بين الأعراف والمساءلة: هل تساعد تقاليدنا على جبر بعضٍ مما أفسدته الحرب؟
د.العبيد أحمد العبيد
في المقال السابق من هذه السلسلة، ناقشنا سؤالاً أساسياً: من يملك قرار العدالة الانتقالية، ومن يراقب المؤسسات التي تنفذها؟. وخلصنا إلى أن العدالة التي تُصمَّم باسم الضحايا دون مشاركتهم الفعلية ورقابتهم قد تعيد إنتاج التهميش الذي جاءت لمعالجته. وكنا قد تناولنا في مقال آخر مقولة «عفا الله عما سلف»، وميزنا بين التسامح الاجتماعي والعفو القانوني، وبين الصفح الطوعي للضحية والمصالحة المفروضة عليها، وبين المصالحة والإفلات من العقاب. وإذا كنا هناك نناقش قيماً وتصورات اجتماعية عامة قد تُستخدم لتبرير النسيان وتعطيل المحاسبة، فإننا ننتقل هنا إلى أعراف وقواعد وممارسات محددة قد تسهم في تسوية بعض النزاعات وجبر الضرر وإصلاح العلاقات الاجتماعية، شريطة خضوعها للقانون واحترام حقوق الضحايا، ودون أن تصبح بديلاً عن المساءلة الجنائية.
يقودنا ذلك إلى سؤال آخر: ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الأعراف والتقاليد والجودية والمؤسسات الأهلية في إصلاح ما دمرته الحرب؟ وهل يمكن أن تسهم هذه الوسائل في العدالة الانتقالية دون أن تتحول إلى بديل عن القضاء أو أداة لحماية المتورطين في الجرائم؟.
عرف السودان تاريخاً طويلاً من الوساطة المحلية وتنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات، وخاصة في مسائل الأرض والمياه والرعي. لكن الحرب لم تدمر تلك العلاقات وحدها؛ بل أصابت بعض المؤسسات التقليدية نفسها. فقد انحاز بعض قادتها إلى أطراف النزاع، وشارك آخرون في التعبئة أو اكتسبوا نفوذاً من السلاح والمال.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: هل أعرافنا جيدة أم سيئة؟ بل: أي أعراف يمكن أن تخدم العدالة، ومن يملك حق تفسيرها وتطبيقها، وكيف نمنع استخدامها لتثبيت المظالم أو حماية المسؤولين عنها؟.
ليست كل عادة حكمة، وليست كل جودية عدلاً، وليس كل زعيم أهلي ممثلاً لأهله.
العدالة أوسع من المحاكم
لا يمكن اختزال العدالة الانتقالية في المحاسبة الجنائية، على ضرورتها. فالحرب تترك وراءها أراضيَ مغتصبة، وقرى مهجورة، ومسارات رعي مغلقة، ومصادر مياه متنازَعاً عليها، وأسواقاً انهارت فيها الثقة بين المتعاملين.
وقد يستطيع القضاء إثبات حق قانوني، لكنه لا يستطيع وحده إعادة بناء العلاقات الاجتماعية والاقتصادية الضرورية لممارسة ذلك الحق.
هنا تبرز أهمية المعرفة العرفية والوساطة المحلية، خاصة في تحديد حدود الأراضي، وحقوق الانتفاع الجماعي، وتنظيم المياه والمراعي، ومعالجة بعض المنازعات المدنية.
لكن يجب التمييز بين العرف بوصفه قاعدة اجتماعية، والجودية بوصفها وساطة، والإدارة الأهلية بوصفها مؤسسة للسلطة والتمثيل. وليست شرعية أحدها دليلاً تلقائياً على شرعية الآخر.
ولا تقتصر وسائل التسوية التقليدية على الجودية؛ فهناك مجالس الأجاويد، والصلح الأهلي، والوساطة الأسرية والعشائرية، ومجالس النظارات والعموديات والمشيخات، والمؤتمرات الأهلية للصلح، والتحكيم العرفي، والوساطة الدينية، وترتيبات الدية والتعويض المدني، والاتفاقات المحلية المنظِّمة للحواكير ومسارات الرعي والمياه.
وتختلف هذه الممارسات بين الأقاليم، كما تختلف وظائفها: فبعضها وساطة رضائية، وبعضها ينظم الموارد، وبعضها ارتبط بسلطات إدارية أو قضائية. ولا يجوز اعتبارها جميعاً صالحة للعدالة الانتقالية لمجرد قدمها أو انتشارها.
كذلك ينبغي إدراك أن الأعراف ليست قواعد جامدة. فقد تغيرت عبر الأجيال، وتأثرت بالاستعمار والدولة الحديثة والهجرة والتوسع الزراعي والحروب. وقد تحتفظ بعض المجتمعات بقواعد لا تعترف بها مجتمعات مجاورة، أو تختلف داخل المجتمع الواحد الروايات بشأن مضمونها وأصحاب الحق في تطبيقها.
المطلوب الاستفادة من المعرفة المحلية، لا إعادة تسليم الحقوق إلى سلطة تقليدية غير خاضعة للمساءلة.
رواندا وأوغندا: دروس لا نماذج جاهزة
بعد إبادة عام 1994، واجهت رواندا أعداداً هائلة من المتهمين، فأنشأت محاكم «الغاتشاتشا» المجتمعية لمعالجة قضايا لم يستطع القضاء العادي استيعابها. أتاحت التجربة مشاركة واسعة، وساهمت في كشف وقائع ومعالجة قضايا ممتلكات. لكنها أثارت اعتراضات تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة، وحماية الشهود، والضغوط الاجتماعية، وانتقائية المساءلة.
ولا يجوز استنساخها في السودان. فقد اتسمت الإبادة الرواندية بمشاركة مباشرة واسعة النطاق من المدنيين في الجرائم، بينما لا يصح افتراض مسؤولية جنائية مماثلة لغالبية السودانيين.
هناك بالتأكيد مسؤولية أخلاقية وسياسية تستحق النقاش عن الصمت واللامبالاة التاريخية والتعايش مع الظلم، لكنها لا تعادل تلقائياً المسؤولية الجنائية عن ارتكاب الجرائم. والتمييز مهم حتى لا تتحول الدعوة إلى مواجهة الماضي إلى اتهام جماعي جديد.
وفي شمال أوغندا، برزت ممارسة «ماتو أوبوت» لدى الأشوليين وسيلةً للاعتراف بالضرر والتعويض وإصلاح العلاقات. لكنها أثارت سؤالاً لا يقل أهمية عن نجاح الوساطة: هل تستطيع النساء والشباب والضحايا الاعتراض على قرارات كبار الرجال؟ وهل تتحول المصالحة أحياناً إلى ضغط اجتماعي للتنازل عن الحقوق؟.
وتقدم كولومبيا درساً مختلفاً يتعلق بالتنسيق بين المؤسسات الوطنية للعدالة وحقوق المجتمعات الأصلية، خاصة في الأرض والملكية الجماعية. أما كمبوديا، فتوضح أن المحاكم لا تستنفد احتياجات الضحايا إلى الاعتراف والذاكرة وإعادة بناء الروابط الاجتماعية.
الدرس المشترك أن قيمة العدالة التقليدية لا تحددها جذورها الثقافية، بل طبيعة القضايا التي تتناولها والضمانات التي تحكمها.
اليمن: عندما يصبح الوسيط طرفاً في الحرب
قد تكون تجربة اليمن أقرب إلى بعض جوانب الواقع السوداني، نظراً لاستمرار حضور المؤسسات القبلية والأعراف الحية في إدارة النزاعات والموارد والعلاقات الاجتماعية.
أدت الوساطات القبلية اليمنية أدواراً في التهدئة، وتأمين المرور، والتفاوض بشأن المحتجزين، وتسوية الخلافات. لكن الحرب أعادت تشكيل بعض هذه المؤسسات، وربطت نفوذ بعض زعمائها بالتمويل والتعبئة والتحالفات العسكرية.
ولا يمكن فهم هذه التحولات دون دراسة دور جماعة الإخوان المسلمين، ولا سيما من خلال حزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي جمع تيارات إخوانية وقيادات قبلية وشخصيات دينية وسياسية. فقد أدى التداخل بين التنظيم الحزبي والزعامة القبلية والمصالح السياسية إلى تعقيد استقلال بعض المؤسسات التقليدية.
وتستدعي التجربة مقارنة مع السودان، حيث سعى نظام الإنقاذ، الذي قادته الحركة الإسلامية، إلى توظيف الإدارة الأهلية وإعادة تشكيل علاقاتها بالسلطة.
لكن تسييس القبائل وإضعاف استقلال مؤسساتها لم يكن مسؤولية الإسلاميين وحدهم؛ فقد أسهمت فيه أيضاً سياسات الحكم الاستعماري والأنظمة المتعاقبة والحركات المسلحة واقتصاد الحرب.
والنتيجة المحتملة خطيرة: أن يتحول الوسيط الذي يستمد سلطته من ثقة المجتمع إلى صاحب مصلحة في استمرار النزاع، وأن تصبح الزعامة الأهلية طريقاً إلى النفوذ العسكري والاقتصادي بدلاً من أن تكون وسيلة لحماية المجتمع.
وتفيد المقارنة اليمنية بعض مناطق غرب السودان وشرقه، لكنها لا تصلح تعميماً على البلاد كلها، ولا حتى على جميع مجتمعات الإقليم الواحد.
إذا كان بعض من يفترض أن يصلحوا بين الناس قد شاركوا في الحرب أو استفادوا منها، فمن يصلح مؤسسة الصلح نفسها؟.
موسى هلال: حين تتداخل الزعامة الأهلية مع تاريخ الانتهاكات
ليست هذه المخاوف نظرية في السودان.
ففي دارفور يبرز مثال موسى هلال، أحد أبرز زعماء المحاميد من الرزيقات، الذي ارتبط اسمه بقيادة مجموعات من الجنجويد خلال حملة العنف الواسعة التي شهدها الإقليم منذ عام 2003.
وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش، استناداً إلى شهادات ووثائق حكومية، دوره القيادي وصلات مجموعات مرتبطة به بهجمات على المدنيين خلال عامي 2003 و2004، ضمن حملة وصفتها المنظمة بالتطهير العرقي. وفي عام 2006 أدرجه مجلس الأمن الدولي ضمن قائمة العقوبات المتعلقة بدارفور، استناداً إلى معلومات عن مسؤوليته عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.
وقد كانت جرائم دارفور في تلك الفترة موضوع تحقيقات دولية شملت اتهامات بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. لكن يجب التمييز بين توثيق دور هلال في قيادة مجموعات ارتبطت بتلك الانتهاكات، وبين صدور حكم قضائي يثبت مسؤوليته الشخصية عن جريمة الإبادة الجماعية.
ولم تنته العلاقة بين الزعامة الأهلية والعمل العسكري بانتهاء تلك المرحلة؛ فقد واصل هلال ممارسة أدوار سياسية وعسكرية، وأعلن مساندته للقوات المسلحة في الحرب الحالية.
ولا يتعلق الأمر بشخص واحد. فقد كشفت الحرب انقسامات داخل قيادات أهلية ومحاولات لاستقطاب زعمائها أو دعم قيادات بديلة.
وليس المقصود تحميل الرزيقات أو المحاميد أو أي جماعة مسؤولية أفعال أفراد من قياداتها. بل المطلوب تحديد المسؤولية الفردية، والفصل بين المجتمع ومن يتحدث باسمه.
لكن الوقائع تفرض سؤالاً حاسماً: هل يجوز إسناد الوساطة بين ضحايا الحرب وأطرافها إلى أشخاص ارتبطوا بالعمل العسكري أو تحوم حول أدوارهم اتهامات موثقة بارتكاب انتهاكات جسيمة؟.
لا يكفي فحص عدالة القاعدة العُرفية؛ يجب أيضاً فحص نزاهة من سيطبقها وعلاقته بالحرب ومصالحه فيها.
الأرض والحواكير والرعي: أين يمكن الاستفادة؟
ربما تكون قضايا الأرض والموارد من أهم المجالات التي يمكن أن تسهم فيها الأعراف السودانية بعد الحرب. ففي دارفور وكردفان وأجزاء أخرى من البلاد، ترتبط الحيازة والانتفاع بالحواكير والزراعة والرعي والمياه والمسارات الموسمية. ولا يمكن دائماً فهم هذه الحقوق من السجلات الرسمية وحدها.
وقد تساعد المعرفة المحلية في تحديد الحدود القديمة، واستعادة مسارات الرعاة، وتنظيم الوصول إلى المياه، وحل بعض النزاعات المدنية، وإعادة تشغيل الأسواق المشتركة.
لكن هناك خطراً بالغاً: استخدام الأعراف لتثبيت نتائج التهجير أو الاستيلاء على الأراضي أثناء الحرب.
فلا يجوز أن يصبح احتلال الأرض مصدراً لحق جديد، أو أن تفقد أسرة نازحة ملكيتها بسبب تسويةٍ عقدها زعيم محلي في غيابها.
كذلك لا يجوز التعامل مع الحاكورة أو الملكية الجماعية باعتبارها حقاً مطلقاً لزعيم يتصرف فيه دون موافقة أصحاب الحقوق.
ويجب أن تشمل أي معالجة عادلة حقوق النساء والنازحين والأقليات والأسر التي تفتقر إلى الوثائق، والأفراد الذين قد تتعارض مصالحهم مع مصالح القيادات التقليدية.
وهناك مجالات أخرى تستحق البحث، مثل إعادة تنظيم الأسواق المحلية، وتسوية بعض المنازعات المدنية المتعلقة بالميراث والانتفاع، والتعويض عن أضرار الممتلكات، واستعادة التعاون بين المزارعين والرعاة، وإدارة الموارد المشتركة.
لكن يجب ألا تتحول الوساطة إلى وسيلة للضغط على النازحين من أجل قبول العودة إلى مناطق غير آمنة، أو للتنازل عن حقوقهم مقابل السماح لهم باستعادة أراضيهم.
ويمكن للأعراف أن تسهم في التعويض المدني وإصلاح العلاقات المحلية، لكنها لا تستطيع تحويل جريمة حرب إلى خلاف حول الأرض ينتهي بمصافحة بين زعيمين.
لا مصالحة تُفرض على الضحية
قد تفضل بعض التسويات التقليدية استعادة الهدوء بين الجماعات على إنصاف الأفراد.
فقد يتفق زعيمان على تعويض جماعي بينما لا تحصل امرأة فقدت منزلها على حقها. وقد يعلن الصلح بينما لا يعرف أهل المفقودين مصير أبنائهم. وقد يُطلب «طي الصفحة» قبل أن تتاح للضحايا فرصة الحديث.
لا ينبغي أن تكون العدالة الانتقالية طريقاً للانتقام، لكنها لا يجوز أن تتحول إلى إلزام الضحايا بالتسامح.
ويجب أن يخضع أي استخدام للأعراف لضمانات واضحة: احترام التزامات السودان الدولية، وعدم التمييز، وطوعية المشاركة، وحماية الضحايا والشهود، وحق الاعتراض واللجوء إلى القضاء، والتدقيق في استقلال الوسطاء ونزاهتهم.