بقلم: وليد عنبوور
الدوائر المشتعلة من باب المندب إلى الخرطوم
تمر منطقة الخليج والقرن الأفريقي بصياغة قسرية لإحداثيات الأمن والسلطة، حيث تتشابك تحالفات السواحل واستراتيجيات الممرات البحرية لفرض واقع لوجستي تتوارى خلفه الشعارات الآيديولوجية لصالح حسابات الأمن القومي. فهذا الفضاء، الممتد من عواصم الخليج إلى الهضبة الإثيوبية وشواطئ البحر الأحمر، يشهد تحركات لإعادة تشكيل بيئة الأمن والردع في ظل خناق أمني تفرضه سيطرة الحوثيين على باب المندب، مما يهدد شرايين تصدير النفط والأمن السعودي.
يتزامن ذلك مع اندفاع القاهرة لإعادة فرض عقيدة وصائية موروثة، تمتد جذورها إلى الحقبة الاستعمارية لحماية مصالحها في مياه النيل والبحر الأحمر، وهي عقيدة لم تتوقف عند حدود السياسة، حيث امتدت إلى الاقتصاد والثقافة والتعليم، لتُنتج نخبة سودانية ترى في التبعية ضماناً للاستقرار، وفي السيادة خطراً على المصالح.
فالموانئ والممرات لم تعد مجرد بنية تحتية؛ لقد تحولت إلى أدوات ضغط واستثمار جيوسياسي، تتنافس عليها القوى الإقليمية والدولية في سباق للسيطرة على نقاط العبور ومسارات التجارة العالمية، وهو ما يجعل من السودان حلقة قابلة للاختراق والتوظيف.
وتتحرك في الملف الإثيوبي حسابات معقدة، من تقارب مصري مع البرهان في سياق توترات تقراي، إلى تحول علاقة إسياس أفورقي بآبي أحمد من تعاون عسكري خلال حرب 2020-2022، إلى توتر متصاعد داخل الإقليم، فتداخلت الحسابات الإقليمية حول مجال لم يعد مجرد حدود، حيث تشكلت شبكة من الموانئ والممرات والموارد وموازين القوة.
وفي قلب هذه الشبكة وجد السودان نفسه محاطاً بتنافس يتغذى من هشاشة الداخل، فيما تعمل حكومة الأمر الواقع على تقديم الحرب كمواجهة مع الخارج. وثمة شهادات ميدانية موثوقة، من بينها شهادات عاملين في المنظمات الإنسانية خلال حرب 2020-2022، تشير إلى وجود معسكرات تجنيد لتقراي داخل الأراضي السودانية “القضارف”، بترتيب من البرهان ودعم استخباراتي مصري.
التكبيل والوصاية والنكوص
التدخلات الإقليمية في الموارد السودانية ليست وليدة حرب 15 أبريل 2023، فقد سبقتها عقود من التعطيل وإعادة ترتيب المصالح حول مياه النيل والبحر الأحمر، وتحركات شركات دولية في الاستكشاف منذ أواخر الستينيات. ثم جاءت اتفاقية 16 مايو 1974 بين الخرطوم والرياض بشأن الاستغلال المشترك للثروة الطبيعية، وبموجبها قسم قاع البحر الأحمر إلى ثلاث مناطق: منطقة سودانية خالصة تمتد إلى عمق ألف متر من الساحل، ومنطقة سعودية خالصة مماثلة، ومنطقة مشتركة بينهما، وأنشئت هيئة مشتركة مقرها جدة، تتكون من عدد متساوٍ من ممثلي الحكومتين، وتتولى السعودية تمويلها واسترداد نفقاتها من عائد الإنتاج، بينما تُتخذ قراراتها الفنية في إطار مشترك. وهو ترتيب جعل إدارة الاستثمار والاستغلال مرتبطة بآلية مشتركة ذات ثقل مالي سعودي، وأبقى الخرطوم داخل معادلة تفاوضية لا تمنحها وحدها التحكم في مسار استثمار مورد استراتيجي يقع في نطاقها البحري.
توقف نشاط الهيئة لمدة ربع قرن بسبب انخفاض الطلب، قبل أن يعاود نشاطه في 2010 برخصة لشركة سعودية وأخرى كندية، وبذلك تحول البحر الأحمر من واجهة جغرافية إلى عقدة تجمع الثروة بالموانئ والممرات والأمن والنفوذ. ويكشف التدقيق في اتفاقية 1974 أن نطاق البحث عن الثروات بين الخرطوم والرياض ارتبط بالمنطقة البحرية المقابلة للساحل السوداني، وهو ما يعكس تعاملاً سعودياً مع السودان كطرف سيادي، لأن الرياض اختارت التفاوض مع الخرطوم لا القاهرة بشأن الموارد.
غير أن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المصرية-السعودية في أبريل 2016، التي نقلت جزيرتي تيران وصنافير إلى الرياض، رسمت حدوداً دون الرجوع إلى السودان، فأثارت الخرطوم الملف في مجلس الأمن، حيث وثّقت مساسها بحقوق السودان في المنطقة المرتبطة بحلايب ومياهها، بينما أعادت مصر تأكيد سيادتها على حلايب، وقد وثقت الأمم المتحدة مذكرة السودان. ويفضي التنقيب في أرشيف السيادة إلى طبقة أعمق، فمصر التي تؤكد اليوم سيادتها على حلايب، قدمت إلى عصبة الأمم عام 1922 خريطة لم تُدرج فيها المثلث. كما تشير القراءات الأرشيفية إلى أن الخرائط التشريعية المصرية ظلت حتى 1952 دون أي دائرة انتخابية باسم حلايب، في حين كانت المنطقة مُدمجة في مديرية كسلا السودانية وفق خرائط اللجنة للانتخابات عام 1953، ولم تُبدِ القاهرة اعتراضاً عليها. وتؤكد خرائط قلم مساحة السودان ووزارة الحرب البريطانية أن الخط المتعرج، لا خط عرض 22، هو الحد الفاصل المعتمد، كما ظهرت المنطقة ضمن الحدود السودانية في خرائط مشروع خزان جبل أولياء وخريطة حصر الأراضي المتأثرة بمياه السد العالي، وهي خرائط وقعت عليها لجان من الدولتين.
وبموجب مبدأ ثبات الحدود الموروثة، فإن حدود 1956 هي الحدود القائمة في خرائط 1952، مما يوفر أساساً قانونياً قوياً للموقف السوداني في النزاع حول حلايب؛ ويتصل التكبيل الاقتصادي بالسياسي عبر شبكة أوسع من الحسابات الإقليمية. ففي اليمن تقاطعت عمليات التحالف الذي قادته الرياض مع قوى سياسية وعسكرية بينها حزب الإصلاح، في مواجهة الحوثيين، وفي السودان تقاطعت مصالح إقليمية مع قوى عسكرية وإسلاموية حافظت على مواقعها بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، مستفيدة من مخاوف الإقليم من الفوضى ومن أهمية البحر الأحمر، فيما كان الانتقال المدني يهدد شبكات التمكين ومراكز النفوذ القديمة.
غير أن المشهد الخليجي لم يكن خطاً واحداً، فقد دعمت السعودية والإمارات الاتفاق الإطاري في 5 ديسمبر 2022 ودعت إلى حكومة انتقالية بقيادة مدنية. فقرار الحرب خرج من صراع سوداني على السلطة، بينما وفرت البيئة الإقليمية مساحات للحركة والتمويل والغطاء.
وتظهر كلفة هذه المعادلات في ملف مياه النيل، إذ نصت اتفاقية 8 نوفمبر 1959 على 55.5 مليار متر مكعب سنوياً لمصر و18.5 ملياراً للسودان، وربطت الترتيبات بقيام السد العالي. ثم جاءت كارثة حلفا القديمة وغمرت المياه مساحات واسعة من الأرض السودانية وهُجِّر سكانها إلى حلفا الجديدة. ولم تكن المسألة مجرد حسابات مائية، فقد كشفت عن اختلال أعمق في القدرة على حماية مصالح السكان حين تتخذ القرارات الكبرى بمنطق الدولة المركزية وموازين القوة.
ويتصل ملف حلفا بحلايب، حيث تتقاطع الحدود بالتاريخ الاستعماري، ثم جاءت أحداث جبل العيقاد في 16 يونيو 2026 لتضع هذا الصراع على الأرض لا في الخرائط وحدها، عندما تعرضت منطقة التعدين الأهلي في جبل العيقاد لهجوم جوي أعقبته تحركات برية، وبذلك لم يعد الذهب مجرد مورد اقتصادي، حيث أصبح نقطة تماس بين الثروة والحدود والقوة العسكرية، وصارت حماية المعدنين والموارد اختباراً فعلياً لمعنى السيادة التي لا تكفيها الخرائط ولا البيانات الدبلوماسية إذا عجزت الدولة عن فرض حقوقها على الأرض.
ويكتمل المشهد بما ظهر في مروي في بداية الحرب، حين كان أفراد من سلاح الجو المصري في السودان ضمن مهمة تدريب مشتركة، بينما نفى الناطق الرسمي باسم الجيش وجودهم، وأكدت مصادر متعددة وجود القوة المصرية في قاعدة مروي. وبذلك تتجمع مياه النيل وحلفا وحلايب والبحر الأحمر والذهب والوجود العسكري والتدخلات الخليجية والمصرية في بنية واحدة.
القرن الأفريقي: التحول والقطيعة
لا يمكن فصل هذه المعادلة عن التحولات التي يشهدها القرن الأفريقي وجنوب البحر الأحمر، حيث هناك تصور إقليمي جديد يعيد ترتيب العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا والسودان والبحر الأحمر واليمن، مستنداً إلى الموقع الإثيوبي وحاجته إلى منافذ بحرية، وإلى تنامي التنافس على الممرات اللوجستية. بينما تنظر القاهرة والرياض إلى التمدد الإثيوبي باعتباره مسألة مرتبطة بأمنهما المائي وموقعهما في البحر الأحمر، وهو ما يجعل إريتريا ذات قيمة استراتيجية في حساباتهما.
ومن هذا التداخل نشأت شبكة تحالفات متحركة؛ فإسياس أفورقي الذي شارك في الحرب ضد جبهة تحرير تقراي إلى جانب آبي أحمد، دخل منذ نوفمبر 2021 في مرحلة أخذت فيها العلاقة مع المشروع الإثيوبي منحى أكثر تعقيداً، قبل أن يتسع الشرخ بصورة أوضح بعد اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، بينما سعت القاهرة والرياض إلى توسيع علاقاتهما مع أسمرا، وتقاطعت حسابات السعودية والإمارات وإثيوبيا ومصر وإريتريا حول الموانئ والممرات والأمن البحري. ولم يعد السودان خارج هذه الحسابات، فقد تحول موقعه الجغرافي وساحله على البحر الأحمر وحدوده مع إثيوبيا ومصر إلى عناصر جذب للقوى الإقليمية.
غير أن الجغرافيا لا تخوض الحرب وحدها، والممرات البحرية لا تصنع الصراع من تلقاء نفسها، فهي تصبح ذات أثر سياسي عندما تجد داخل الدولة قوى تستطيع تحويل الموقع والموارد والحدود إلى أوراق في صراعها على السلطة، وهو ما يعني أن التحولات الإقليمية تظل بحاجة إلى مركز داخلي يستثمرها، وإلى دولة قادرة على ترجمة موقعها الجغرافي إلى قوة تفاوضية، لا إلى مساحة مفتوحة للاختراق.
الهروب إلى الخارج والتنصل
عند هذه النقطة ينتقل مركز التحليل من الإقليم إلى الخرطوم، لا لأن العامل الخارجي فقد وزنه، بل لأن البيئة الإقليمية لا تتحول إلى حرب داخلية من تلقاء نفسها، فهي تحتاج إلى قرار ومؤسسات وشبكات مصالح تجد داخل الدولة ما يسمح لها بالعمل. ولهذا يصبح خطاب حكومة الأمر الواقع في المحافل الدولية جزءاً من إدارة الحرب ذاتها، إذ يجري تقديم الانهيار باعتباره نتيجة لضغط خارجي متصل، بينما تتراجع القضايا المتعلقة بالبنية التي جعلت الدولة قابلة للاختراق والاستنزاف.
وفي هذا الإطار يواصل الحارث إدريس، سفير السودان لدى الأمم المتحدة، تقديم رواية تركز على الدور الخارجي في تفسير الانهيار والحرب، وقد ظهر ذلك في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر سبتمبر الماضي، حين رد على اتهامات إماراتية للسودان باستخدام أسلحة كيميائية بعبارة حادة استدعت حرب “البسوس”، غير أن قيمة الموقف لا تقاس بحدة العبارة، حيث تتحدد بقدرته على نقل الاتهامات إلى مستوى الإثبات القانوني؛ فكلما اتسع حضور الخصم الخارجي في الرواية الرسمية للحرب، ضاقت المساحة المخصصة للحديث عن صراع المؤسسة العسكرية مع مسار الانتقال المدني، وعن المصالح الاقتصادية والأمنية التي ارتبطت بشبكات التمكين، وعن التنافس بين مراكز القوة المسلحة، وهي عناصر سبقت التدخلات الإقليمية ومهدت لقدرتها على النفاذ.
لذلك فإن مواجهة النفوذ الخارجي لا تكتمل من دون تفكيك البيئة الداخلية التي سمحت له بالتحول إلى قوة مؤثرة في القرار الوطني، ومن هذه البنية يمكن قراءة الحرب باعتبارها صراعاً على شكل الدولة ومستقبل السلطة. فقد كان الاتفاق الإطاري الموقّع في 5 ديسمبر 2022 محاولة لإعادة بناء الانتقال المدني، وتضمن مسارات تتصل بالإصلاح الأمني والعسكري، وإخضاع الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية للولاية المدنية والمالية، واستكمال العدالة الانتقالية والتفكيك. كانت تلك الملفات تمس مباشرة مصالح مراكز القوة التي راكمت نفوذاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً خلال عقود، لذلك لم يكن الصراع حول الاتفاق مجرد خلاف إجرائي على ترتيبات انتقالية، لكنه كان مساساً ببنية مصالح تخشى فقدان امتيازاتها مع انتقال الدولة من منطق السيطرة إلى منطق المؤسسة.
مشكلة السودان في جوهرها أزمة دولة جرى استنزاف قدرتها على امتلاك قرارها الاقتصادي والجغرافي والأمني، حتى أصبحت مواردها وممراتها وحدودها تتحرك داخل خرائط مصالح الآخرين. فقد تكشّف عبر التحليل أن السيادة السودانية ظلت تُدار كورقة تفاوض في العلاقات الإقليمية، من خريطة 1922 التي لم تُدرج حلايب في النطاق المصري، إلى اتفاقية 1974 التي ربطت استغلال الموارد بهيئة مشتركة مقرها جدة وتمولها الرياض، إلى مذكرة 2016 التي وثّقت التداخل دون أن تُترجم إلى حماية فعلية، بينما ظل الخطاب الرسمي أسير “سرديات الهروب” التي تستدعي العدو الخارجي لتفسير الانهيار، وتتراجع الأسئلة عن البنية الداخلية التي جعلت الدولة قابلة للاختراق.
فالمواطن السوداني، الذي يدفع الثمن اليوم، لم يكن طرفاً في هذه المعادلات، حيث وجد نفسه بين سلطة تستدعي الخصم الخارجي لتبرير فشلها، وقوى إقليمية تعتبره ورقة تفاوض، ومجتمع دولي يكتفي بالبيانات. يرتكز جوهر الصراع على تناقض تاريخي بين مشروع دولة مدنية ديمقراطية قائمة على المواطنة المتساوية والعدالة والفيدرالية، وبين بنية دولة عميقة متمسكة بهيمنة المركز القديم وامتيازاتها الهيكلية.
لذلك يرتبط استرداد مسار الدولة بثلاثية لا تكتمل إلا معاً: تحويل موارد البحر الأحمر من مجرد عقود استغلال ثنائية إلى قاعدة اقتصادية إنتاجية سيادية تخدم التنمية الوطنية، ومراجعة اتفاقية 1959 لمياه النيل بما يعيد للسودان حصته العادلة ويحرره، وإعادة تموضع السودان داخل منظومة حوض النيل على قاعدة الاستخدام المنصف والمعقول، والانفتاح على الإطار التعاوني لدول الحوض بما يحفظ المصالح السودانية ويمنحه موقعاً تفاوضياً مستقلاً عن الاستقطاب المصري الإثيوبي، مع تقديم أسانيد قانونية وتاريخية تدعم وضع السودان كدولة منبع وممر في آن واحد، حيث تسقط على أراضيه أمطار تغذي روافد النيل الأزرق والنيل الأبيض، مما يجعله طرفاً فاعلاً في المنظومة المائية لا متلقياً لها فقط، وإعادة تأسيس المؤسسات الأمنية والعسكرية على قاعدة مدنية مهنية، وإعادة بناء العلاقة بين المركز والأقاليم على أساس المواطنة المتساوية والحقوق والموارد. ومن دون ذلك ستظل السيادة مبدأً مرفوعاً في الخطابات، لا واقعاً مفروضاً على الأرض.