الحق في الماء والصرف الصحي.. عندما يصبح الوصول إلى الماء مسألة حياة وكرامة
صفاء الزين
الماء حق من حقوق الإنسان، وشرط أساسي للتمتع بحقوق أخرى، في مقدمتها الحق في الحياة والصحة والغذاء والسكن والكرامة الإنسانية. لذلك فإن حرمان الإنسان من المياه المأمونة والصرف الصحي قد يمس جوهر تمتعه بحقوقه الأساسية، خصوصًا في ظروف الحرب والنزوح.
ويستند الحق في الماء والصرف الصحي إلى منظومة حقوق الإنسان، من خلال ارتباطه بالحق في مستوى معيشي ملائم، والحق في الصحة والحياة والغذاء. وقد تعزز الاعتراف الدولي الصريح به عبر قرارات الأمم المتحدة التي أكدت حق الإنسان في الحصول على مياه الشرب المأمونة والنظيفة وخدمات الصرف الصحي.
ومن المنظور الحقوقي، يُفهم الحق في الماء باعتباره حق كل إنسان في الحصول، دون تمييز، على كمية كافية من المياه المأمونة والمقبولة، تكون متاحة ماديًا وقابلة للحصول عليها بتكلفة ميسورة. وتشمل معايير الحق: الكفاية، والسلامة، والمقبولية، وإمكانية الوصول، والقدرة على تحمل التكلفة، وعدم التمييز. أما الصرف الصحي فيتعلق بإتاحة مرافق وخدمات آمنة تحفظ الصحة والخصوصية والكرامة، وتكون متاحة للجميع.
وتكمن أهمية هذا التعريف في نقل النقاش من سؤال: «هل توجد مياه؟» إلى أسئلة أكثر دقة: هل يستطيع الجميع الوصول إليها؟، هل هي آمنة؟، هل توزع على أساس المساواة وعدم التمييز؟، وهل يستطيع الإنسان الحصول عليها دون أن يضطر إلى الاختيار بين الماء والغذاء؟، وهل تراعي الخدمات احتياجات الأطفال والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن؟.
السودان.. حين تتحول أزمة المياه إلى أزمة حقوق
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تعرضت أنظمة المياه والصرف الصحي لأضرار واسعة نتيجة تدمير أو تعطل البنية التحتية، وانقطاع الكهرباء، ونقص الوقود، والنزوح، وصعوبة الوصول إلى المنشآت والعاملين.
وفي الخرطوم ومناطق أخرى، دفعت انقطاعات المياه الأسر إلى البحث عن مصادر بديلة والانتظار فترات طويلة للحصول عليها. كما أدى تضرر البنية التحتية للطاقة إلى تعطيل عمليات الضخ والمعالجة، واضطرت أسر إلى الاعتماد على مصادر قد تكون أقل أمانًا، بما يرفع مخاطر الإصابة بالأمراض.
وتشير اليونيسف إلى أن نحو 17.3 مليون شخص في السودان يفتقرون إلى مياه الشرب الأساسية، بينما يفتقر نحو 24 مليونًا إلى خدمات الصرف الصحي الملائمة، ويمارس أكثر من 10.5 مليون شخص التغوط في العراء. وهذه الأرقام تكشف حجم الأزمة، لكنها لا تعكس وحدها تفاوت أثرها بين الفئات والمناطق.
فمن منظور حقوق الإنسان، لا تكفي المساواة الشكلية في توزيع المياه؛ إذ تجب مراعاة أوضاع الأشخاص والمجتمعات الأكثر تعرضًا للحرمان، بما في ذلك النازحون والسكان في المناطق الطرفية والريفية، والأطفال، والنساء والفتيات، والأشخاص ذوو الإعاقة وكبار السن.
النساء والفتيات.. عبء يتجاوز الحصول على الماء
تتحمل النساء والفتيات في كثير من حالات الحرب والنزوح أعباء أكبر من أزمة المياه والصرف الصحي. ويرتبط ذلك بمسؤوليات الرعاية المنزلية، وبحاجتهن إلى مرافق توفر الخصوصية والأمان، وبمخاطر الحركة في البيئات غير المستقرة.
عندما تنقطع المياه، غالبًا ما تقع مسؤولية توفيرها على النساء والفتيات داخل الأسرة، وقد تضطر المرأة إلى قطع مسافات أطول، أو الانتظار لساعات، أو حمل أوعية ثقيلة، أو التعامل مع مصادر مياه بعيدة وغير آمنة. وفي سياق الحرب، قد تتحول رحلة الحصول على الماء إلى مصدر إضافي للخوف أو التحرش أو العنف أو الاستغلال.
وتحمل هذه الأعباء آثارًا تتجاوز المشقة اليومية؛ فالوقت الذي تقضيه الفتيات في جلب المياه قد يأتي على حساب التعليم، وقد تؤثر مشقة حمل المياه في النساء الحوامل أو من لديهن مسؤوليات رعاية وأعمال منزلية متزايدة. كما قد يؤدي الاعتماد على مصادر بعيدة أو غير آمنة إلى زيادة مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي.
ولا تتوقف المشكلة عند الوصول إلى المياه. فغياب دورات المياه الآمنة وأماكن الاغتسال التي توفر الخصوصية يجعل احتياجات النظافة الشخصية أكثر صعوبة، خصوصًا أثناء الدورة الشهرية والحمل وبعد الولادة.
لذلك فإن إدماج احتياجات النساء والفتيات في سياسات المياه والصرف الصحي جزء أساسي من تحقيق المساواة وعدم التمييز. فالمساواة في الحقوق تعني ضمان قدرة الجميع على الانتفاع بالخدمة بصورة آمنة وكريمة، مع مراعاة اختلاف الاحتياجات والظروف.
الماء والصحة.. حقان مترابطان
غياب المياه المأمونة والصرف الصحي والنظافة يرفع احتمالات انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، ومنها الكوليرا والإسهالات الحادة والتيفوئيد وغيرها.
وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية في 3 مارس 2026 انتهاء أحدث تفشٍّ للكوليرا في السودان، بعد استجابة صحية وإنسانية واسعة، مشيرة إلى أن تعطل أنظمة المياه والصرف الصحي والنزوح وضعف الخدمات الصحية كانت من العوامل التي ساهمت في انتشار المرض.
لكن انتهاء التفشي لا يعني انتهاء الخطر. فإذا ظلت شبكات المياه والصرف الصحي متهالكة، وظلت مصادر المياه معرضة للتلوث، فإن احتمالات ظهور تفشيات جديدة تبقى قائمة.
وهنا تظهر الطبيعة المترابطة للحقوق: فالمياه الآمنة تحمي الحق في الصحة، والمياه ضرورية لإعداد الغذاء، والصرف الصحي يحمي البيئة ومصادر المياه، كما أن توفر الخدمات الأساسية داخل أماكن السكن يرتبط بمستوى المعيشة والكرامة.
الحماية أثناء الحرب.. بين حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني
لا تختفي حقوق الإنسان أثناء الحرب، وإن أصبحت حمايتها أكثر صعوبة. وفي الوقت نفسه، يوفر القانون الدولي الإنساني حماية خاصة للمدنيين وللأشياء التي لا غنى عنها لبقائهم.
وتُعد مياه الشرب والمنشآت والإمدادات الضرورية لبقاء السكان المدنيين محل حماية بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني. ويحظر استهداف أو تدمير أو تعطيل الأشياء الضرورية لبقاء السكان المدنيين على نحو يتعارض مع هذه القواعد، كما تحظر قواعد القانون الدولي الإنساني استخدام تجويع المدنيين وسيلة للحرب. وتظل مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات الواجبة واجبة التطبيق أثناء العمليات العسكرية.
لكن الدقة القانونية تقتضي عدم اعتبار كل انقطاع للمياه انتهاكًا تلقائيًا للقانون الدولي الإنساني. فقد يحدث الانقطاع نتيجة أضرار غير مقصودة، أو أعطال فنية، أو نقص الكهرباء والوقود، أو صعوبة الوصول إلى المنشآت.
لذلك يتطلب التوصيف القانوني دراسة الوقائع: سبب الضرر، وطبيعة المنشأة، وكيف وقع الاستهداف أو التعطيل، والآثار المتوقعة على المدنيين، والاحتياطات المتخذة لتجنب الضرر أو الحد منه، وإمكانية وصول السكان إلى بدائل آمنة.
وهنا يجب التمييز بين المسارين: الحق في الماء باعتباره حقًا من حقوق الإنسان، وحماية المياه والمنشآت الضرورية لبقاء المدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني. هما مساران متكاملان، لكنهما ليسا إطارًا قانونيًا واحدًا.
الكهرباء.. الضرر غير المباشر على الحق
المياه تعتمد على الكهرباء والوقود وشبكات الضخ والمعالجة. ولذلك قد يؤدي الضرر الذي يصيب قطاع الطاقة إلى توقف المياه حتى عندما لا تكون منشأة المياه نفسها هدفًا مباشرًا. وتكشف هذه العلاقة أن الأثر الإنساني للحرب لا يتوقف عند المنشأة التي تعرضت للضرر. فتوقف المياه في المستشفى قد يؤثر في التعقيم والرعاية الصحية، وانقطاعها في مركز إيواء مكتظ قد يزيد انتشار الأمراض، وتعطل الصرف الصحي قد يؤدي إلى تلوث مصادر المياه.
ولهذا ينبغي عند تقييم الأثر الإنساني للعمليات العسكرية أو انهيار الخدمات أن تؤخذ في الاعتبار الآثار المباشرة وغير المباشرة والمتوقعة لتعطل الخدمات الأساسية.
الصرف الصحي.. الصحة والخصوصية والكرامة
لا تكتمل حماية الحق في الماء دون الصرف الصحي. فغياب المرافق الآمنة يؤدي إلى تلوث البيئة ومصادر المياه، ويزيد انتشار الأمراض، خصوصًا في مناطق النزوح والاكتظاظ. لكن الصرف الصحي قضية كرامة وخصوصية أيضًا. فالإنسان يحتاج إلى مكان آمن يقضي فيه حاجته ويحافظ فيه على خصوصيته ونظافته الشخصية.
وتزداد أهمية ذلك بالنسبة للنساء والفتيات، اللواتي يحتجن إلى مرافق آمنة ومغلقة ومناسبة للنظافة الشخصية، وإلى إمكانية الحصول على مستلزمات النظافة الصحية دون عوائق. وفي ظروف النزوح، قد يؤدي غياب هذه المرافق إلى زيادة مخاطر التحرش والعنف والاستغلال عندما تضطر النساء والفتيات إلى استخدام أماكن بعيدة أو غير مضاءة أو غير محمية.
لذلك لا ينبغي قياس توفير الصرف الصحي بعدد المراحيض وحده، وإنما بسلامتها وإمكانية الوصول إليها وخصوصيتها وملاءمتها لمختلف الفئات.
من الاستجابة الطارئة إلى حماية الحق
في حالات الطوارئ، تصبح الصهاريج وخزانات المياه ومرافق الصرف المؤقتة ومواد التعقيم أدوات أساسية لحماية الأرواح. وقد دعمت اليونيسف خلال عام 2026 إيصال مياه آمنة إلى مئات الآلاف من الأشخاص، إلى جانب إعادة تأهيل أنظمة مياه وتوسيع تدخلات النظافة في المناطق المعرضة لتفشي الأمراض.
لكن الاستجابة الطارئة ينبغي ألا تتحول إلى بديل دائم عن الخدمات العامة. وتتطلب حماية الحق ضمان جودة المياه، وحماية العاملين في قطاع المياه، وتوجيه الموارد إلى المناطق الأكثر احتياجًا، وضمان عدم التمييز في الوصول إلى الخدمات.
كما ينبغي إشراك المجتمعات المتضررة في تحديد احتياجاتها وأولوياتها، لأن الحق في المياه والصرف الصحي لا يتحقق فقط بتوفير البنية التحتية، وإنما بضمان أن تكون الخدمات قابلة للوصول وآمنة ومناسبة ومستدامة.
التوثيق والمساءلة.. دون أن تحل محل الحماية
يظل توثيق الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للمياه والصرف الصحي مهمًا لفهم حجم الأزمة وتحديد الاحتياجات، وقد يكون ضروريًا للتحقيق عندما توجد مؤشرات على وقوع انتهاكات.
لكن التوثيق لا ينبغي أن يصبح بديلًا عن الحماية. فالمساءلة مهمة، لكنها لا تعيد المياه إلى طفل عطشان ولا تمنع وباءً في منطقة تفتقر إلى الصرف الصحي.
لذلك ينبغي أن تسير الحماية والاستجابة والتوثيق في مسارات متوازية، بحيث يكون الهدف الأول ضمان تمتع الإنسان بحقه، مع عدم إغفال المسؤولية القانونية عندما تكشف الوقائع عن انتهاكات.
الماء حق.. وليس امتيازًا
تكشف الحرب في السودان أن الحقوق الأساسية تصبح أكثر هشاشة عندما تنهار البنية التي تحميها. والماء أحد أوضح الأمثلة على ذلك.
فالمسألة لا تقتصر على توقف محطة أو تعطل شبكة صرف صحي، وإنما في فقدان الإنسان وسيلة أساسية للعيش بصحة وكرامة وأمان.
وتدفع النساء والفتيات ثمنًا مضاعفًا عندما يتحول الحصول على الماء إلى رحلة طويلة ومحفوفة بالمخاطر، وعندما تغيب المرافق التي تحفظ الخصوصية والنظافة والأمان. ويدفع الأطفال الثمن عبر المرض وسوء التغذية، بينما يواجه النازحون ظروفًا تجعل الوصول إلى المياه والصرف الصحي أكثر صعوبة.
لذلك فإن حماية الحق في الماء والصرف الصحي في السودان تتطلب ضمان الوصول إلى الخدمات الآمنة دون تمييز، وحماية البنية التحتية والعاملين فيها، وتوثيق الانتهاكات والتحقيق فيها وفق القانون.
فالسلام لا يعني فقط توقف الحرب، وإنما يعني أيضًا أن يستعيد الإنسان حقوقه الأساسية، وأن يصبح الماء الآمن والصرف الصحي جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية، وأن تحصل النساء والفتيات والأطفال والنازحون وسائر الفئات على هذه الحقوق بما يحفظ كرامتهم وأمنهم.
فعندما يصبح الماء حقًا مضمونًا لا موردًا نادرًا، وحين تصبح الكرامة معيارًا للخدمات لا استثناءً في زمن الحرب، نكون قد بدأنا بالفعل في بناء حياة ما بعد الحرب.