فصلٌ ثانٍ من القصف المصري

بقلم: وليد عنبوور

 

 

في يوم السبت الماضي، وتحديدًا في نطاق البلوك رقم (A -3”2”)، المعروف بشمال الوادي ذي السيادة السودانية، قصفت طائرات حربية مصرية مواقع التعدين التقليدي، حيث كان آلاف المعدنين السودانيين يمارسون عملهم اليومي في البحث عن الذهب، في مشهد يعيد تفاصيل القصف الذي شهدته منطقة جبل العيقاد في يونيو الماضي. أسفر القصف عن سقوط عدد كبير من الضحايا، فيما تتباين التقديرات المنشورة بين 72 قتيلًا، وفق مجموعة حقوقية، وأكثر من 200 قتيل، وفق تقارير نقلتها «سودان تريبيون» عن ثلاثة ناجين، بينما تشير أحاديث سكان محليين إلى تجاوز عدد الضحايا 400 قتيل. ويعكس اختلاف الأرقام صعوبة الوصول إلى حصيلة نهائية في منطقة نائية تفتقر إلى الخدمات الطبية، مع بقاء الحقيقة الثابتة أن خسائر بشرية جسيمة وقعت، وأن حق الضحايا في التحقيق والمحاسبة يظل قائمًا.

فالمعدنون الذين قُتلوا كانوا يمارسون عملهم في البحث عن الذهب، والدولة التي يُفترض بها حماية المواطن السوداني لم تتحرك سريعًا، ولم تصدر بيانًا إلا بعد نحو 48 ساعة، وتركت الضحايا والجرحى وذويهم يواجهون مصيرهم دون تدخل رسمي معلن، بينما شككت أبواق إعلامية في سودانية المنطقة ووصفت المعدنين بالمعتدين.

وعاد القصف فجر الاثنين إلى الموقع ذاته، في تكرار يثير تساؤلات جدية حول طبيعة الرسائل التي تحاول القاهرة إيصالها. وبينما يعبّئ البرهان السودانيين ضد سودانيين آخرين في حرب داخلية تحت شعارات «الكرامة» و«السيادة الوطنية» و«المعركة المصيرية»، يجد نفسه عاجزًا عن تسمية حليف إقليمي، في وقت تثبت فيه كل التوثيقات والفيديوهات تنفيذ الطيران المصري للقصف، وعاجزًا عن مواصلة البيانات الخجولة دون أن ينكشف التناقض بين خطابه الناري في الداخل وموقفه المتردد في الخارج.

 

الجغرافيا التي تكشف الكذبة

 

الجغرافيا في السودان لا تكذب، وتشكل وثيقة صامتة تتجاوز قوتها كل بيانات التضليل التي تروّجها السلطة وأبواقها الإعلامية. فالمنطقة التي استُهدفت تقع في العمق السوداني الخالص، وتبعد عن أي حدود دولية، حتى عن المثلث المحتل مصريًا. والإحداثيات الجغرافية الموثقة عند النقطة المسجلة على خرائط جوجل داخل ولاية البحر الأحمر السودانية تثبت بالدليل القاطع أن الاستهداف الجوي وقع داخل الأراضي السودانية، جنوب خط عرض 22° شمالًا، الذي ينظم الحدود بين السودان ومصر.

وهذه الحقيقة الجغرافية التي لا تقبل الجدل تكشف زيف كل الروايات التي تروّجها سلطة البرهان وأبواقها؛ فتارة يقولون إنها منطقة حدودية، ومرة يتحدثون عن اختراق للحدود المصرية، وتارة يزعمون توغلًا في أراضٍ متنازع عليها. وكل هذه الروايات تدخل في باب الأخطاء المتعمدة في التوصيف، وتقف في جوهرها محاولات مكشوفة لنقل مسرح الجريمة من العمق السوداني إلى شريط حدودي وهمي، بهدف تبرئة ساحة المعتدي وتحميل الضحية وزر ما جرى لها.

والأخطر في هذا السياق أن سلطة البرهان تروّج لهذه الرواية الكاذبة في بيانها الرسمي الصادر يوم 12 أكتوبر، الذي تحدث عن “المنطقة الحدودية بين السودان وجمهورية مصر العربية”، وكأن الحدود بين البلدين لم تكن معروفة وموثقة منذ عقود. وتتجاهل سلطة البرهان أن المواقع المستهدفة تبعد كيلومترات عن الحدود المصرية، وأن جبل العقيدات وسوق الأنصاري ووادي الأراك وشمال الوادي بأكمله مواقع تعدين سودانية خالصة، خارج أي نزاع حدودي.

وهذا الادعاء، الذي يبدو ساذجًا في ظاهره، خطير للغاية في حقيقته؛ لأنه يمنح المعتدي شرعية ضمنية للاستمرار في اعتداءاته، ويجعل أي رد فعل سوداني محتمل يبدو وكأنه اعتداء على دولة جارة لم تفعل شيئًا سوى حماية حدودها. وهذه اللعبة الخطيرة التي تمارسها سلطة البرهان مع مصر تكشف عن حجم الارتهان والتبعية الذي وصلت إليه هذه السلطة.

فالسلطة التي تزعم أنها تحمي السيادة والكرامة الوطنية هي نفسها التي تتلاعب بجغرافيا البلاد لتبرير العدوان على مواطنيها، وتفتح المجال للطيران المصري للقصف لإخلاء هذه المنطقة من المعدنين السودانيين وتهجيرهم قسرًا إلى مناطق أخرى بعيدة، حتى تتحول إلى مساحة خالية يمكن للقوى الإقليمية وشركاتها أن تدخلها وتستولي على ثرواتها المعدنية دون أي عوائق بشرية أو قانونية أو أخلاقية. وبينما تتكاثر الروايات الرسمية المضللة، تأتي الوثائق الصامتة لتضع حدًا نهائيًا لكل هذا الادعاء.

 

الوثيقة التي تحسم الجدل

 

وهنا تأتي الوثيقتان الرسميتان لتضعا حدًا لكل هذا التضليل. أما الوثيقة الأولى، فهي كشف الوصف الرسمي لمنطقة الامتياز رقم (A -3”2”)، الصادر عن وزارة المعادن السودانية وهيئة الأبحاث الجيولوجية السودانية في 2 أغسطس 2016، وهو الكشف الذي يحمل الرمز ANNEX-A  ويحدد رؤوس الإحداثيات الستة للبلوك على النحو التالي:

النقطة A عند خط طول 35°01′55″ شرقًا وخط عرض 21°58′50″ شمالًا، والنقطة B عند خط طول 35°07′30″ شرقًا وخط عرض 21°58′47″ شمالًا، والنقطة C عند خط طول 35°07′30″ شرقًا وخط عرض 21°50′38″ شمالًا، والنقطة D عند خط طول 35°10′12″ شرقًا وخط عرض 21°50′41″ شمالًا، والنقطة E عند خط طول 35°10′12″ شرقًا وخط عرض 21°44′49″ شمالًا، والنقطة F عند خط طول 35°01′55″ شرقًا وخط عرض 21°44′49″ شمالًا.

وتشير الوثيقة ذاتها إلى أن المساحة التقريبية للبلوك تبلغ 299 كيلومترًا مربعًا، وأن موقعه في ولاية البحر الأحمر.

أما الوثيقة الثانية، فهي الخريطة الرسمية للامتياز ذاته، الصادرة بالرمز ANNEX-B عن الوزارة والهيئة نفسيهما، وبتاريخ 2 أغسطس 2016 أيضًا. وهي الخريطة التي ترسم حدود البلوك (A -3”2”) داخل الأراضي السودانية بوضوح لا يقبل التأويل، وتضع خطوط الطول والعرض على محيطها الخارجي، وتظهر نطاق الامتياز بعيدًا بعدة كيلومترات عن أي خط حدودي مع مصر.

والمفارقة الدامية أن القصف الذي وقع يوم السبت الماضي استهدف مواقع تقع بالكامل داخل نطاق المساحة البالغة 299 كيلومترًا مربعًا، التي حددتها هذه الوثيقة الرسمية، وهي المساحة ذاتها التي تتراوح إحداثياتها بين خطي عرض 21°44′49″ و21°58′50″ شمالًا، وخطي طول 35°01′55″ و35°10′12″ شرقًا. وهذا يعني أن كل نقطة من النقاط التي سقطت فيها الصواريخ المصرية تقع داخل البلوك رقم (A -3”2”) الموثق في سجلات وزارة المعادن السودانية، وأن الحديث عن «منطقة حدودية» أو «اختراق للحدود المصرية» حديث لا يسنده أي دليل جغرافي، وهو في حقيقته تزييف واعٍ لحقيقة موثقة في أرشيف الدولة السودانية نفسها.

 

سلطة الارتهان والتبعية

 

بعد يومين كاملين من الصمت المطبق، أصدر مجلس سيادة سلطة البرهان الانقلابية بيانًا يوم 12 أكتوبر، يترحم فيه على أرواح الضحايا ويعلن عن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق. والبيان المتأخر وثيقة سياسية مكشوفة تكشف حجم الانكسار المؤسسي والتبعية والارتهان السياسي لسلطة بورتسودان. فالتأخر نفسه في إصدار البيان جاء نتيجة حسابات ضيقة أكثر من كونه انشغالًا بالميدان العسكري الداخلي، كما قد يحاول البعض تبريره، وهو مؤشر على حالة الارتباك والانقسام داخل أروقة السلطة حول كيفية التعامل مع جريمة نفذها حليف إقليمي تدين له هذه السلطة بوجودها الشكلي في هرم الحكم.

والبيان، حين صدر، اختار بعناية كلمة “الحادث الأليم” بدلًا من “القصف” أو “الاعتداء” أو “جريمة الحرب”، وكأن ما جرى كان حادثًا عرضيًا لا عملًا عسكريًا عدائيًا مباشرًا نفذته طائرات حربية أجنبية ضد مواطنين سودانيين عُزّل في عمق أرضهم. وتشكيل لجنة لتقصي الحقائق من قبل سلطة هي نفسها التي صمتت يومين كاملين عن الجريمة يُعد بمثابة مهزلة قانونية وسياسية مكتملة الأركان. فكيف يمكن للجنة شكّلها قرار رئاسي من سلطة تعتمد في وجودها على المعتدي أن تنتج تحقيقًا حقيقيًا مستقلًا؟ والنتيجة معروفة مسبقًا، كما عرفناها في كل لجان التحقيق السابقة التي شكلتها السلطات السودانية.

والبيان الذي يتحدث عن “تمليك الحقائق للرأي العام” هو نفسه الذي تجنَّب ذكر مصر بالاسم، ووصف القصف بـ”الحادث”، وحدد موقع الجريمة بـ”منطقة حدودية” وهمية. فكيف يمكن لسلطة تزعم أنها ستملك الحقائق أن تبدأ بتزييفها من السطر الأول؟.

والبيان يصل إلى ذروة التناقض والفضيحة حين يؤكد أن “حماية أرواح المواطنين السودانيين وصون سلامتهم وكرامتهم مسؤولية أصيلة للدولة”. وهذه العبارة، التي تُقرأ في سياقها الصحيح، تبدو وكأنها شهادة إدانة ضد السلطة. فالسلطة التي تعلن أن حماية المواطنين مسؤوليتها الأصيلة هي التي تركت مواطنيها يُقتلون دون أن تحرِّك ساكنًا، وقضت يومين كاملين في صمت مطبق قبل أن تصدر بيانًا هزيلًا يصف الجريمة بـ”الحادث”.

وإذا كان هذا هو حال البيان في تعامله مع الجريمة وموقعها الجغرافي ومسؤولية الدولة تجاه مواطنيها، فإن الفضيحة البلاغية تصل إلى ذروتها حين يقول البيان إن “القيادة في البلدين الشقيقين ظلت على تواصل فور وقوع الحادث بما يضمن حماية الأرواح والحفاظ على علاقة الشعبين الشقيقين ومعرفة ملابسات الحادث وتمليك الحقائق للرأي العام”.

فهذه العبارة التي تتحدث عن “البلدين الشقيقين” و”علاقة الشعبين الشقيقين”، في معرض حديثها عن جريمة قتل مواطنين سودانيين بقصف جوي مصري، تبدو إعلانًا رسميًا لطبيعة العلاقة بين سلطة بورتسودان والقاهرة، وهي العلاقة التي يمكن وصفها بعلاقة التبعية والارتهان والمقايضة. فالدولة التي وُصفت بالشقيقة هي نفسها الدولة التي قصفت مواطني السودان وقتلت منهم المئات، والقيادة التي “تواصلت فور وقوع الحادث” مع نظيرتها المصرية هي نفسها القيادة التي لم تتواصل مع الشعب السوداني، ولم تقدم له أي تفسير أو اعتذار أو حتى تعزية حقيقية.

 

من يحمي من؟

 

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة أمام كل هذه التناقضات سؤال بسيط ومباشر عن الجهة التي يحق لها أن تحمي السودانيين. فالسلطة التي يُفترض بها حماية الشعب من العدوان الخارجي هي نفسها التي تتلقى الدعم السياسي والدبلوماسي من القاهرة، التي قصفت مواطنيها، وتلتزم الصمت حفاظًا على “العلاقات الأخوية” مع الدولة التي سفكت الدم السوداني.

ولمن تدين هذه السلطة بالولاء الحقيقي: لشعبها الذي تزعم أنها تحميه؟، أم للقوى الإقليمية التي تحفظ لها بقاءها الشكلي في السلطة؟. والإجابة عن هذا السؤال واضحة لكل من يملك ذرة من البصيرة: إن سلطة البرهان اختارت منذ البداية أن تحمي نفسها وبقاءها في السلطة، بدلًا من أن تحمي الشعب السوداني، وتقدم في كل يوم دليلًا جديدًا على أنها سلطة عاجزة عن السيادة والقرار والكرامة.

والبرهان الذي يتحدث عن “معركة الكرامة والسيادة الوطنية” في مواجهة خصومه الداخليين هو نفسه الذي يتحول إلى شخص آخر مختلف تمامًا عندما يكون المعتدي هو الطيران المصري. فلم يستطع استدعاء السفير المصري للاحتجاج، والمؤسف أنه، في لحظات كانت دماء المعدنين تسيل فيها، كان يعتمد أوراق السفير المصري الجديد الملطخة بالقتل، ولم يقدر على ذكر اسم مصر في بيانه الرسمي. وكل ما استطاع فعله هو تشكيل لجان تقصي حقائق يعرف هو، قبل غيره، أنها لن تصل إلى شيء، وتوجيه التعازي لأسر الضحايا، وكأن ما جرى كارثة طبيعية لا يد لأحد فيها.

وهذه الازدواجية الصارخة بين سلوك البرهان مع الداخل وسلوكه مع الخارج تكشف حقيقة أن مشروعه لم يكن يومًا وطنيًا، وأنه كان دائمًا واجهة لترتيبات إقليمية أوسع تريد للسودان أن يبقى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات ونهب الموارد تحت غطاء حرب داخلية مستدامة لا يريد لها أن تتوقف.

والحقيقة أن ما جرى في تلك المنطقة يتجاوز كونه جريمة حرب جديدة تضاف إلى سجل الجرائم الإقليمية في حق الشعب السوداني، وهو في جوهره العميق اختبار حقيقي لكل السودانيين، بكل أطيافهم وتوجهاتهم وانتماءاتهم.

 

الطريق إلى الكرامة

 

الطريق إلى الكرامة في السودان يمر عبر موقف وطني حاسم يعلن بوضوح أن الدم السوداني غالٍ، وأن السيادة السودانية غير قابلة للتفاوض أو المساومة أو التجزئة في مواجهة العدوان الخارجي المباشر. وهذا الموقف لا يمكن أن يصدر عن سلطة بورتسودان التي أثبتت بالأمس القريب أنها عاجزة عن حماية مواطنيها وذليلة في مواجهة حلفائها الإقليميين.

وتقع على القوى الحية والمكونات المدنية والسياسية والاجتماعية مسؤولية المطالبة بالحقيقة والدفاع عن حقوق المعدنين ورفض تحويل الحادث إلى مادة للتجاذب أو التبرير. فحماية الثروات المعدنية وحقوق العاملين فيها جزء أصيل من أي مشروع وطني حقيقي، ولا يمكن لأي سلطة أن تتحدث عن السيادة وهي تعجز عن حماية مواطنيها وتتنازل عن أرضهم وثرواتهم.

والوثائق الرسمية التي أرفقناها في هذا المقال شهادة على أن السيادة السودانية قابلة للاسترداد إذا توفرت الإرادة. فدماء الشهداء في جبل العيقاد وشمال الوادي لن تذهب هدرًا، والأرض التي وثقها أرشيف الدولة السودانية نفسها لن تُباع بالصمت، وسيأتي يوم يقف فيه السودانيون جميعًا في وجه الطائرات التي تعبر حدودهم وتستبيح أرضهم، بإرادة شعبية صلبة لا تساوم على الدم ولا على الأرض.

الرحمة والمغفرة للضحايا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *