قراءة أولية في التعديلات المتعددة لسنة 2026م التي أصدرتها سلطة قائد الجيش

بقلم: ماهر أبوجوخ

 

نشرت وزارة العدل التابعة لسلطة قائد الجيش، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، في الجريدة الرسمية رقم (1982)، الصادرة عن وزارة العدل بتاريخ 19 أكتوبر 2026م، المرسوم المؤقت رقم (7)، الصادر عن ما يسمى مجلس السيادة، والخاص بالتعديلات المتنوعة لسنة 2026م.

 

سأحاول في الأسطر القادمة تقديم ملاحظات ووجهات نظر حول مرسوم التعديلات المتنوعة، من واقع الاطلاع على السياق العام لمحتواها، بوصف هذا الأمر يقع ضمن نطاق اهتماماتي الخاصة بالشؤون الدستورية والقانونية، رغم عدم تخصصي في أي من مجالات الدساتير أو القوانين، وهو ما سيجعل ما أورده في الأسطر القادمة مجموعة ملاحظات أكثر من كونها نقدًا قانونيًّا تخصصيًّا بالمعنى العلمي.

 

أدخل المرسوم المؤقت تعديلات على (6) قوانين، وهي: قانون الثروة النفطية لسنة 1998م، والقانون الجنائي لسنة 1991م، وقانون تنظيم وزارة العدل، وقانون النيابة العامة لسنة 2017م، وقانون الشركات لسنة 2015م، وقانون تفسير النصوص والقوانين لسنة 1974م، وتضمن (17) تعديلًا في كل تلك القوانين.

 

مادة غير موجودة

 

استند المرسوم رقم (7)، الصادر عن ما يسمى مجلس السيادة، الموقَّع عليه بواسطة البرهان والمؤرخ بالثامن من أكتوبر 2026م، إلى أحكام المادة 12 (4) من الوثيقة الدستورية لسنة 2019م، ولكن عند مراجعة نص الوثيقة نجد أن المادة (12) المذكورة تتكون من (3) بنود فقط، تناولت سلطة المجلس واختصاصاته، والمقصود بإجراء الاعتماد، وآلية اتخاذ القرار بالتوافق أو موافقة الثلثين، وبالتالي لا يوجد بند (4) في هذه المادة، وهو ما يطرح سؤالًا: «أين هي المادة التي استند إليها المرسوم المؤقت؟!».

 

أورد العدد رقم (1960) من الجريدة الرسمية، الصادرة عن سلطة قائد الجيش والمؤرخة في 15 فبراير 2025م، «الوثيقة الدستورية لسنة 2025م»، التي أدخلت (15) تعديلًا على أحكام المادة (12)، تمثلت في جوهرها في منح سلطات واسعة لمجلس السيادة، مقابل تقليص سلطات مجلس الوزراء. ونص التعديل الخامس عشر على بنود هذه المادة على إضافة بند جديد حمل الرقم (4)، منح مجلس السيادة سلطة إصدار تشريعات مؤقتة «لأمر عاجل»، على أن يُعرض ذلك التشريع المؤقت على السلطة التشريعية الانتقالية فور انعقادها، فإذا أُجيز أصبح قانونًا نافذًا، وفي حال رفضه يُلغى دون أثر رجعي.

 

هذا يقودنا إلى الخلل الأول في شكل المرسوم (7)، باستناده إلى أحكام المادة 12 (4) من الوثيقة الدستورية لسنة 2019م، في حين أن المقصود المادة 12 (4) من الوثيقة الدستورية لسنة 2025م، وهو خطأ فات على الجهات القانونية لدى البرهان أو وزارة العدل.

 

الأمر العاجل

 

لم تذكر المنصات الإخبارية الرسمية أو الإعلامية، خلال شهري سبتمبر وأكتوبر الجاريين، تداول مجلس البرهان أو إقراره لأي تعديلات على القوانين، مع التنبيه إلى وجود معلومات مسرّبة لإعلاميين مرتبطين بالجيش، أشاروا إلى ترؤس البرهان للمؤسسة السودانية للنفط.

 

أباحت المادة 12 (4)، ضمن تعديلات 2025م، إصدار مجلس السيادة مرسومًا مؤقتًا عند وجود «أمر عاجل»، لكن عند الاطلاع على القوانين الستة بتعديلاتها الـ(17)، لا نجد أنها ينطبق عليها فعليًّا وصف «الأمر العاجل». وفي ذات السياق، نجد أن المادة نفسها، وعلى عكس نصوص دستورية وقانونية مماثلة، لم تنص على تحديد مدة زمنية معينة تلزم الجهة التشريعية بالنظر في المرسوم المؤقت لاعتماده أو رفضه ووقف العمل به، وهذا يعني استمراره لشهور أو سنوات أو حتى لعقود.

 

فرضية رفض «المرسوم»

 

من المهم الإشارة إلى أن نقاش المرسوم المؤقت، عند التداول، يُعرض للموافقة عليه أو رفضه كله، وهو ما يجعل الخيار المتاح «الموافقة» أو «الرفض». ولذلك، دعونا نفترض – على سبيل الجدل – أن المرسوم المؤقت، وعند طرحه على السلطة التشريعية الانتقالية المحددة بموجب المادة 10 (3) من تعديلات 2025م، والمكوَّنة من «مجلسي السيادة والوزراء»، قد واجه معارضة من رئيس الوزراء وغالبية مجلسه، فاختاروا التصويت ضده استنادًا إلى أغلبيتهم الميكانيكية في الاجتماع، فما النتيجة المترتبة على هذا الأمر؟.

 

نجد أن الجهة صاحبة سلطة تعيين رئيس الوزراء وإعفائه، ثم تعيين الحكومة كلها وإعفائها، هي مجلس السيادة، صاحب المرسوم المؤقت. وبالتالي، فإن حدوث هذا الرفض ستليه مباشرة خطوة ثانية، هي إعفاء رئيس الوزراء وحل حكومته واستبدالهما بآخرين سيكتسبون الحكمة سريعًا من «قرار الإقالة لمن سبقوهم ممن رفضوا توجيهات وتعليمات مجلس البرهان».

 

بالنظر إلى الواقع الفعلي الماثل، نجد أن الواقع الدستوري الذي أشرنا إليه سابقًا، بجانب التركيبة الشخصية لعضوية وزراء حكومة سلطة الجيش، لا يشير إلى وجود أي احتمال لرفض طلبات أو أوامر البرهان. ونستدل في هذا السياق بتغوّله على سلطات الحكومة الأسبوع الماضي، وإلغاء القرارات الاقتصادية، ومسارعة وزير المالية ووزيرة التجارة إلى تنفيذ توجيهاته قبل مشاورة رئيس الوزراء نفسه! لكن الأكثر إدهاشًا أن كبير الوزراء نفسه سارع إلى إصدار قرارات ألغى فيها قرارات حكومته الاقتصادية، عوضًا عن تقديمه الاستقالة أو حتى دعوة مجلسه للاجتماع لإعلان التعديل أو الإلغاء!.

 

عليه، فإن هذه الواقعة وغيرها من المشاهد السابقة، التي أشارت إليها صحيفة «ديسمبر» في خبرها الرئيسي بعددها السابق الصادر يوم 22 أكتوبر 2026م، بناءً على معلومات تحصلت عليها من مصادر، تؤكد توصيف ما يحدث حاليًّا باعتباره «تغوّلًا على سلطات رئيس الوزراء لصالح قائد الجيش المتطلع والمتعطش للظفر بمسمى وسلطات رئيس الجمهورية».

 

نشير في هذا السياق إلى أن مسار تعديلات الوثيقة الدستورية لسنة 2025م، خاصة المتصلة بمهام وسلطات مجلس السيادة، وإلغاء المادة (74) من الوثيقة الدستورية لسنة 2019م، التي كانت تنص على أيلولة كل صلاحيات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في الدستور أو أي من القوانين، غير المذكورة أو الواردة ضمن صلاحيات مجلس السيادة في الوثيقة الدستورية لسنة 2019م، تؤكد التوجه المتزايد صوب إقرار نظام رئاسي كامل، عوضًا عن النظام البرلماني الذي يجعل القدر الأوسع من السلطات لدى رئيس مجلس الوزراء.

 

تعديلات لأكثر من نتيجة

 

أثارت تعديلات قانون الثروة النفطية عدة ملاحظات؛ فبخلاف تعزيزها لهذا التوجه بترؤس البرهان للمؤسسة السودانية للنفط، تتمثل الملاحظة الأولى في إنشاء المؤسسة السودانية للنفط، المنشأة بناءً على المادة (18) الجديدة التي أوردتها التعديلات. وثانيها عدم تسمية رئيس الوزراء ضمن عضويتها، رغم وجود ثلاثة وزراء ضمن عضوية مجلس المؤسسة، وهم وزراء النفط والعدل والمالية. أما الثالثة فهي نزع صفة الرئيس المناوب الممنوحة لوزير النفط (أو الطاقة، أو التسمية للوزير المختص حسبما يقتضي الحال)، وهو ما يجعل الوزير المختص كغيره من الأعضاء بالمجلس، رغم اختصاصه الوظيفي والمهني. أما الملاحظة الرابعة فهي إضافة مدير جهاز المخابرات ضمن عضوية مجلس المؤسسة.

 

بالنظر إلى خلاصة التعديلات في قانون الثروة النفطية، فهي تقود إلى نقطتين مركزيتين؛ أولهما استمرار تركيز السلطات في يد الرئيس السيادي، في مقابل تقليص وتهميش دور وسلطات رئيس الوزراء في النظام السياسي المتشكل بعد تعديلات الوثيقة الدستورية لسنة 2025م، الذي يتقدم خطوات صوب إعادة إنتاج نظام رئاسي يحتكر السلطات عند «رجل واحد».

 

أما ثانيهما، فهو مرتبط بتمدد السيطرة العسكرية والأمنية على العمل النفطي، على حساب السيطرة الفنية والتخصصية. وهو أمر يجب ربطه بتحركات متوازية شهدها القطاع النفطي، سواء على مستوى الشركات، عقب دمج عدة شركات داخل شركة النيل للبترول، وسيطرة كوادر وعناصر شركة بشائر على المواقع الإدارية العليا، بداية من المدير العام ومديري الإدارات الرئيسية بشركة النيل للبترول، كما ورد في عدد صحيفة «ديسمبر» الصادر في 22 أكتوبر الجاري، أو حتى الشركات العاملة في مجال استيراد البترول، وهي تحركات ستفضي فعليًّا إلى إنتاج «قطط نفطية سمينة» مرتبطة بالمؤسسات العسكرية والأمنية بشكل مباشر.

 

الإفراط في القوة

 

حظي التعديل الخاص بالمادة 51 (أ) في القانون الجنائي لسنة 1991م، بإضافة النشر في الوسائط الإلكترونية والإعلامية ضمن بقية أحكام المادة التي تعتبر أي شخص مثيرًا للحرب ضد الدولة، ويعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن لمدة أقل، مع جواز مصادرة جميع أمواله، في حالة «إثارة الحرب ضد الدولة عسكريًّا بجمع الأفراد أو تدريبهم أو جمع السلاح أو العتاد أو يشرع في ذلك أو يحرض الجاني على ذلك أو يؤيده بأي وجه»، والتي أُضيفت إليها، طبقًا لهذه التعديلات، عبارة «بما في ذلك النشر في الوسائط الإلكترونية أو الإعلامية».

 

وهو نص لا تقتصر خطورته على اعتبار النشر في الوسائط أو الإعلام جريمة عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد، وإنما في توسعة مجال استخدام النص مستقبلًا ليشمل الإعلاميين والصحفيين وأصحاب الآراء، بوصفهم «يثيرون الحرب ضد الدولة»، فيجدون أنفسهم في مواجهة فترات انتظار طويلة خلف القضبان، باعتبار أن هذه الجريمة تتضمن عقوبة لا يجوز فيها الإفراج عن المتهم بالضمانة العادية. وهو سيف بتار يطول من يصفقون له، باعتبار أنه سينحر أقلام خصومهم، ثم ينقلب عليهم في يوم ما إذا دارت الخلافات السياسية وتحولت المواقف من السلطة في المستقبل القريب أو البعيد.

 

حظي تعديل المادة 50 (أ) من القانون الجنائي بقدر واسع من الاهتمام وتسليط الأضواء عليه، لخطورته البالغة على فئات واسعة، ومنحاه السياسي وتوجهه الواضح المعادي للحريات العامة وحرية الصحافة والرأي والتعبير. لكن، في ذات الوقت، أجد أن التعديل الخاص بالمادة (11) من القانون الجنائي لسنة 1991م لم يجد حظه الكافي من التعليق، رغم خطورة ما ورد فيه، باعتباره يسمح بالإفراط في استخدام القوة بلا حدود، والتي قد تصل فعليًّا إلى شرعنة «القتل».

 

نص مرسوم التعديلات المتنوعة على إضافة بند جديد إلى المادة (11) من القانون الجنائي، الخاصة بـ«أداء الواجب واستعمال الحق»، والتي كانت تنص على: «لا يعد الفعل جريمة إذا وقع من شخص ملزم بالقيام به أو مخول له القيام به بحكم القانون أو بموجب أمر مشروع صادر من السلطة المختصة، أو كان يعتقد بحسن نية أنه ملزم به، أو مخول له القيام به».

 

أضافت التعديلات بندًا جديدًا للمادة، بالرقم (2)، نص على الآتي: «لا يعد الفعل جريمة إذا صدر من نظامي يتبع لقوة نظامية مكلفة بمحاربة التهريب أثناء التصدي للمهربين أو مطاردتهم».

 

وبالنظر إلى هذا النص، فإن خطورته تظهر من سياق صيغته الفضفاضة؛ فهو يخلط بين «التصدي» و«المطاردة»، كما لا يحدد حدود وظروف استخدام القوة المجرَّمة، بأن يشير، مثلًا، إلى «التعرض لإطلاق النار» أو «المقاومة المسلحة». ولذلك، فبدلًا من تحديد ما هو جائز في حال التعامل مع إطلاق النار أو المقاومة المسلحة، باعتبار أن الأصل عدم استخدامها والتقيّد بها، جاء النص دون هذه الضوابط.

 

نجد أن النظام الشمولي البائد عمل على إدخال تعديلات في العام 2002م على قانون الإجراءات الجنائية، بغرض منح الشرطة سلطة استخدام السلاح الناري في تجمعات سلمية تبادر بإطلاق النار عليه. ولاحقًا، في العام 2017م، وضمن تعديلات قانون الشرطة، مُنح منسوبو الشرطة حصانة عند قيامهم بأي مهام أثناء تنفيذ الواجب المفروض عليهم، باشتراط «ألا يتعدى القدر المعقول من القوة لتنفيذ واجباته أو لتنفيذ القانون، دون دافع آخر للقيام بهذا الفعل».

 

عند المقارنة بين النصين الواردين في تعديلات مرسوم البرهان المؤقت وتعديلات 2017م حول استخدام القوة، نجد أن المقارنة تُظهر «الإطلاق دون قيود» في مرسوم البرهان، مقابل التقييد المشروط ضمن نصوص تعديلات قانون الشرطة لسنة 2017م.

 

تعزيز الفساد

 

تثير التعديلات الواردة في قانونَي «تنظيم وزارة العدل» و«الشركات» أيضًا مسألة عدم إخضاع الشركات التي تساهم فيها الدولة بنسبة تقل عن خمسين في المائة لرقابة وزارة العدل وديوان المراجعة القومي، وهو توجه يسهم في زيادة فرص الفساد ويعززها ويعمقها، بجعل الرقابة المالية على مؤسسات الدولة مقتصرة على الشركات التي تمتلك فيها الدولة نسبة الخمسين في المائة فأكثر، عوضًا عن الإجراء السابق، الذي كان يُخضع الشركات التي تمتلك الدولة أسهمًا فيها، بعد تعديلات الحكومة المدنية الانتقالية عقب ثورة ديسمبر، لإخضاع كل الشركات والمؤسسات التي تساهم فيها الدولة، بأي نسبة من النسب، للرقابة المالية والقانونية لوزارة العدل وديوان المراجعة القومي.

 

بشكل إجمالي، فإن هذه القراءة الأولية لمحتويات المرسوم المؤقت والتعديلات الواردة فيه تُظهر قدرًا واضحًا من المشكلات القانونية والسياسية، ومن الإخلال بالشفافية ومحاربة الفساد. وهو أمر يتطلب تسليط الضوء عليها بشكل أوسع من قبل القانونيين المختصين، وفي ذات الوقت كشفها وتعريتها والتعاطي مع دلالاتها المباشرة، المرتبطة بمساعي قائد الجيش ومسارعته الخطى صوب «إقرار شمولية فاسدة وغير مسبوقة في تاريخ البلاد، تجابه المختلفين معها بالإعدام والسجن المؤبد عوضًا عن المعتقلات، وتحتكر موارد البلاد لفئة فاسدة… وهو ما يجب إيقافه الآن وفورًا، دون صمت أو انتظار لثور أبيض يُؤكل، يأتي من بعده آخرون».

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *