متاهات في دروب التغيير: قراءة سيكولوجية في أسئلة الثورة السودانية

البشارة بالبوصلة في زمن المتاهة

 

قراءة في كتاب «متاهات.. في دروب الثورة والتغيير: واقع السودان نموذجًا» للمفكر والكاتب د.مجدي إسحق

 

عاطف عبد الله

 

مدخل

 

شرّفني الصديق والكاتب الدكتور مجدي إسحق بالاطلاع على مسودة مؤلفه المرجعي «متاهات في دروب التغيير: واقع السودان نموذجًا»، الصادر عن دار المصورات للطباعة والنشر. وكان مقصدي الأول من المطالعة الاستزادة الشخصية والاقتراب من الرؤية المعرفية للمؤلف، غير أنني، وما إن استغرقت في صفحاته، حتى أدركت أنني أمام نص فكري استثنائي يحتاجه الوطن وتفتقر إليه النخب السودانية قاطبة في سعيها المتواصل نحو التغيير، وفي التصدي لأسئلة الفشل والإخفاق التاريخي.

 

تساءلت مرارًا وأنا أطالع فصوله: هل حقًا أدمنّا الفشل، أم أننا ضللنا السكة وتاهت بنا الدروب؟ ولأن الكتاب يضع يده بجسارة على مكامن الداء، ويصف الوصفة العلاجية، ويرسم خارطة طريق للخروج من المتاهة بعد تفكيك دقيق للعلة، وجدت نفسي أسبق المؤلف لنشره والبشارة به؛ أقدمه للقراء وللنخب التي أُوهمت زورًا بـ«إدمان الفشل»، بينما الحقيقة هي أنها تعثرت وتاهت في متاهات البحث عن التغيير.

 

تظل الثورات ومشاريع التغيير الاجتماعي عبر التاريخ الإنساني مفعمة باللحظات الاستثنائية التي تلتقي فيها أشواق الشعوب إلى الحرية والعدالة والكرامة. غير أن المسار العملي لهذه الحركة كثيرًا ما يدخل في حالة من التيه أو الانتكاسات المتكررة، حيث تبدو القوى الساعية للتغيير وكأنها تدور في حلقات مفرغة تعيد من خلالها إنتاج الاستبداد بأسماء جديدة ومظاهر مختلفة.

 

في هذا السياق الفكري المعقد، يقدم د.مجدي إسحق تشخيصًا غير تقليدي لأزمة التعثر. فهو لا يكتفي بالقراءة السياسية أو التاريخية السطحية للأحداث التي تلت ثورة ديسمبر السودانية وما أعقبها من صراعات وحروب، بل ينزل بالأزمة إلى جذورها النفسية والمعرفية والمؤسسية عبر استخدام منهج «علم النفس السياسي التحرري».

 

البنية العميقة: القهر والوعي الزائف

 

تتلخص الأطروحة المركزية للكتاب في أن التغيير لا يفشل فقط بسبب قوة الاستبداد أو البطش المادي لـ«سلطة القهر»، بل ينهار في كثير من الأحيان نتيجة خلل وتراجع بنيوي في «الوعي الفعّال» لدى قوى التغيير نفسها.

 

يميز د.مجدي إسحق بين تجليات الأزمة الظاهرة، كالعنف والفساد، وبين «بنية القهر» بوصفها المنظومة العميقة التي تجعل العنف والفساد قادرين على الاستمرار وإعادة إنتاج أنفسهما. وفي مواجهة هذه البنية، يتشكل «الوعي الزائف»، وهو الإدراك المشوه الذي يجعل الجماهير تبرر قهرها أو تتعايش معه، أو تقع في فخ المقولات اليائسة من قبيل «الشعب لا يصلح للديمقراطية» أو «البدائل دائمًا أسوأ».

 

ويرصد الكتاب كيف يعمل هذا الوعي الزائف من خلال ثلاثة أنماط خطيرة من العقول:

 

– العقل العاطفي: الذي يستبدل التحليل بالانفعال والاحتفاء وردود الأفعال اللحظية.

– العقل الثنائي: الذي يقسم العالم إلى أبيض وأسود، مثل «معنا أو ضدنا» و«ثوري أو خائن»، مع احتكار الحقيقة ومنع الشك النقدي.

– العقل الاستسلامي: الذي يطبع مع العجز الجماعي ويفترض حتمية الهزيمة، أو يتطلع دائمًا إلى منقذ فرد أو حسم عسكري سريع.

 

تشريح الفشل: فرسان الفشل الأربعة

 

لعل الإضافة الفكرية الأكثر إشراقًا في الكتاب تتمثل في صياغة المؤلف لمفهوم «فرسان الفشل الأربعة»، وهي الأخطاء الهيكلية التي تقع فيها الحركات التغييرية عندما يضعف وعيها الفعّال:

 

فارس الفشل الأول (خطأ الهدف وتوقيته): ويحدث حين تطرح النخب السياسية أهدافًا وشعارات تجريدية منفصلة عن الواقع النفسي والاجتماعي للجماهير، وتغفل احتياجات الناس الأساسية في الأمان والمعيشة والخدمات.

 

فارس الفشل الثاني (خطأ التمرحل والتدرج): وينتج عن القفز فوق المراحل التاريخية وموازين القوى الواقعية، مما يؤدي إلى مواجهات غير محسوبة تنتهي بالإحباط والانكفاء.

 

فارس الفشل الثالث (خطأ الوسائل): ويتمثل في ممارسة التخوين والتسلط واستبطان أدوات بنية القهر نفسها داخل قوى التغيير، مما يفقد المشروع قيمته الأخلاقية.

 

فارس الفشل الرابع (سوء استعمال الوسائل الصحيحة): ويتمثل في امتلاك أدوات صحيحة، كالسلمية أو التظاهر أو الممارسة الديمقراطية، لكن مع غياب الفهم لقوانين عمل هذه الأدوات والواقع النفسي الذي يحركها.

 

الوعي في زمن الإنترنت: خطورة «السرب الرقمي»

 

ينتقل المؤلف في أحد أمتع فصول الكتاب إلى قراءة الوعي في زمن التواصل الاجتماعي. ويرى أن خطورة المنصات الرقمية لا تكمن فقط في نشر الشائعات، بل في طريقة عملها التي تستهدف «إدارة الانتباه» وشحن المشاعر السريعة.

 

إن الإغراق الإعلامي وحالة الترفيه والإثارة المسببة للإدمان الرقمي يكرّسان «التفكير السريع» ويمنعان الجماهير من التفكير النقدي البطيء والعميق، مما يحوّل الحركة الجماهيرية من عمل تنظيمي متراكم إلى ردود أفعال «سرب رقمي» سريع الانفعال وسريع التشتت والانهيار.

 

خريطة الخروج: بناء الكتلة الحرجة والقيم المعاشة

 

لا يقف الكتاب عند حدود التشخيص، بل يضع لبنات عملية للوقاية والعلاج وتجاوز التيه. تؤكد الرؤية التحررية في الكتاب أن الحل لا يكمن في انتظار التوافق الكامل بين المكونات أو ادعاء امتلاك «الحقيقة المطلقة»، بل في التوافق على «الوعي الموضوعي الكافي» الذي يسمح بالعمل الجماعي والممارسة الميدانية التي تعيد بدورها تطوير المعرفة.

 

كما يشدد الكتاب على أن نجاح أي مشروع تغيير يعتمد على بناء «الكتلة الاجتماعية الحرجة»، وهي المكون الوسيط الواعي والنقدي الذي يربط بين القيادة السياسية والجماهير العريضة، ويمنع تحول الخطاب السياسي إلى شعبوية مبتذلة أو نخبوية معزولة. والأهم من ذلك هو ضرورة تحويل المفاهيم الكبرى، كـ«الدولة المدنية» و«الديمقراطية»، إلى «قيم معاشة» تتقاطع مع تفاصيل الحياة اليومية للمواطن وتمنحه الأمان والكرامة والازدهار.

 

الوعي بصفته مسارًا لا ينتهي

 

يمثل كتاب «متاهات» للدكتور مجدي إسحق وثيقة فكرية وسيكولوجية بالغة الأهمية في مكتبة الفكر السياسي العربي والأفريقي المعاصر. إنه كتاب لا يهادن النخب ولا يمارس الجلد الذاتي للجماهير، بل يعيد قراءة التحديات بوعي نقدي موضوعي وعميق.

 

إن الرسالة النهائية الممتدة عبر صفحات هذا الكتاب مفادها أن التحرر الحقيقي ليس لحظة خاطفة لإسقاط سلطة مستبدة، بل هو عملية تراكمية طويلة ومستمرة لبناء الإنسان الواعي، وتفكيك بنية القهر في المؤسسات والثقافة، وتحويل الوعي إلى قوة حية قادرة على تجاوز المتاهات وصناعة المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *