قاموس البذاءة والتحقير والانحطاط اللغوي والأخلاقي أنشأ كيزان الإنقاذ متنه، وأثرى بلابسة حرب الكرامة حواشيه

في سودان ما بعد الحرب، ما عادت البذاءة والابتذال والتحقير والتجريح الشخصي مجرد ألفاظ نابية ينفلت بها لسانٌ غاضب، أو شتائم عابرة يتبادلها خصوم اشتد بينهم الخلاف. لقد تحولت، لدى كثير من العسكريين والسياسيين والناشطين والمؤثرين، إلى أسلوب في التعبير لإذلال المختلف معه، وأداة لصناعة الشهرة، ومصدرًا للتسلية والضحك والتصفيق الجماهيري.

شتائم جنسية، وتلميحات فاحشة، وطعن في الأعراض والأنساب، وإقحام للأمهات والآباء والزوجات والأبناء في الخصومات السياسية، وسخرية من الملامح والأجساد والأصوات، وتشبيه للبشر بالحيوانات والحشرات، واحتقار للأصول الاجتماعية والقبلية والجهوية؛ كل ذلك أصبح جزءًا من قاموس سياسي يتداوله أشخاص يقدم بعضهم نفسه باعتباره مدافعًا عن الدين والأخلاق والوطن والكرامة.

المؤكد أن حرب أبريل 2023 لم تصنع هذا القاموس من العدم، وإنما استقته من تجربة الإنقاذ (1989-2019) التي أسست وطورت، على مدى ثلاثين عامًا، «ثقافة احتقار وإهدار حقوق وكرامة الخصم السياسي». أما الحرب فقد نفضت عن تلك الثقافة ما علق بها من غبار، وأعطتها طاقة تدميرية جديدة. نقلتها من دوائر الخطاب السياسي التقليدي إلى «البث المباشر» و«مقاطع الفيديو» و«المنصات الرقمية»، حيث الشتيمة تجلب جمهورًا، والإهانة تصنع شهرة، والفجاجة تصبح علامة للجرأة والشجاعة.

وأنصار «قاموس البذاءة» لا يستخدمون اللغة لمناقشة أفكار وآراء الآخر، وإنما يطوّعون طاقاتها ويوجهونها لإذلاله، وتحطيم صورته أمام الناس، واستفزازه وإخراجه عن اتزانه. فالغاية ليست إثبات خطأ صاحب الرأي الآخر، وإنما تجريده من الاحترام، وتحويله إلى مادة للضحك والسخرية والاشمئزاز. المفارقة أن معظم من يرفعون رايات الدين والأخلاق والوطنية لا يتورعون عن الخوض في الأعراض والأنساب وإهانة الأسر، وكأن الخصومة السياسية تمنحهم ترخيصًا بانتهاك كل ما يزعمون الدفاع عنه من قيم.

المأساة ليست أن يتصدر المشهد الوقحون اللعانون بذيئو الألسنة، وإنما أن يصبح لهم جمهور يحتفي ببذاءتهم ووقاحتهم وانحطاطهم. فحين تتحول إهانة الإنسان إلى مصدر للضحك والتسلية والنفوذ، لا يكون الانحطاط قد أصاب اللغة وحدها، بل أصاب الذائقة والضمير الاجتماعي أيضًا. وهنا يكمن الخطر الأكبر: تطبيع التنمر، وإضعاف الحساسية تجاه الإهانة والعنصرية، وتقديم الفظاظة للأجيال الجديدة بوصفها شجاعة، والتجريح باعتباره ذكاءً، والابتذال طريقًا إلى النجاح.

المؤكد أن هذه الثقافة التي انتشرت هي أحد أعراض الانهيار الأخلاقي الذي أصاب المجال العام السوداني خلال الحرب. ومع استمرارها، سيزداد الوضع سوءًا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *