤسساتها على الحماية والخدمة، والمجتمع الذي خرج من العنف يحتاج إلى مؤسسات تمنحه إطاراً قانونياً وسياسياً جديداً للعلاقة مع الدولة.
وهنا تظهر أهمية الإدارة المحلية. فإعادة بناء الدولة لا تبدأ من العاصمة وحدها، فالمواطن يختبر الدولة في المدرسة والمركز الصحي ومركز الشرطة والإدارة المحلية والخدمات اليومية، وكلما وصلت مؤسسات الدولة إلى المجتمعات بصورة عادلة ومنظمة أصبحت الدولة حاضرة في حياة الناس بمعناها العملي، وتحولت فكرة المواطنة من مفهوم قانوني إلى تجربة يومية.
هذه المسألة ذات أهمية خاصة للسودان، حيث ارتبطت أزمات الدولة تاريخياً بالفجوة بين المركز والأقاليم وضعف الخدمات والمؤسسات في مناطق واسعة. لذلك تضع التجربة الرواندية أمامنا مفهوماً أوسع للسلام؛ السلام عملية طويلة تشمل العدالة والذاكرة والتعليم والمؤسسات والمشاركة السياسية والتنمية والمصالحة المحلية.
وقف إطلاق النار يمثل بداية لمسار سياسي واجتماعي أكبر، بينما استدامة السلام ترتبط بقدرة الدولة والمجتمع على معالجة الأسباب التي صنعت العنف وبناء قواعد جديدة لإدارة الاختلاف. ولهذا فإن الحديث عن السلام بعد الحرب يجب ألا يتوقف عند الاتفاقات السياسية، وإنما يمتد إلى شكل الدولة وعلاقة المواطن بها وقدرتها على حماية الحقوق وتقديم الخدمات.
ومن هنا بدأت أطرح التجربة الرواندية على السودان بصورة مختلفة: كيف يمكن بناء آليات وطنية للعدالة تراعي حجم الانتهاكات؟ وكيف يمكن توثيق الجرائم وحفظ ذاكرة الضحايا؟ وكيف يمكن تحويل المصالحة من خطاب سياسي إلى عمل اجتماعي ومؤسسي؟ وكيف يمكن إشراك النساء في صناعة السلام وصنع القرار بصورة مؤثرة؟ وكيف يمكن بناء مؤسسات دولة تستعيد ثقة المجتمع؟.
هناك درس آخر مهم وهو أن كل تجربة وطنية تحتاج إلى أدوات تنطلق من تاريخها وتركيبتها الاجتماعية والسياسية. رواندا تحمل خصوصيتها، والسودان يحمل خصوصيته، لذلك فإن القيمة الحقيقية للتجربة الرواندية تكمن في طريقة التفكير التي تقدمها، وفي الأسئلة التي تفتحها أمامنا حول العدالة والذاكرة والمؤسسات والمشاركة السياسية.
الاقتباس الواعي للتجارب يبدأ بفهمها ثم تحديد ما يتناسب مع البيئة الوطنية، ثم تطوير آليات سودانية تستجيب لحاجات المجتمع. فليس المطلوب أن يصبح السودان رواندا، وإنما أن ننظر إلى ما فعلته رواندا، ونسأل: ما الذي يمكن أن نتعلمه؟ وما الذي لا يناسب سياقنا؟ وما الذي يحتاج إلى صياغة مختلفة؟.
خرجت من كيغالي وأنا أحمل أسئلة أكثر، لكنني أحمل معها معرفة أوسع بطبيعة العمل الذي تحتاجه المجتمعات الخارجة من الحروب. فهمت أن السلام يحتاج إلى مؤسسات، وأن العدالة تحتاج إلى معرفة الحقيقة، وأن الذاكرة تحتاج إلى إدارة واعية، وأن مشاركة النساء تحتاج إلى قوانين وسياسات ومساحات فعلية لصنع القرار، وأن بناء الدولة يبدأ من العلاقة بين المواطن والمؤسسة.
ولهذا ستكون العودة إلى تاريخ رواندا ضرورية قبل الحديث عن نتائج تجربتها. ففهم ما حدث بعد عام 1994 يحتاج أولاً إلى معرفة الطريق الذي قاد إلى تلك الكارثة، وكيف تشكلت الانقسامات السياسية والاجتماعية؟ وكيف تحولت الهوية إلى أداة للصراع؟.
قبل أن نسأل كيف أعادت رواندا بناء نفسها، علينا أن نفهم كيف وصلت إلى الانهيار؟. ومن هنا بدأت الأسئلة، ومن هنا بدأت أيضاً المقارنة مع السودان؛ من جذور الأزمة إلى شكل الدولة، إلى علاقة المركز بالأقاليم إلى العدالة إلى المصالحة إلى دور النساء، وإلى السؤال الأكبر الذي يرافق هذه التجربة كلها:
كيف يستطيع مجتمع خرج من الحرب أن يبني دولة تمنع عودة الحرب؟.