نبيل أديب.. دعوة مهترئة

تقرير: (ديسمبر)

نبيل أديب المحامي صاحب قدرة خارقة على التعامي عن القضايا الجوهرية، ولو كانت تلك القضايا بين يديه وتقع تحت مسؤوليته المباشرة. وهذه القدرة الخارقة تدفعه للتناقض وعدم الاتساق في مرات كثيرة. ومع الوقت، حاز ميزة أخرى، وهي أن يفعل ما لا يتسق مع تاريخه القانوني المهني أو تاريخه المدني السياسي، خاصة أن تاريخ أديب ارتبط في العمل العام بالحزب الشيوعي السوداني وصحيفة (الميدان) والدفاع عن الحريات وحقوق الناشطين الديمقراطية في القول والفعل. ولن نترك ما ورد في هذه المقدمة دون أدلة واضحة وصريحة.

إن لجنة التحقيق في جريمة فض اعتصام القيادة العامة ستظل قطعًا هي المهمة التي ستلاحق أديب زمنًا طويلًا، وتضعه في موضع الشبهات بالتواطؤ مع المجرمين، لجهة أن شراكة الجيش وقوات الدعم السريع والمسؤولية عما جرى لا يمكن التعامي عنها. ويكفي أن الجريمة وقعت أمام قيادة الجيش والدعم السريع، والمسؤولية التقصيرية في جريمة تطلّب ارتكابها ساعات طويلة تضعهم في خانة المتهم الأول. وأكثر من ذلك تصريح القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان بعد الحرب، عندما قال: “الدعم السريع قام بفض الاعتصام”. وإن كان نبيل مهنيًا صارمًا، لحمل أوراقه وأجهزة تسجيله، وتوجّه إلى حيث البرهان، ووجّه له أسئلة مباشرة من شاكلة: “ما هي أدلتك على ما تقول؟ وماذا كان دورك أو موقفك وأنت قائد الجيش والمسؤول عن الدعم السريع وحماية الناس، كما تردد دائمًا؟ ولماذا صمتَّ طوال الفترة الماضية عن قول الحقيقة يا قائد؟”.

 

الديمقراطي.. “ترزي العسكر”

ولكن نبيل، الذي اقترب من البرهان للدرجة التي امّحى معها خط المهنية، لم يقوَ على ذلك. شاهد آخر شديد الوضوح يتعلق بتاريخ الرجل الديمقراطي، وهذا الشاهد يتعلق بانقلاب 25 أكتوبر 2021. وهنا سأحيلكم إلى إجابة أديب عن سؤال من الصحفية مشاعر أحمد في صحيفة (السوداني) في ديسمبر 2021، عندما سألته عما جرى في 25 أكتوبر من نفس العام، قال أديب: “ما حدث في 25 أكتوبر انقلاب ويمثل نكسة خطيرة في سير الفترة الانتقالية”. ومن الاتساق أن يدافع القانوني أديب والديمقراطي عن القوى المدنية التي جرى الانقلاب عليها، غير أنه اختار الانحياز إلى العسكر، وبات يقترب منهم ويتقرب إليهم كل يوم أكثر، إلى أن أصبح مستشار الانقلابيين رسميًا، (يفصّل) القوانين ويخيطها كيفما يناسب مقاس بقائهم في السلطة، على الرغم من أنه يقول إن ما جرى هو “انقلاب”.

مؤخرًا، وفي إطار التلاعب بالفضاء المدني للحد الأقصى، اقترح نبيل ورفاق له على الفريق البرهان إجراء حوار سوداني – سوداني، أو ربما جاء الاقتراح من علاء الدين محمد عثمان، مدير مكتب البرهان، ولا فرق يُذكر في كلتا الحالتين. غير أن إطلاق الحوار ينبغي أن تهيأ له البيئة السياسية، التي جرى تقييدها قانونيًا في وقت سابق، وفي إطار ذات التلاعب، عندما فُتحت بلاغات جنائية ضد سياسيين وصحفيين وناشطين في سياق تخوينهم واتهامهم بالتماهي مع الدعم السريع.

وهنا تأتي مهمة نبيل أديب، الذي عليه أن يغضّ الطرف عن الانقلاب والانفراد بالسلطة، والأهم من ذلك أن يتعامى عن البيئة القانونية التي دُوّنت فيها البلاغات، وأن يبحث عن مواءمة تُقدَّم عن طريقها الدعوة للمدنيين للمشاركة في حوار البرهان، بغية قيامه، وتجميد ملاحقتهم بتهمة إشعال الحرب والخيانة والعمالة والتعاون مع الدعم السريع. إلا أن القانوني في بلاط الانقلابيين وجد توليفة تعطل العدالة إلى حين تحقيق رغبة البرهان، وهي في الحقيقة توليفة تخيف المدعوين للحوار أكثر من كونها تطمئنهم.

 

دعوة مهترئة.. حصانة مؤقتة

التصريح الذي أدلى به أديب قبل يومين يشرح نفسه، ويؤكد كل ما جاء سابقًا، ويوضح بجلاء أين يقف أديب اليوم من القانون ومن الديمقراطية، والأهم من ذلك، من عسكر الجيش الانقلابيين. وجاء التصريح نصًا: “أوضح القانوني نبيل أديب، عضو لجنة تهيئة الحوار السوداني، أن الحصانة الإجرائية للمشاركين في الحوار –وفقًا لقرار مجلس السيادة رقم (363) لسنة 2026– هي حصانة مؤقتة تبدأ عند دخول المشارك إلى البلاد وتنتهي قبل اختتام الحوار، ولا تسقط أصل الحق في البلاغات الجنائية المرتبطة بالآراء السياسية”.

وفي حالة الأوضاع الطبيعية، لا كالتي يعيشها السودان من انفراد البرهان ومن معه من عسكريين بالسلطة، فإن نظام الحصانات الإجرائية يقدح في مبدأ رئيسي –يعلمه نبيل أكثر من غيره–، وهو المساواة أمام الإجراءات القانونية. ومعلوم أيضًا علاقة العدالة بالوقت، ويعلم أديب كذلك أن التوسع في الحصانات الإجرائية يضعف القضاء للحد البعيد، خاصة في ظروف بلد في قبضة جنرال دكتاتور مزّق وثيقة الحكم، باعتراف نبيل نفسه.

لكن ما يستحق الانتباه في تصريح نبيل، ويبعث على الخوف أكثر من الطمأنينة، أن الحصانة الإجرائية للمشاركين في الحوار تأتي “وفقًا لقرار مجلس السيادة رقم (363)”، وقطعًا، من يمنح الحصانة الإجرائية يملك حق رفعها أو تعطيلها. وبطبيعة الحال، من يمنح الحصانة للمشاركين في الحوار خصم سياسي لهم. وبعيدًا عن الانقلاب عليهم في 2021، يكفي ما يصرح به البرهان كلما وجد حشدًا، وأمس الأربعاء في مدينة حلفا بشمال السودان، قال من يمنح الحصانة الإجرائية: “لا مكان لحمدوك وقحت هنا”.

فهل ينتظر نبيل بعد هذا التصريح أن يطمئن حمدوك وقحت وغيرهما من السياسيين إلى (الحصانة الإجرائية) التي تفتق عنها ذهنه، وبات يبشر بها صباح مساء في الوسائط الإعلامية؟ وإن شئت الدقة، هل يثق نبيل أديب في هذه الحصانة، وفقًا للتعقيدات التي تكتنفها؟.

يكفي أن يكون مانح الحصانة خصمًا سياسيًا.

 

متى تنتهي الحصانة؟

ما جاء في نص تصريح أديب: “تنتهي الحصانة قبل نهاية الحوار”. بمعنى آخر، حصانة البرهان الإجرائية ستسمح لك بدخول البلاد للمشاركة في الحوار، لكنها لن تضمن لك الخروج، فهي ستنتهي قبل نهاية الحوار. ولكن السؤال الذي تعامى عنه أديب في حملة تعاميه الفادحة: من سيحدد نهاية الحوار؟ البرهان أم المتحاورون؟ وهل على المشاركين الإذعان لمخرجاته حتى يضمنوا التمتع بالحصانة الإجرائية أطول فترة ممكنة؟.

هذه الأسئلة وغيرها، إن لم يتمتع نبيل ورفاقه بالشجاعة الكافية للإجابة عليها، مستصحبين طبيعة السلطة القائمة، فإنها لن تغري أحدًا بالمشاركة في الحوار المزعوم، إلا إن كان يجلس في صف نبيل والبرهان، ولا حاجة له إلى حوار أو اتفاق، لكونه متفقًا أصلًا.

 

لا ننتظر نبيل

منذ أن شرع نبيل ورفاقه في تكييف حوار البرهان السوداني – السوداني قانونيًا، ومخاطبة أفراد في قروبات الواتساب ليكونوا لجنة له، كان للسياسيين الرافضين لاستمرار الحرب والمطالبين بالحكم الديمقراطي رأي واضح في الحوار ولجنته، وقالوا في مناسبات عديدة: “لا ننتظر حصانة نبيل والبرهان للعودة للسودان”، مؤكدين أن حوار نبيل والبرهان يندرج تحت خطة شراء الوقت التي ظل البرهان يدمنها منذ أن جلس في مقعد الرجل الأول بعد نجاح الثورة في الإطاحة بقائده عمر البشير. وهذا يفسر التناقض الذي يلازم تصريحات البرهان، وأمس الأربعاء، بعد أن قال: “حمدوك وقحت ما بجوا هنا تاني”، قال أيضًا: “قحت وحمدوك يجوا هنا في الداخل مرحبًا بهم، ولا يأتوا بالبندقية من الخارج”. وتصريحات البرهان في حد ذاتها تجعل من الحصانة المؤقتة إجراءً بلا قيمة.

 

هل نجح نبيل ورفاقه؟

من يطلع على تصريحات أديب ببصيرة سياسية وقانونية يجدها تدفع السياسيين والقوى المدنية المخالفة للبرهان إلى عدم المشاركة أكثر من حملهم على الاندماج في الحوار. وليس من المستبعد أن من تنادوا للحوار جلهم أو بعضهم يتوافق مع خطة شراء الوقت التي يتبناها البرهان. وبحسب مصادر، فإن فكرة الحوار أو إطلاق المشاورات مع شخصيات عامة بشأنه كانت من علاء الدين محمد عثمان، مدير مكتب البرهان الشهير، والمحامي نبيل أديب، والموظفة الأممية السابقة عائشة فاروق البرير. ونجح هؤلاء في تجميع شخصيات بمواصفات محددة في مجموعة واتساب، على رأسهم البروفيسور قاسم بدري، والدكتور الواثق كمير، وبروفيسور نعمات الزبير، إلا أن الأخيرة تقدمت باستقالة بعد إعلان اللجنة، والصحفي عثمان ميرغني، وعضو الحزب المحلول المؤتمر الوطني مهند صديق، الذي تولى منصب نائب أمين قطاع العلاقات الخارجية ورئاسة دائرة أفريقيا بالمؤتمر الوطني.

والجدير بالذكر أن كثيرًا من أعضاء اللجنة آثروا الانزواء منذ إعلان أسمائهم ضمن عضوية اللجنة، من بينهم الدكتور منزول عسل وعائشة البرير، رغم أنها من المؤسسين، فضلًا عن استقالة بروفيسور نعمات الزبير، مع استمرار اللجنة في مقابلة قوى سياسية وناشطين ليسوا ببعيدين عن البرهان والجيش المسيطر على السلطة، إضافة إلى لقاءات مع المجتمع الإقليمي والدولي. لذا علينا أن نطرح سؤالًا جوهريًا هنا، وهو: هل نجح أديب ورفاقه في اللجنة في دعم خطة وسياسة شراء الوقت السادر فيها البرهان والجيش؟.

 

لن يحضر أحد يا نبيل

حصانة مؤقتة في يد الخصم السياسي، وتُهَم وبلاغات سياسية في يد نيابة الخصم السياسي، ولجنة تهيئة الحوار تخدم في قصر الانقلابيين منذ وقت ليس بالقصير، وتضمر العداء للقوى السياسية والمدنية الرافضة للحرب، في مقدمتهم رئيس اللجنة القانونية نفسه، نبيل أديب، الذي قَبِل أن يساند ما يرى أنه انقلاب، ويخدم في مكتب قائده، وإن لم يكن بشكل معلن. وأكثر من ذلك، صمت عند اعتقال السياسيين والناشطين وحتى المحامين، ولم يجرؤ على انتقاد قائد الانقلاب البرهان، ثم التعامي عن الإجابات الحقيقية: هل ستقدمون الدعوة لـ”تأسيس”، الجناح السياسي للدعم السريع؟ أم سيكون حوار الأصدقاء؟ لذلك، لن يحضر أحد للمشاركة اعتمادًا على تطمينات وحصانات أديب المقلقة والمخيفة، ولن يلبي أحد تلكم الدعوة المهترئة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *