بين مشروع القرار الأممي ورؤية «صمود»

قراءة سياسية في مشروع قرار مجلس حقوق الإنسان بشأن السودان

 

عاطف عبد الله

 

في وقت تتواصل فيه الحرب السودانية وتتسع كلفتها الإنسانية والسياسية، يأتي مشروع القرار المطروح أمام الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ليضع الأزمة في إطار يتجاوز رصد الانتهاكات وتوثيقها، إلى طرح بعض الملامح الأساسية لطريق الخروج منها.

فالمشروع، وإن انطلق من منظور حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، يحمل دلالات سياسية واضحة تتصل بالحرب ومستقبل الدولة والسلطة في السودان، ويربط بين وقف الحرب وحماية المدنيين والمحاسبة من جهة، واستعادة مسار سياسي يقود إلى حكم مدني ديمقراطي من جهة أخرى. وبذلك لا يتعامل مع الحرب باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية، وإنما يضعها في سياق أوسع يتعلق بأزمة الدولة ومستقبل نظام الحكم.

 

لا حل عسكرياً ولا شرعية تُكتسب بالبندقية

 

أولى الدلالات السياسية للمشروع تأكيده أنه لا حل عسكرياً للأزمة السودانية، وأن استمرار القتال لن يقود إلا إلى مزيد من القتل والنزوح والجوع وانهيار مؤسسات الدولة. ومن هنا تأتي دعوته إلى وقف فوري وشامل لإطلاق النار، يعقبه حوار سوداني شامل وعملية سياسية بمشاركة فاعلة للقوى المدنية والنساء والشباب، وصولاً إلى حكومة وطنية منتخبة ديمقراطياً بعد فترة انتقالية بقيادة مدنية.

ويتقاطع ذلك بوضوح مع خطاب القوى المدنية المناهضة للحرب، ومع موقف تحالف «صمود» الذي جدد التزامه بوقف الحرب والسلام والتحول المدني الديمقراطي، كما يلتقي مع وثيقة «عملية السلام التي نريد» الصادرة عن اجتماع القوى المناهضة للحرب في أديس أبابا، والتي أكدت أن إنهاء الحرب يجب أن يتم عبر عملية سلام شاملة، لا من خلال حوار أحادي تتحكم فيه إحدى أطراف الحرب.

والمغزى الأهم أن وقف الحرب لا ينبغي أن يكون غاية منفصلة عن سؤال السلطة ومستقبل الدولة؛ فلا معنى لإنهاء الحرب إذا كان البديل إعادة إنتاج هيمنة عسكرية بأخرى، بل ينبغي أن يكون وقفها مدخلاً لاستعادة السياسة والفضاء المدني.

 

وحدة السودان ورفض واقع السلطتين

 

يتصل ذلك بالدلالة الثانية للمشروع، وهي التشديد على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، ورفض إقامة سلطة حاكمة موازية في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل خطر تحول خطوط السيطرة العسكرية إلى حدود سياسية وإدارية دائمة، بما يهدد وحدة البلاد ويكرس واقع التقسيم.

ويتقاطع هذا مع موقف «صمود» المتمسك بوحدة السودان أرضاً وشعباً، وتحذيره من تعميق الانقسام السياسي والإداري والاجتماعي ومن خطابات التفتيت والتقسيم. والمبدأ هنا واضح: السيطرة العسكرية على الأرض لا ينبغي أن تتحول بذاتها إلى مصدر للشرعية السياسية. وهذه، بطبيعة الحال، قراءة سياسية لدلالة المشروع وليست نصاً حرفياً فيه.

 

إدانة الانتهاكات من دون مساواة حسابية

 

يدين المشروع الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف النزاع، بما فيها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ويشير إلى الهجمات على المدنيين والقصف الجوي وضربات المسيّرات والقتل خارج نطاق القضاء والعنف الجنسي والاعتقال التعسفي والتعذيب وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.

لكنه، في الوقت نفسه، لا يساوي بين المسؤوليات بصورة ميكانيكية؛ إذ يفرد مساحة خاصة للانتهاكات المنسوبة إلى قوات الدعم السريع في الفاشر، بما فيها الإعدامات الجماعية والاستهداف العرقي والتعذيب والعنف الجنسي والاختطاف، مستنداً إلى نتائج بعثة تقصي الحقائق التي اعتبرت أن بعض هذه الأفعال قد يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وقد يحمل علامات إبادة جماعية.

وهنا ينبغي التأكيد على مبدأ أساسي في الخطاب المدني المناهض للحرب: رفض الحرب لا يعني الحياد تجاه الجرائم، كما أن إدانة جرائم الدعم السريع لا تعني منح الطرف الآخر تفويضاً لحكم البلاد. فالموقف الأخلاقي والقانوني من الانتهاكات شيء، ومنح أي مؤسسة عسكرية حقاً سياسياً في حكم السودان شيء آخر.

 

من وقف الحرب إلى إصلاح المؤسسة العسكرية

 

يلتقي مشروع القرار مع رؤية «صمود» في هدف الدولة المدنية، لكنه لا يتطابق معها في التفاصيل. فالمشروع يركز على وقف الحرب وحماية المدنيين والمحاسبة والانتقال المدني، بينما تذهب رؤية «صمود» أبعد في تحديد شكل المؤسسة العسكرية بعد الحرب، من خلال الدعوة إلى إنهاء تعدد الجيوش والمليشيات وبناء جيش مهني قومي واحد يخضع للسلطة المدنية الدستورية وينأى عن النشاط السياسي والاقتصادي.

وهذا التمييز مهم حتى لا نحمِّل الوثيقة الأممية ما لم تقله، أو نحوِّل نقاط التقاطع بينها وبين الرؤى المدنية إلى تطابق كامل.

 

العدالة ليست بنداً مؤجلاً

 

تحتل العدالة وعدم الإفلات من العقاب موقعاً مهماً في المشروع، الذي يعتبر المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي عنصراً أساسياً في أي تسوية مستدامة، ويدعو إلى تحقيقات مستقلة ونزيهة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات على امتداد سلسلة القيادة، مع الإشارة إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه المحكمة الجنائية الدولية.

ويتقاطع ذلك مع طرح «صمود» للعدالة، بما يشمل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، إلى جانب المحاسبة وجبر الضرر وإنصاف الضحايا. والمبدأ الذي ينبغي ألا يغيب هو أن السلام ليس نقيض العدالة، وأن العدالة ليست عقبة أمام السلام؛ فأي تسوية تتجاوز حقوق الضحايا أو تقوم على حصانة مرتكبي الجرائم قد تزرع بذور صراع جديد.

 

التدخل الخارجي ومسؤولية استمرار الحرب

 

لا يحصر المشروع مسؤولية استمرار الحرب في أطرافها السودانية، بل يدين أيضاً التدخلات الخارجية التي تغذي النزاع، بما فيها توريد الأسلحة والمعدات العسكرية والعناصر الأجنبية والمرتزقة، ويدعو إلى وقف الدعم العسكري والمادي لأطراف الحرب.

وهذه نقطة مهمة، لأن الحديث عن استحالة الحل العسكري يظل ناقصاً ما لم يقترن بوقف الموارد التي تجعل استمرار الحرب ممكناً. كما تضع هذه المسألة المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: هل يملك الإرادة والقدرة على كبح الأطراف الخارجية التي تسهم في إطالة الحرب؟

 

أين يفترق المشروع عن «صمود»؟

 

رغم مساحات التقاطع الواسعة، ليس دقيقاً التعامل مع مشروع القرار باعتباره نسخة أممية من برنامج «صمود». فهناك قضايا مركزية في خطاب التحالف لا يتبناها المشروع بالصورة ذاتها، من بينها موقف «صمود» من الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني وواجهاتهما، ودعوته إلى تفكيك التمكين داخل المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمة المدنية.

أما مشروع القرار فيتحرك من إطار حقوق الإنسان والقانون الدولي وحماية المدنيين والمساءلة والانتقال المدني، ولا يتبنى في النص المعروض موقفاً حزبياً محدداً من هذه القوى. ولذلك فإن التقاطع في الأهداف العامة لا يعني التطابق في البرامج السياسية.

كما أن هذه المبادئ لم تعد محصورة في «صمود»، فقد أظهرت مواقف قوى سياسية ومدنية مختلفة خلال عام 2026 مساحات اتفاق حول وقف الحرب، والحفاظ على وحدة السودان، وإطلاق عملية سياسية سودانية، واستعادة الحكم المدني الديمقراطي، رغم استمرار الخلافات حول أطراف العملية السياسية وشروط المشاركة فيها وكيفية التعامل مع القوى المسلحة.

 

ما بعد وقف الحرب: أي دولة نريد؟

 

ربما تكمن أهم دلالة سياسية للمشروع في أن إنهاء الحرب لا ينبغي أن يعني العودة ببساطة إلى ما قبل 15 أبريل 2023. فالحرب كشفت عمق أزمة الدولة والجيش والسلطة والعدالة والعلاقة المختلة بين المدني والعسكري.

لذلك فإن المطلوب ليس مجرد إسكات البنادق، رغم ضرورته وإلحاحه، وإنما معالجة الأسباب والبنى التي جعلت الحرب ممكنة أصلاً. والسؤال الذي يواجه القوى المدنية، وفي مقدمتها «صمود»، لا يقتصر على: كيف نوقف الحرب؟ بل يمتد إلى السؤال الأكثر حسماً: أي دولة نريد في اليوم التالي لوقفها؟.

دولة لا تمنح حمل السلاح حقاً في الحكم، ولا تكافئ من أشعل الحرب، ولا تعيد إنتاج الدولة العسكرية، ولا تسمح بعودة شبكات النظام السابق عبر بوابة الحرب، وفي الوقت نفسه لا ترهن القرار الوطني لإرادة الخارج.

ذلك هو التحدي الحقيقي: تحويل التوافق على وقف الحرب وحماية المدنيين ووحدة السودان والعدالة والحكم المدني الديمقراطي، من مبادئ وشعارات إلى مشروع سوداني قابل للحياة، وأوسع توافق مدني قادر على بناء الدولة التي يستحقها السودانيون.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 Comment

  1. يجب أن يطال القانون لكل من أجرم في حق الشعب السوداني بعدال نزيه متجرده من ألانا