بقلم: صفاء الزين
حين تنتهي المذبحة، تبدأ معركة أخرى أشد تعقيدًا: كيف يستعيد المجتمع قدرته على الحياة، وكيف تستعيد الدولة معناها بعد انهيار المؤسسات، وتفكك الروابط الاجتماعية، وفقدان الناس الثقة في قدرتهم على العيش معًا؟.
رافقتني هذه الأسئلة في قراءة التجربة الرواندية، وهي تكتسب أهمية مضاعفة ونحن ننظر إلى السودان، الذي ألحقت الحرب بمؤسساته ومجتمعه أضرارًا عميقة، ودفعت الملايين إلى النزوح واللجوء، ووسعت دائرة الخوف وانعدام الثقة.
انتهت الإبادة الجماعية ضد التوتسي في رواندا عام 1994، لكن توقُّف القتل المنظَّم لم يكن نهاية الأزمة. وجدت البلاد نفسها أمام مجتمع مثقل بالفقد، واقتصاد مدمر، ومؤسسات حكومية فقدت جانبًا كبيرًا من قدرتها على العمل، ونظام قضائي يواجه أعدادًا هائلة من المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة. وانخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو النصف خلال عام 1994، وفق تقديرات البنك الدولي، فيما تضررت البنية التحتية، وتعطلت الأنشطة الإنتاجية، وتراجعت قدرة الدولة على توفير الخدمات.
تكشف هذه الصورة أن إعادة بناء الدولة بعد العنف الجماعي تتجاوز ترميم المباني وفتح المدارس والمستشفيات. فالمؤسسات تحتاج إلى استعادة قدرتها على تقديم الخدمات، والمجتمع يحتاج إلى استعادة شعوره بالأمان، والضحايا يحتاجون إلى الاعتراف بما تعرضوا له، فيما تتطلب العدالة آليات قادرة على كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.
إعادة بناء المؤسسات واستعادة حضور الدولة
تولت حكومة جديدة السلطة في رواندا بعد انتهاء الإبادة عام 1994، وواجهت مهمة إعادة تنظيم الدولة في ظروف استثنائية. وكانت الأولوية لاستعادة الأمن، وإعادة تشغيل المؤسسات العامة، وتوفير الخدمات الأساسية، وإنعاش الاقتصاد. واعتمد التعافي على المساعدات الدولية والاستثمار العام وإعادة تنظيم الإدارة الحكومية، إلى جانب سياسات هدفت إلى توسيع قدرة الدولة على الوصول إلى المجتمعات المحلية.
لكن التجربة تطرح سؤالًا يتجاوز كفاءة الإدارة: هل يكفي أن تنجح الدولة في تقديم الخدمات وتحقيق النمو الاقتصادي حتى نعدّها قد استعادت عافيتها السياسية؟.
يساعد الأداء الإداري القوي على تحقيق الاستقرار وتحسين الخدمات، لكنه يحتاج إلى مؤسسات مستقلة وقواعد تضمن المساءلة والمشاركة السياسية. وقد أثارت تقارير حقوقية تساؤلات بشأن حدود المجال السياسي في رواندا، والقيود المفروضة على المعارضة والإعلام المستقل، ومدى قدرة المؤسسات على ممارسة الرقابة الفعلية على السلطة.
وهنا ينبغي التمييز بين إعادة بناء جهاز الدولة وإعادة بنائها بوصفها عقدًا سياسيًا بين المواطنين ومؤسسات الحكم. فالأولى تتعلق بالقدرة على الإدارة والتنفيذ، أما الثانية فتتصل بالحقوق والشرعية والمساءلة العامة وحدود السلطة. وقد تنجح الدولة في الأولى، بينما تظل الثانية موضع اختبار.
الأمن شرط للحياة، وسيادة القانون شرط للثقة
واجهت رواندا بعد الإبادة تحديًا أمنيًا بالغ التعقيد. فقد احتاجت البلاد إلى منع تجدد العنف، وحماية السكان، وإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية. غير أن الأمن في المجتمعات الخارجة من الجرائم الجماعية يتجاوز السيطرة على السلاح؛ إذ يحتاج المواطن إلى ضمانات تحميه من الاعتقال التعسفي والتمييز والعنف، وتمنحه الثقة في أن القانون يسري على الجميع.
وتظهر أهمية هذه المسألة في السودان، حيث أضعفت الحرب مؤسسات الدولة، وأصبحت حماية المدنيين وتأمين الخدمات الأساسية من أشد التحديات إلحاحًا. ومع استمرار الانتهاكات واتساع دائرة النزوح، تتراجع ثقة قطاعات واسعة من السكان في قدرة المؤسسات القائمة على توفير الحماية والإنصاف.
لذلك، ينبغي أن تكون إعادة بناء المؤسسات الأمنية والقضائية في السودان جزءًا من تحول سياسي شامل، يقوم على إخضاع القوة للقانون، وإصلاح الأجهزة المتورطة في الانتهاكات، وإنشاء آليات مستقلة للتحقيق والمحاسبة. فالمؤسسة التي تعمل بكفاءة من دون رقابة قد تفرض النظام، لكنها تعجز عن تأسيس ثقة مستدامة بينها وبين المجتمع.
المصالحة تحتاج إلى الحقيقة والاعتراف
أدركت رواندا أن حجم الجرائم المرتكبة يجعل الاعتماد على المحاكم التقليدية وحدها مهمة بالغة الصعوبة. فقد تجاوز عدد المشتبه بهم مئة ألف شخص بحلول عام 2000، في وقت كانت فيه المحاكم تعاني نقصًا في القضاة والعاملين، وتواجه السجون اكتظاظًا شديدًا.
في هذا السياق، أُنشئت اللجنة الوطنية للوحدة والمصالحة عام 1999، ثم تطورت تجربة محاكم غاكاكا، التي استندت إلى تقاليد محلية في تسوية النزاعات، وأُعيد تنظيمها للتعامل مع قضايا الإبادة. بدأت الإجراءات عام 2002، ثم اتسع نطاق المحاكمات المجتمعية عام 2005. واستهدفت هذه المحاكم معالجة العدد الكبير من القضايا، وإشراك المجتمعات المحلية في إجراءات العدالة، وإتاحة المجال للكشف عن مصير الضحايا ومناقشة الجرائم أمام المجتمع.
نظرت محاكم غاكاكا في أكثر من 1.9 مليون قضية خلال سنوات عملها، وفق تقديرات منشورة عن التجربة، وشكلت إحدى أوسع المحاولات المجتمعية لمعالجة إرث الإبادة الجماعية. وأتاحت بعض إجراءاتها للمتهمين الاعتراف بجرائمهم، وطلب المغفرة، والخضوع لأحكام تضمنت، في حالات، خدمة المجتمع. كما أسهمت في كشف معلومات عن مصير بعض الضحايا، مع بقاء حصيلة التجربة موضع تقييم ونقاش.
تكشف هذه التجربة أن العدالة الانتقالية تحتاج إلى أدوات متعددة تتناسب مع حجم الجرائم وطبيعة المجتمع. فالمحاكم الوطنية، وآليات العدالة المجتمعية، وتوثيق الوقائع، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، مسارات متكاملة، لكل منها وظيفته وحدوده.
لكن تجربة غاكاكا واجهت انتقادات تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة، وجودة الأدلة، واحتمالات صدور أحكام غير منصفة. ووثقت منظمة هيومن رايتس ووتش مشكلات إجرائية، منها ضعف قدرة المتهمين على الدفاع عن أنفسهم، وتأثير العلاقات المحلية والفساد والترهيب في بعض المحاكمات. ولذلك، فإن توسيع نطاق العدالة وتسريع الإجراءات لا يعفي الدولة من حماية حقوق المتهمين وضمان نزاهة المحاكمات.
إن الاستفادة من التجربة الرواندية تقتضي قراءة إنجازاتها ومواطن ضعفها معًا. فسرعة الفصل في القضايا مهمة، لكنها لا تبرر التضحية بضمانات المحاكمة العادلة. والمصالحة تحتاج إلى الحقيقة والاعتراف بالضرر، وإلى حماية الضحايا من الضغوط التي قد تدفعهم إلى قبول تسويات لا تعبر عن إرادتهم.
الاستقرار السياسي ومشكلة احتكار السلطة
من أبرز الأسئلة التي تثيرها التجربة الرواندية العلاقة بين الاستقرار السياسي وتركيز السلطة. فقد نجحت الدولة في بناء مؤسسات إدارية فعالة، وحققت تقدمًا في قطاعات تنموية مختلفة، لكن تقارير مستقلة أشارت إلى قيود تواجه المجال السياسي، وإلى الحاجة إلى تعزيز استقلال المؤسسات وتوسيع مساحة المعارضة والإعلام والمجتمع المدني.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين استقرار الدولة واستقرار السلطة. فاستقرار الدولة يرتبط بقدرة المؤسسات على الاستمرار، وحماية الحقوق، وتنظيم انتقال المسؤوليات وفق قواعد واضحة. أما استقرار السلطة فقد يعتمد على بقاء مركز القرار في يد قيادة أو حزب مهيمن. وقد يتقاطع المساران في مراحل معينة، لكنهما يفترقان حين تصبح المساءلة والمنافسة السياسية موضع اختبار.
فالدولة القوية في معناها السياسي العميق هي التي تحمي المجتمع من العنف، وتحمي المواطنين كذلك من تعسف السلطة. وتستمد المؤسسات قوتها الحقيقية من استقلالها وقدرتها على العمل وفق القانون، لا من ارتباطها بشخص أو حزب أو جهاز أمني. وهذا هو الفارق بين دولة تُعاد صياغة مؤسساتها لخدمة المجتمع، ودولة تُستخدم مؤسساتها لتثبيت سلطة قائمة.
ماذا تعني التجربة الرواندية للسودان؟
ينبغي عند قراءة التجربة الرواندية الانطلاق من اختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية بين البلدين. فالسودان يمتلك تنوعًا إقليميًا وثقافيًا واسعًا، وتاريخًا طويلًا من الحروب والتهميش والنزاعات على السلطة والموارد، فضلًا عن اختلالات عميقة في توزيع الثروة والسلطة وتكوين المؤسسات الحديثة. لذلك، فإن استنساخ نموذج جاهز لإعادة البناء لن يعالج بالضرورة جذور الأزمة السودانية.
ما يحتاج إليه السودان هو مشروع وطني يبدأ بحماية المدنيين ووقف الحرب، ثم ينتقل إلى معالجة أسباب الصراع من خلال إصلاح المؤسسات، وإعادة تنظيم القطاع الأمني والعسكري تحت سلطة مدنية، وضمان مشاركة الأقاليم والمجتمعات المتضررة في صياغة المستقبل. ولا يمكن تحقيق ذلك من خلال تسوية بين مراكز القوة وحدها، بينما يظل المواطنون الذين تحملوا كلفة الحرب خارج عملية اتخاذ القرار.
وتحتاج العدالة إلى مسار مستقل يحفظ الأدلة، ويوثق الانتهاكات، ويضمن حقوق الضحايا، ويحدد المسؤولية الفردية عن الجرائم وفق إجراءات قانونية عادلة. كما يتطلب التعافي برامج لجبر الضرر، وإعادة النازحين واللاجئين بصورة آمنة وطوعية، واستعادة الخدمات الأساسية، ومعالجة الآثار الاقتصادية والاجتماعية للحرب.
وفي هذا السياق، تكتسب مشاركة النساء أهمية سياسية تتجاوز التمثيل الرمزي. فالنساء السودانيات يملكن خبرات في الوساطة والعمل المجتمعي وتوثيق الانتهاكات وإدارة المبادرات المحلية، وقد تحملن أعباء النزوح وفقدان المعيل وتفكك شبكات الحماية. لذلك، ينبغي أن تكون مشاركتهن جزءًا أصيلًا من صناعة القرار بشأن وقف الحرب والعدالة وإعادة الإعمار، مع توفير الموارد والضمانات التي تتيح لهن التأثير الفعلي في القرارات.
إن التجربة الرواندية تذكرنا بأن إعادة بناء الدولة عملية طويلة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والعدالة والمصالحة. ولا يكفي أن تنجح الحكومة في تشغيل المؤسسات إذا ظلت أسباب العنف قائمة، كما أن إعلان المصالحة لا ينهي آثار الجريمة من دون اعتراف ومحاسبة وجبر للضرر.
وتبقى قيمة التجربة في الأسئلة التي تفتحها، لا في تقديمها نموذجًا مكتملًا. فكل مجتمع يحتاج إلى بناء مؤسساته وفق تاريخه واحتياجاته، مع التمسك بالعدالة والحقوق والمساءلة بوصفها شروطًا لأي سلام مستدام في السودان.
خرجتُ من قراءة التجربة الرواندية بسؤال يتجاوز كيفية إعادة تشغيل الدولة بعد انهيارها: كيف يمكن لمجتمع أنهكته الجرائم أن يحقق العدالة من دون إعادة إنتاج الظلم، وأن يفتح طريقًا للمصالحة من دون التضحية بحقوق الضحايا؟.
يقودنا هذا السؤال إلى قضية أكثر تعقيدًا في مسار التعافي: حدود العدالة حين تكون الجرائم أكبر من قدرة المحاكم التقليدية، وحين تتشابك الحاجة إلى المحاسبة مع ضرورة إعادة بناء مجتمع مزقته الكراهية والخوف.
في المقال الرابع من هذه السلسلة، أنتقل إلى تجربة العدالة بعد الإبادة في رواندا، من خلال محاكم غاكاكا، لأبحث في قدرتها على كشف الحقيقة ومحاسبة المتورطين، وفي الثمن الذي قد تدفعه العدالة حين تتسابق مع الزمن، وفي الدروس التي يمكن أن يستخلصها السودان وهو يبحث عن طريق للخروج من الحرب نحو دولة تحمي الحقوق والكرامة وتمنع إعادة إنتاج المظالم.