أمام المجلس التنفيذي
لاهاي: (ديسمبر)
برز ملف الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان خلال اجتماعات الدورة الـ113 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي انعقدت في لاهاي خلال الفترة من 6 إلى 9 أكتوبر 2026، حيث تناولته العديد من الدول الأعضاء في كلماتها، ودعت إلى متابعة المزاعم واستكمال التحقيقات وتقديم نتائجها بشفافية، وضمان الالتزام باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية والتعاون مع المنظمة.
المديرة العامة: المنظمة تراقب التقارير المتعلقة بالسودان
وكانت المديرة العامة للمنظمة، سابرينا دالافيور، قد أكدت في كلمتها الافتتاحية يوم 6 أكتوبر، أن الأمانة الفنية تتابع التقارير المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية في مناطق النزاع. وقالت: “تواصل الأمانة الفنية مراقبة التقارير عن استخدام الأسلحة الكيميائية عن كثب، بما في ذلك في السودان ومناطق النزاع الأخرى”. وشجعت جميع الدول الأطراف على تقديم أي معلومات ذات صلة إلى الأمانة الفنية.
الاتحاد الأوروبي: المطالبة بتحقيق عاجل وشفاف
وأعرب الاتحاد الأوروبي، في بيان ألقته السفيرة آن ديروين، الممثلة الدائمة لآيرلندا لدى المنظمة، عن قلقه البالغ إزاء المزاعم المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان. وأكد أن المجلس التنفيذي ينظر في القضية بموجب الفقرة الرابعة من المادة التاسعة من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وهي من الأحكام المتعلقة بطلب توضيحات بشأن مسائل الامتثال للاتفاقية.
وأضافت السفيرة ديروين: “ينبغي للسلطات السودانية معالجة هذه المزاعم بصورة عاجلة وموضوعية وشفافة”. ورحبت بتأكيد الأمانة الفنية استمرار مراقبة الحالات والتقارير ذات الصلة، واستعدادها لتقديم المساعدة إذا طُلب منها ذلك، وفقاً لأحكام الاتفاقية.
الولايات المتحدة: اتهام السودان باستمرار عدم الامتثال
اتخذت الولايات المتحدة موقفاً أكثر حدة في البيان الذي ألقته سفيرتها لدى المنظمة، نيكول شامبين، إذ أكدت ضرورة مواجهة ما وصفته باستمرار عدم امتثال السودان للاتفاقية، على خلفية استخدام أسلحة كيميائية عام 2024. وقالت واشنطن إن على الدول الأطراف اتخاذ خطوات ملموسة لمعالجة انتهاكات الاتفاقية.
المملكة المتحدة: ضرورة استكمال التحقيق الوطني وإعلان نتائجه
أعربت المملكة المتحدة، في بيان ألقاه سفيرها كريستوفر رامبلينغ، عن قلق خاص إزاء التقارير المتعلقة بالسودان، مجددة دعوتها إلى استكمال التحقيق الوطني بشأن الاتهامات. وطالبت لندن السودان بإنهاء التحقيق وإطلاع المنظمة على نتائجه في أقرب وقت ممكن. وأكدت بريطانيا أن تزايد الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية في النزاعات يهدد القاعدة الدولية التي تحظر هذه الأسلحة، مشددة على أهمية التعامل مع التقارير بجدية.
وفي بيان حكومي بريطاني منفصل نُشر في 6 أكتوبر، أكدت لندن أنها تراجع التقارير الأخيرة بشأن السودان، وأن مسؤولين بريطانيين أثاروا هذه المسألة مع ممثلين عن القوات المسلحة السودانية، وحثوا السودان على استكمال تحقيقه وإبلاغ المنظمة بالنتائج.
ألمانيا: مخاوف من برنامج كيميائي غير معلن
أثارت ألمانيا، في بيان سفيرتها غودرون لينغنر، تساؤلات إضافية بشأن طبيعة الاتهامات الموجهة للسودان، مشيرة إلى تقارير إعلامية حديثة تفيد بأن الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية في عام 2024 بما لم يكن حادثة منفردة. وقالت إن معلومات نُشرت أخيراً تشير إلى احتمال وجود برنامج للأسلحة الكيميائية لم يُعلن عنه، داعية الحكومة السودانية إلى إجراء تحقيق وطني شامل واستكماله ونشر نتائجه سريعاً، والتعاون الكامل والشفاف مع المنظمة. وشددت ألمانيا على ضرورة إثبات الوقائع من خلال آليات المنظمة، وتحديد المسؤولين إذا ثبت استخدام الأسلحة الكيميائية.
أستراليا: اتهامات موجهة للقوات المسلحة السودانية
أعربت أستراليا، في بيان سفيرها غريغوري فرينش، عن قلقها إزاء تقارير إعلامية حديثة تتحدث عن تخزين واستخدام مزعوم للأسلحة الكيميائية من جانب القوات المسلحة السودانية. وأشارت إلى التحقيق الوطني السوداني، بما في ذلك تقرير مرحلي قالت إنها تلقته، ودعت السودان إلى تقديم بيان حقيقي وشفاف بشأن أي مخالفة محتملة للاتفاقية. كما رحبت بدور الأمانة الفنية في متابعة الاستخدام المحتمل للأسلحة الكيميائية في مناطق النزاع، مؤكدة ضرورة أن تتصرف المنظمة وفق اختصاصاتها إذا ظهرت أدلة موثوقة على وقوع انتهاكات.
جنوب أفريقيا: رفض الاتهامات غير المدعومة بأدلة
وشددت جنوب أفريقيا، في بيان سفيرها فوسيموزي مادونسيلا، على أن الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية يجب أن تخضع لتحقيقات محايدة وموضوعية تستند إلى أدلة موثوقة، بدلاً من الاستناد إلى المواقف السياسية. وأكدت أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية هي الجهة المختصة بالنظر في مسائل امتثال الدول للاتفاقية، وحذرت من أن الاتهامات غير المثبتة قد تقوض مصداقيتها.
وشجعت جنوب أفريقيا السودان على مواصلة تحقيقاته الوطنية بشأن الاتهامات، ودعته إلى طلب مساعدة فنية والاستعانة بالأمانة الفنية للمنظمة عند الحاجة لجمع الأدلة والتحقق منها، بما يسمح بالتوصل إلى نتائج موضوعية.
فرنسا: السودان ضمن بؤر القلق بشأن عودة الأسلحة الكيميائية
وحذرت فرنسا، في بيان وفدها، من مخاطر عودة استخدام الأسلحة الكيميائية في النزاعات، مشيرة إلى وجود اتهامات مقلقة في مناطق مختلفة من العالم، ومن بينها السودان. وأكدت ضرورة تمكين المنظمة من أداء مهامها بصورة فعالة وعادلة تجاه جميع الدول الأطراف، مع الحفاظ على قوة آليات التحقق والرقابة.
الضغوط الدولية تتزايد
وأعربت بلجيكا، في بيان مندوبها الدائم السفير ووتر ديتافيرنييه، عن قلقها إزاء الادعاءات المتعلقة باستخدام الجيش السوداني قنابل تحتوي على الكلور خلال الحرب.
وكانت موريتانيا وتشاد وبنين قد تقدمت في يونيو 2025 بطلبات رسمية إلى المجلس التنفيذي، بموجب الفقرة الرابعة من المادة التاسعة، للحصول على إيضاحات من السودان بشأن تقارير استخدام أسلحة كيميائية، بينما دعمت غينيا بيساو هذه الخطوة.
وتنص المادة التاسعة على حق أي دولة طرف في مطالبة المجلس التنفيذي بالحصول على إيضاحات من دولة أخرى عندما تكون هناك أوضاع غامضة أو مخاوف من احتمال عدم الامتثال للاتفاقية، كما تتيح الاتفاقية، عبر آليات أخرى، الانتقال إلى إجراءات تحقق أكثر تقدماً، بما في ذلك التحقيق في الاستخدام المزعوم وإجراء عمليات التفتيش، وفق الشروط والإجراءات المنصوص عليها.
ويعكس تعدد المداخلات التي تناولت السودان في هذه الدورة واحدة تصاعد الاهتمام الدولي بالاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية، ويوضح أن نفي “سلطة بورتسودان” للاتهامات وإجراء تحقيق داخلي لم يكونا كافيين لإغلاق الملف أو الحد من تداوله دولياً. فقد انتقلت القضية الآن إلى مستوى أوسع من النقاش الدبلوماسي الرسمي، مع تزايد المطالبات بتقديم توضيحات ونتائج تحقيقات قابلة للتحقق.
ورغم اختلاف الدول في تقييمها للاتهامات، فقد برزت في مواقف العديد منها ثلاثة عناصر مشتركة: خطورة المزاعم المطروحة، والحاجة إلى معالجة أكثر شفافية، وأهمية التعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وتمكينها من ممارسة اختصاصاتها بما يضمن إجراء تقييم موضوعي وشفاف للاتهامات بعيداً عن التجاذبات السياسية وتبادل النفي والتأكيد في السجال السياسي. ولا تقتصر أهمية التحقيق على إثبات صحة الاتهامات أو نفيها، بل تمتد، في حال ثبوتها، إلى تحديد المسؤولين عن إصدار الأوامر وتنفيذها وفتح الطريق أمام مساءلتهم قضائياً وفق القانون الدولي، بما يضمن عدم إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب.