لـ(ديسمبر) كلمة

بين أكتوبرَين

 

في التاريخ السوداني، يحمل شهر أكتوبر دلالة رمزية عميقة ومعقدة. فهو ليس مجرد شهر يمر كغيره من الشهور، بل شاهد على أن إرادة السودانيين عندما تتوحد فهي قادرة على إعادة كتابة التاريخ.

قبل اثنين وستين عاماً، أطاحت انتفاضة شعبية عارمة بالحكم العسكري الأول، لتكتب أول صفحة تسقط فيها حكومة عسكرية بإرادة المدنيين، وهو ما أعاد السودانيون تكراره في أبريل 1985 وأبريل 2019. وبعد سبعة وخمسين عاماً على الثورة الأولى، وتحديداً في أكتوبر 2021، شهدت البلاد مرة أخرى انقلاباً عسكرياً قوض عملية الانتقال المدني الديمقراطي وقطع الطريق أمام تحقيق أهداف ثورة ديسمبر المجيدة.

هذا التناقض بين “الثورة” و”الانقلاب” يجعل من أكتوبر السوداني ليس فقط نقطة بداية ونهاية، بل مرآة تعكس الصعوبات والتعقيدات التي تواجهها البلاد في مسيرتها نحو بناء دولة مدنية ديمقراطية.

في 21 أكتوبر 1964، خرجت الحشود لتجبر الجنرال إبراهيم عبود على التنحي وحل المجلس الأعلى للقوات المسلحة والحكومة. وقد ألهمت هذه الثورة أجيالاً لاحقة رغم أن “الإنجاز الثوري” كان قصير الأجل؛ إذ سرعان ما أُجهض التغيير الذي طمح إلىه الشعب، مما جعل ثورة 1964 بالنسبة للكثيرين درساً مؤلماً في “الثورة التي اختطفتها السياسة”.

بعد أكثر من نصف قرن، أصبح أكتوبر مرة أخرى نقطة تحول في التاريخ السوداني، لكن هذه المرة في الاتجاه المعاكس. ففي 25 أكتوبر 2021، مزق قائد الجيش، الفريق عبدالفتاح البرهان، وحليفه في ذلك الوقت قائد قوات الدعم السريع، الفريق محمد حمدان دقلو، الوثيقة الدستورية وأعلن حل الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك واعتقال عدد من القادة المدنيين.

لكن هذه الردة على ثورة ديسمبر المجيدة قوبلت على الفور برفض واسع من الشارع السوداني. وشهدت البلاد احتجاجات شبه يومية، قوبلت بالقمع، مما أسفر عن سقوط أكثر من 200 شهيد ومئات الجرحى وآلاف المعتقلين، وفشل الانقلاب في تحقيق أهدافه أو حتى تشكيل حكومة بديلة، واضطر قائد الجيش للعودة إلى مائدة التفاوض مع المدنيين وتوقيع الاتفاق الإطاري الذي اندلعت حرب الإسلاميين لتقطع الطريق أمام تنفيذه.

ومثلما أثبتت ثورة 1964 أن الشعب السوداني يمتلك الشجاعة والإرادة للإطاحة بالاستبداد، جاءت مقاومة انقلاب 21 أكتوبر 2021 لتؤكد رفض الشارع منح أي شرعية للعسكريين، وتمسكه بشعارات الثورة: “حرية سلام وعدالة… مدنية خيار الشعب”.

ويأتي شهر أكتوبر هذا العام، والسودانيون يواجهون محنة الحرب، يطحنهم الجوع والمرض ويعانون من غياب الخدمات الأساسية في غياب أي أفق لوقف الحرب وفي ظل تصعيد عسكري أصبح المدنيون هدفه الرئيسي.

لذا تصبح وحدة السودانيين، كما عرفناهم، هي الطريق الوحيد لمواصلة الضغط على أطراف الحرب من أجل إيقافها واستعادة المسار الانتقالي المدني الديمقراطي.

لا للحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *