حصاد “البل” و”الجغم” بالأرقام
حال الوطن بعد 1000 يوم من الحرب
إعداد وتلخيص: (ديسمبر)
أكملت الحرب في السودان منذ اندلاعها في 15 أبريل 2023م يوم الجمعة 9 يناير 2026م 1000 يوم، حيث خلفت خلالها آثارًا كارثة ووخيمة على كافة الأصعدة؛ على مستوى الأفراد أو المؤسسات، في ظل وجود تداعيات ستكون ذات آثار كارثية مستقبلية، خاصة في الجوانب المرتبطة بالبنية التحتية والخدمات التعليمية والصحية والأضرار. ونسبة لاتساع وتمدد نطاق الحرب فإن الإحصاءات والتقديرات الحقيقية والكاملة غير متوفرة في الوقت الحالي، إلا أن المؤشرات العامة تقدم صورة قاتمة عن نتائج الحرب واستمرارها.
قدمت لجنة العمل الإنساني في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) تقريراً موجزاً حول لأوضاع العامة بعد مرور 1000 يوم من الحرب، استعرضت فيه أبرز الخلاصات التي ترتبت على الحرب خلال فترتها التي تجاوزت الـ(1000) يوم، وإكمالها في 15 أبريل القادم ثلاثة أعوام بالتمام والكمال، وهو ما ستقوم (ديسمبر) باستعراضه في الأسطر القادمة.

أزمة النزوح الأكبر
أوضح تقرير لجنة العمل الإنساني أن الأرقام والحقائق التي أفرزتها الحرب جعلت السودان مسرحاً لأكبر أزمة إنسانية، وأكبر حالة نزوح على مستوى العالم في الوقت الراهن. وحسب التقرير، فإنه مع مطلع العام 2026م فإن 12 مليون شخص فروا من منازلهم داخل السودان، وهو ما اعتبره التقرير يمثل إجمالي سكان عدد من الدول المجتمعة.
وطبقاً لتقديرات أجرتها صحيفة (ديسمبر)، فإن هذا الرقم يتجاوز العدد الإجمالي لسكان (الكويت وقطر ومملكة البحرين) مجتمعة، حسب تقديرات إحصاءات السكان فيها للعام الماضي، ويمثل ثلاثة أرباع إجمالي سكن هذه الدول الثلاث مجتمعة بالإضافة لسلطنة عمان والتي تمثل وفقاً لإجمالي سكانها مجتمعة، وفقاً لتقديرات العام 2025م، حوالي 15 مليون وستمائة وسبعين ألف نسمة، في ما قُدر عدد السودانيين/ السودانيات الفارين من منازلهم بـ12 مليون شخص.
عبر 4.3 مليون شخص الحدود باللجوء لدول أخرى، بعضها حدودية مع السودان وأخرى يتم الوصول إليها بعد تجاوز الدولة الحدودية ممثلة في (تشاد/ مصر/ جنوب السودان/ أوغندا/ ليبيا/ إثيوبيا/ كينيا)، بجانب دول أخرى. وأظهر التقرير حقيقة صادمة مفادها أن بين النازحين 5 ملايين طفل –أي ما يمثل 40% من العدد الكلي للنزوح واللجوء- وهو ما يمثل مخاطر وآثاراً كبيرة باعتباره يفضي لحرمان جيل كامل من الاستقرار وفرص التعليم.
في سياق متصل نجد أن التقرير قدم نماذج لدول اختار سودانيون اللجوء إليها سواء كانت حدودية أم غيرها. ولإكمال الصورة الكلية تشير (ديسمبر) لوجود دول أخرى مثلت ملاذاً للسودانيين، بعضها ضمن الجوار الحدودي ممثلة في (إريتريا وإفريقيا الوسطى)، بجانب عدد من دول الخليج العربي التي لجأت لتخفيف كثير من القيود الخاصة بالإقامات على أراضيها بما يسمح للسودانيين بالإقامة فيها كالسعودية والإمارات وقطر وسلطنة عمان.

انعدام الغذاء والمجاعة
أشار التقرير لحاجة نحو 30 مليون سوداني لمساعدات إنسانية عاجلة للبقاء على قيد الحياة. وطبقاً لآخر تقديرات سكانية للبلاد في العام 2023م قبل اندلاع الحرب فإن إجمالي عدد سكان السودان يبلغ حوالي 50 مليون نسمة، حيث يمثل العدد الذي يحتاج المساعدات العاجلة حوالي 60% من إجمالي السكان. أما الذين يعانون من الجوع الشديد فقدروا بحوالي 25 مليون شخص يمثلون وفقاً لتك التقديرات 50% من عدد السكان، منوهاً لتسجيل حالات وفاة بسبب الجوع في مناطق بدارفور والخرطوم وكردفان. كما أظهرت التقييمات أن نصف الأطفال الصغار في شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد كأعلى المعدلات المسجلة عالمياً.
رغم الواقع المتردي المذكور سابقاً فإن إيصال المساعدات الإنسانية يواجه عقبات بيروقراطية وأمنية، بالإضافة إلى استهداف العاملين في المجال الإنساني. أما الجهود المحلية لسد فجوة الغذاء، من خلال غرف الطوارئ والمطابخ المركزية (التكايا)، فإنها تجابه مخاطر الانهيار بسبب تقلص التمويل إلى النصف بنسبة 50%، مع إصدار السلطات قرارات أمنية بإغلاق (التكايا)، وهو ما سيترتب عليه في حال استمراره وقفها، وبالتالي حرمان ملايين الناس المعتمدين عليها من الخدمات التي توفرها.
بالنظر لكل ما سبق لا نجد خلال اطلاعنا على محتوى التقرير مؤشراً يصلح لقياس وتأكيد خطل هذه الحرب أكثر مما ذكر سابقاً، بخصوص الأمن الغذائي وأرقامه الكارثة. فما نُظر إليه بوصفه سلة غذاء العالم؛ بموارده الزراعية والحيوانية، يواجه فيه أكثر من نصف سكانه مخاطر المجاعة، بل إن بعضهم يموت فعلاً بسبب المجاعة عوضاً عن سد حاجة العالم في الغذاء، إذ وجد السودانيون والسودانيات أنفسهم فاقدين للغذاء أو يموتون جوعاً ويسلجون أرقاماً غير مسبوقة في سوء التغذية على مستوى الأطفال.
خسائر وفقدان خدمات
أشار التقرير لوجود تقديرات تشير لمقتل حوالي 150 ألف شخص منذ بداية الحرب في أبريل 2023م، بجانب تصاعد العنف الجنسي والانتهاكات الجسيمة ضد النساء والأطفال في مناطق النزاع النشط بين أطرف الحرب.
ونوه في ذات الوقت إلى توقف أكثر من 70% من المستشفيات في المناطق المتضررة عن العمل، مع نقص حاد في الأدوية المنقذة للحياة وانتشار الأوبئة كالكوليرا والملاريا، مع توقف 25 مصنعاً عاملاً في صناعة وإنتاج الدواء، مع تعرض 74 منشأة صحية لهجمات مباشرة طيلة فترة نزاع الحرب، ولم يتبقَّ سوى 15% فقط من السكان بإمكانهم الوصول إلى خدمات صحية كاملة.
بالنسبة للتعليم فإن التقرير وصف الوضع بالقول: “يواجه السودان خطر ضياع كامل”. إذ توقفت الدراسة في معظم الولايات المتأثرة، وأورد إحصائية مفادها أن 88% من الأسر الحضرية لديها طفل واحد على الأقل توقف عن الدراسة تماماً منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م.
أظهرت الأرقام المنشورة بالتقرير تعرض 70% من البنية التحتية للخدمات في المدن الكبري للدمار، وتراجع نسبة الوصول إلى مياه الشبكة من 72% قبل اندلاع الحرب إلى أقل من 51% بعد اندلاعها. وبالنسبة للكهرباء فإن موثوقية الكهرباء تدهورت إلى 90% في معظم المناطق “مما أجبر السكان على الاعتماد على حلول بديلة ومكلفة وغير آمنة”، طبقاً لما ذكرت لجنة العمل الإنساني.
المشهد الاقتصادي
بعد انقضاء 1000 يوم من الحرب فإن معدلات البطالة تجاوزت الـ45% في الولايات المتأثرة بالصراع، بعدما سجلت حوالي 32% قبل الحرب في ذات تلك الولايات. وفقد حوالي 4.6 مليون مواطن وظائفهم، وهو ما يعادل نصف عدد العمالة في البلاد، وبات القطاع الصناعي في الخرطوم الأكثر تضرراً بانكماش إنتاجه بنسبة تزيد عن 50%.
تسببت هذه الأوضاع الاقتصادية في انخفاض متوسط دخل الأسرة بنسبة تقارب الـ42%، وهو ما ترتب عليه بعد استصحاب التضخم الجامح بالدفع بـ7.5 مليون شخص إضافي لدائرة الفقرة المدقع، ينضمون إلى الملايين الذين كانوا قابعين في دائرة الفقر المدقع. وهذا يعني، حسب تعداد سكان البلاد قبل الحرب، أن ما يعادل 15% من إجمالي سكان البلاد وخلال ثلاث سنوات دخلوا دائرة الفقر المدقع.
النتيجة المترتبة على هذه المعطيات الاقتصادية أشار لها التقرير في جزئية لاحقة بالإشارة إلى لجوء مئات الآلاف من الموظفين والمهنين السابقين (أطباء، مهندسين، معلمين..إلخ) للعمل في قطاعات أخرى غير رسمية وترك وظائفهم ومهنهم، كالعمل باعة متجولين أو في الزراعة البسيطة، بغرض تأمين لقمة العيش لأسرهم، بعد توقف صرف الرواتب في كثير من القطاعات الحكومية والخاصة.
في إطار تعضيد ما ذهب إليه التقرير بممارسة كثير من أصحاب المهن المختلفة لأخرى ذات طابع هامشي لتوفير لقمة العيش، تابعت (ديسمبر) مقطع فيديو بُث خلال هذا الأسبوع لأستاذ جامعي هو دكتور النور عبدالمجيد الذي بات يعمل بائعاً للخضار بولاية القضارف، رغم حصوله على درجة الدكتوراة بسبب توقف النشاط الأكاديمي والتعليمي بالسودان.

التدابير المطلوبة
دعا تقرير لجنة العمل الإنساني بتحالف (صمود)، الخاص برصد الأوضاع بعد مرور 1000 يوم من الحرب بالوطن، لاتخاذ حزمة من الإجراءات لتسهم في رفع كاهل المعاناة عن السودانيين، وتزيد من فاعلية الاستجابة الإنسانية، على رأسها إقرار الهدنة الإنسانية ووقف العدائيات، وفقاً لخارطة طريق “الرباعية” المعلنة ضمن بيان دول الرباعية الصادر في 12 سبتمبر الماضي.
وطالب بتوحيد وشمول العملية الإنسانية تحت إشراف الأمم المتحدة في كامل التراب السوداني ومناطق السيطرة المختلفة، وهو ما يتطلب، طبقاً لما ذكرته لجنة العمل الإنساني “من الأمم المتحدة ووكالاتها المعنية، خطوات عملية في ربط العملية الإنسانية في مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وحركة وجيش تحرير السودان قيادة عبد الواحد نور والحركة الشعبية – شمال قيادة عبد العزيز الحلو، بالاستناد إلى تجارب المنظمات الإنسانية في التعامل مع هذه الكوارث”، كما حدث في عملية (شريان الحياة) التي تولت توصيل المساعدات الإنسانية للمدنيين في مناطق الحرب بين أطراف الحرب الأهلية الثانية في السودان.
ودعا التقرير لتعيين منسق إقليمي للشؤون الإنسانية بسبب طبيعة الأزمة الإنسانية الراهنة التي امتدت تداعياتها إقليمياً، أسوة بتجارب مماثلة في كل من اليمن وسوريا، وشدد في ذات الوقت على عدم منح الشرعية لأيِّ طرف من الأطراف المتحاربة، لكون هذا الأمر سيترتب عليه “تحويل ملف الغوث الإنساني إلى سلاح سياسي”، وأضاف: “ليست هناك شرعية سياسية لأي طرف، لأن الحرب قامت بعد انقلاب عسكري نفذته أطراف الحرب أنفسهم على الوضع الدستوري في أكتوبر 2021م”.
وطالب التقرير كذلك بمعالجة الفجوة التمويلية، وأضاف: “ويأتي دور السودانيين في تنسيق الجهود الوطنية في اصطفاف وطني عريض يدعو العالم والإقليم إلى استجابة إنسانية تتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية”، بجانب تكوين تحالف وطني عريض لحماية المدنيين من كل المؤمنين بضرورة وقف الحرب من القوى المدنية الديمقراطية.
بعد مرور أكثر من 1000 يوم على الحرب ومضيها قدماً صوب عامها الثالث فإن تداعيات وآثار الحرب وكوارثها ما عادت بحاجة لكثير دليل لإثبات وقعها الكارثي على العباد والبلاد، بعدما أثبتت الأرقام والنتائج بأنها حرب “إذلال وامتهان للكرامة”، وأن “من يُبل ويُجغم فيها هم المواطنون المدنيون؛ حاضرهم ومستقبلهم”، وهو ما يستوجب المناداة بوقفها اليوم قبل الغد، وأنه آن الأوان لوضع حد تجاه هذه المعاناة ورفع الأصوات عالية “لا للحرب.. نعم للسلام”.