تقرير للمرصد السوداني للشفافية والسياسات يرصد ثغرات الإنفاذ ومسارات تمويل الحرب
تقرير خاص: (ديسمبر)
تتوالى حزم العقوبات الغربية على أطراف الحرب في السودان، فيما تعيد الشبكات المالية والتجارية المرتبطة بالقوات المسلحة وقوات الدعم السريع ترتيب أنشطتها، مستعينةً بشركات واجهة وروابط تجارية إقليمية للحد من أثر القيود. وتكشف هذه الديناميكية عن سباق بين قرارات تستهدف مصادر تمويل الحرب وشبكات تسعى إلى إبقاء الأموال والسلع متدفقة نحو أطراف النزاع.
بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في أبريل 2023، يواجه الإنفاذ الغربي اختباراً يتجاوز إدراج الأفراد والشركات على القوائم السوداء إلى تتبّع الهياكل التجارية والمالية التي تتيح استمرار أنشطتها عبر الحدود. فكلما أعادت هذه الشبكات تنظيم معاملاتها ووسّعت دائرة الوسطاء، ازدادت صعوبة تحويل العقوبات من قرارات قانونية إلى ضغط فعلي على اقتصاد الحرب.
ويكشف تقرير (المرصد السوداني للشفافية والسياسات) عن أنماط تكيّف تستند إلى الذهب والتجارة العابرة للحدود والعلاقات الإقليمية. وتتمثل المعضلة الأساسية في قدرة الشبكات على مواصلة أنشطتها عبر كيانات ومسارات بديلة، بينما تتطلب الإجراءات القانونية والرقابية وقتاً وتعاوناً بين الدول. وهكذا، يتوقف أثر العقوبات على قدرة الجهات المعنية على تتبّع الأموال والسلع والملكية الفعلية، وإنفاذ القيود خارج حدود الدول التي فرضتها.
سباق التكيّف
خلال العقد الماضي، اتجهت العواصم الغربية إلى العقوبات الموجَّهة باعتبارها بديلاً أقل ضرراً من العقوبات الشاملة. لكن استهداف الشركات والأفراد لم يمنع الشبكات المرتبطة بطرفي الحرب في السودان من إعادة تنظيم أنشطتها؛ إذ تشمل الأساليب التي يرصدها التقرير نقل الأصول، وتغيير الولايات القضائية، وإنشاء كيانات بديلة، والاستعانة بوسطاء وشركات لا تشملهم العقوبات مباشرة.
وتظهر هذه القدرة على التكيّف في الأنشطة التجارية المرتبطة بالجيش، حيث يورد التقرير شركات مثل «زادنا العالمية» و«ريد روك للتعدين» في سياق مناقشة العلاقات التجارية والاستثمارية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، بما يشمل قطاعات الزراعة والتعدين ومشروعات إعادة الإعمار. كما يشير إلى كيانات وقنوات تجارية أخرى، من بينها «الاتجاهات المتعددة» ومجموعة «إيدج» و«الشركة المصرية السودانية»، ضمن شبكة من العلاقات التي تتيح استمرار المعاملات عبر مسارات تجارية متعددة.
ويمتد التكيّف إلى سلاسل الإمداد العسكري؛ إذ يمكن اللجوء إلى أسواق بديلة في آسيا والشرق الأوسط، أو استيراد مواد ذات استخدام مزدوج، مثل القوالب النحاسية، تدخل في عمليات التصنيع المحلي للذخائر. وتزيد هذه الأنماط صعوبة التتبّع، لأن الرقابة لا تتعلق بشحنات الأسلحة وحدها، وإنما تشمل الموردين والوسطاء والمكوّنات التي تمر عبر حلقات تجارية متعددة قبل وصولها إلى المستخدم النهائي.
وتكشف هذه الأساليب عن حدود الاعتماد على قوائم العقوبات وحدها. فإدراج شركة أو فرد قد يقيّد معاملاتهما المباشرة، لكن الشبكات تستطيع إعادة توزيع أنشطتها عبر كيانات ووسطاء جدد، ما يوسع الفجوة بين القرارات القانونية والنتائج على الأرض.
شبكات الواجهة
في الجانب المرتبط بالقوات المسلحة السودانية، تبرز «منظومة الصناعات الدفاعية» بوصفها جزءاً من شبكة اقتصادية تتجاوز التصنيع العسكري إلى أنشطة تجارية واستثمارية أوسع. ويثير تداخل المصالح العسكرية والتجارية تحدياً أمام الجهات الرقابية التي تحاول تحديد مسارات التمويل والملكية والسيطرة الفعلية على الشركات المرتبطة باقتصاد الحرب.
وقد استهدفت عقوبات أمريكية وبريطانية وأوروبية كيانات مرتبطة بالاقتصاد العسكري السوداني. غير أن إدراج شركات بعينها لا يعني بالضرورة توقف الأنشطة التي كانت تموّلها أو تدعمها؛ إذ يتوقف الأثر العملي على طبيعة العلاقات بين الكيانات المستهدفة، وقدرة السلطات على تتبّع أصولها ومعاملاتها، ومدى التزام الشركاء التجاريين بالقيود.
ويورد التقرير «زادنا العالمية» و«ريد روك للتعدين» ضمن الأسماء التي يناقشها في هذا السياق، مشيراً إلى أنشطة تجارية واستثمارية في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش، تشمل قطاعات مثل التعدين والبنية التحتية وإعادة الإعمار. كما يسلّط الضوء على علاقات تجارية وكيانات غير مدرجة على قوائم العقوبات، من بينها «الشركة المصرية السودانية للتنمية والاستثمار المتعدد»، و«الاتجاهات المتعددة»، و«مجموعة تنمية الصادرات»، باعتبارها مسارات تستحق التدقيق ضمن شبكة العلاقات الاقتصادية المرتبطة بالحرب.
وتبرز أهمية هذه العلاقات في قدرتها على إبقاء المعاملات التجارية قائمة عبر شركاء وكيانات مختلفة، بما يعقّد تتبّع الأصول وتحديد المستفيدين النهائيين. فالشركة المستهدفة قد تختفي من واجهة المعاملة، بينما تستمر حركة السلع والأموال عبر شبكة أوسع من الموردين والوسطاء.
ويمتد التحدي إلى سلاسل التوريد العسكرية، حيث يمكن للمعدات الصناعية والمكونات الإلكترونية والمعادن أن تُستخدم في أغراض مدنية وعسكرية على السواء. ويصعب رصد تحويل هذه السلع إلى استخدامات عسكرية عندما تمر عبر وسطاء وشركات متعددة، ما يجعل التحقق من مصدر التمويل والمستخدم النهائي والجهة المستفيدة جزءاً أساسياً من الإنفاذ.
سيولة الذهب
في المقابل، تستند الشبكات المرتبطة بقوات الدعم السريع إلى مصدر تمويل أكثر مرونة: الذهب، الذي يمكن تداوله ونقل عائداته عبر قنوات تتجاوز النظام المصرفي الرسمي. فعلى الرغم من العقوبات المفروضة على قادة، بينهم حميدتي وعبد الرحيم دقلو والقوني دقلو، وعلى شركات من بينها «الجنيد»، يشير التقرير إلى استمرار أنشطة استخراج الذهب من مناطق مثل سونقو، ونقله عبر مسارات متعددة الوسائط ومراكز تجارية في شرق أفريقيا.
ووفقاً للتقرير، تتيح هذه المسارات تحويل عائدات الذهب إلى موارد مالية تُستخدم في شراء المعدات والطائرات المسيّرة عبر وسطاء تجاريين. ويعني ذلك أن تتبّع الشركات المدرجة على قوائم العقوبات لا يكفي وحده لفهم حركة الأموال، ما دامت حلقات الاستخراج والنقل والتسويق والتحويل المالي موزعة على أطراف وأسواق متعددة.
وتتطلب ملاحقة هذه التدفقات تحديد مسارات الذهب وعائداته، والتحقق من الوسطاء والمستفيدين النهائيين، وتعزيز التعاون بين جهات الرقابة في الدول التي تمر عبرها المعاملات. فكلما ظلت هذه الحلقات خارج نطاق التتبع المنسق، احتفظت الشبكات بفرصة لإعادة ترتيب معاملاتها ومواصلة تأمين الموارد التي تحتاج إليها.
عبء المدنيين
لا تقتصر تداعيات العقوبات على محدودية قدرتها على تعطيل تمويل الحرب؛ فقد تمتد إلى المدنيين عبر ما يُعرف بـ«الامتثال المفرط»، حين تلجأ المؤسسات المالية إلى تجنّب معاملات مرتبطة بالسودان خشية مخالفة القيود المفروضة. وينعكس هذا الحذر في ارتفاع كلفة التحويلات، وتأخر المدفوعات، وتعقيد وصول بعض المنظمات الإنسانية إلى التمويل اللازم لعمليات الإغاثة.
وتتداخل هذه المخاوف مع اضطراب النظام المصرفي السوداني، ومخاطر الحرب، وتراجع الثقة في المؤسسات المالية. وقد تتحمل المنظمات الإنسانية والشركات المدنية تكاليف إضافية نتيجة إجراءات التدقيق أو رفض بعض المعاملات، حتى عندما تكون مشروعة.
في المقابل، تستطيع الشبكات غير الرسمية الاعتماد على النقد والذهب والوسطاء وشبكات الحوالة، بما يقلل اعتماد بعض أنشطتها على القنوات المصرفية الخاضعة لرقابة أشد. وتكشف هذه المفارقة عن تفاوت في أثر القيود بين الفاعلين الاقتصاديين: فقد تواجه المؤسسات المدنية صعوبات في الوصول إلى التمويل، بينما تتمكن شبكات مرتبطة بالحرب من البحث عن مسارات بديلة، وإن كانت أكثر كلفة أو أقل شفافية.
وتشير بيانات النزاعات، بما فيها بيانات مشروع مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED)، إلى اتجاهات العنف وتوزّعه الجغرافي والزمني، فيما يتطلب تقييم أثر العقوبات دراسة العلاقة بين توقيت فرضها، والتغيرات في مصادر التمويل، وسلوك الأطراف المعنية. ويظل تقييم فاعليتها مرتبطاً بقدرتها على تقييد الموارد التي تغذي الحرب، إلى جانب الحد من تداعياتها على المدنيين.
من العقوبات إلى الإنفاذ
تُظهر الحالات التي يناقشها التقرير أن جعل العقوبات أكثر فاعلية يتطلب الانتقال من استهداف الأسماء إلى تتبّع الشبكات المالية والتجارية التي تتيح استمرار التمويل والإمداد عبر الحدود. ويشمل ذلك فحص الشركات التابعة والمشاريع المشتركة والواجهات اللوجستية، والتحقق من الملكية المستفيدة والسيطرة الفعلية ومصادر التمويل، وتوسيع الرقابة لتشمل الوسطاء الذين يتيحون استمرار المعاملات عبر كيانات بديلة.
ويمتد التحدي إلى التنسيق الإقليمي والدولي، إذ تمر بعض مسارات التجارة والذهب والتحويلات المالية عبر دول وسيطة في مصر والخليج وشرق أفريقيا. ويستدعي ذلك تعزيز تبادل المعلومات وتنسيق إجراءات التحقق من العملاء والملكية المستفيدة، إلى جانب تشديد الرقابة على المعاملات عالية المخاطر وشحنات الموارد والسلع ذات الاستخدام المزدوج. فاختلاف معايير الرقابة بين الدول يتيح نقل المعاملات إلى مسارات أقل تدقيقاً، ويصعّب تحديد المستفيد النهائي.
وفي ملف التسليح، يطرح التقرير توسيع النطاق الجغرافي لحظر الأسلحة الأممي المفروض على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، إلى جانب تعزيز الرقابة على المواد والمكونات ذات الاستخدام المزدوج التي قد تدخل في تصنيع الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة. ويتطلب ذلك تحركاً دبلوماسياً ضمن الأطر الأممية المختصة، وتحسين تتبّع سلاسل التوريد والتحقق من الاستخدام النهائي للمواد المستوردة.
وفي الوقت نفسه، يحتاج الإنفاذ إلى ضمانات تحد من الآثار غير المقصودة على المدنيين. ويشمل ذلك توجيهات واضحة للمؤسسات المالية بشأن المعاملات الإنسانية المسموح بها، وقنوات عملية لمعالجة المدفوعات المتعثرة، بما يساعد على تطبيق القيود على الجهات المستهدفة من دون إغلاق المسارات المالية التي تعتمد عليها جهود الإغاثة.
وتظل العقوبات أداة ضغط ضمن مسار أوسع، لا بديلاً من الجهود الرامية إلى وقف القتال والتوصل إلى تسوية سياسية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. فاستدامة الحرب ترتبط أيضاً بمصالح اقتصادية وسياسية تستفيد من استمرارها، ما يجعل معالجة مصادر التمويل جزءاً من جهد أشمل لإنهاء النزاع ومنع توظيف الموارد الاقتصادية في إطالته.
في السودان، تُقاس فاعلية العقوبات بقدرتها على تعطيل قنوات التمويل والإمداد التي تتيح استمرار الحرب، لا بعدد الأسماء المضافة إلى القوائم السوداء. ويتطلب ذلك إنفاذاً منسقاً يتتبع الأموال والسلع والوسطاء عبر الحدود، ويحد من قدرة الشبكات على إعادة بناء معاملاتها، مع حماية الاقتصاد المدني من التداعيات غير المباشرة. وبينما تتراكم القرارات في العواصم الغربية، يظل الاختبار الفعلي هو ما إذا كانت هذه الإجراءات ستحد من الموارد المتاحة لأطراف النزاع، أم ستبقى شبكات الحرب قادرة على التكيّف فيما يدفع السودانيون كلفة استمرار القتال.