حين يصبح المنشور جريمة تعديل المادة (51) ومصادرة الإعلام الرقمي في زمن الحرب السودانية

شيماء تاج السر، المحامية

 

في التاسع عشر من أكتوبر 2026، نشرت الجريدة الرسمية السودانية ملحقًا حمل بين طياته المرسوم المؤقت رقم (7) لسنة 2026. وهو مرسوم لم يمر عبر برلمان منتخب، ولم يخضع لنقاش عام واسع، لكنه حمل في طياته تعديلًا على المادة (51) من القانون الجنائي لسنة 1991، تلك المادة التي طالما ظلت عصًا غليظة في يد السلطة، تُستخدم لمعاقبة من يُتهم بتقويض النظام الدستوري، بعقوبات تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد.

التعديل الجديد لم يغيّر العقوبة، بل أضاف عبارة صغيرة الحجم، كبيرة الأثر: “بما في ذلك النشر عبر الوسائط الإلكترونية أو الإعلامية”. عبارة واحدة كافية لتدخل كل من يكتب منشورًا على فيسبوك، أو يعلّق على خبر في واتساب، أو ينشر مقالًا في صحيفة رقمية، تحت مظلة جريمة كان يُفترض أنها مخصصة لمن يحمل السلاح ضد الدولة أو يتآمر مع قوة أجنبية.

هذا التعديل لم يأت من فراغ، بل أتى في وقت يشهد فيه السودان حربًا مستعرة منذ أبريل 2023، أطاحت بمعظم المؤسسات الإعلامية التقليدية، وأغلقت الصحف الورقية أبوابها، وهجر مئات الصحفيين مكاتبهم. في هذا الفراغ، تحولت المنصات الرقمية إلى الساحة الوحيدة المتبقية للمعلومة والنقاش والرأي. ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها يعتمدون على فيسبوك ومنصة X وواتساب وتلغرام لمتابعة أخبار القصف، ومعرفة أماكن الاشتباكات، وتوثيق الانتهاكات، وتبادل التعازي، والتعبير عن الغضب أو الأمل. أصبح الإعلام إلكترونيًا بالضرورة، لا بالاختيار، وانتقلت الصحافة بمفهومها المهني هي الأخرى إلى الشاشات، حيث يكتب الصحفيون مقالاتهم ويحللون الأحداث، وحيث يمارس المواطن العادي، الذي لم يتدرب في كلية إعلام، دور الناقل والمعلّق والشاهد.

في هذا السياق، يأتي التعديل ليقول شيئًا واحدًا واضحًا: هذا الفضاء الرقمي، بكل ما فيه من صوت وصورة وكلمة، لم يعد خارج حسابات السلطة. كان يمكن سابقًا الادعاء بأن المادة (51) تخص الأفعال المادية: التخطيط، والاتفاق، والاتصال بقوة معادية، أو استخدام القوة. أما الآن، فإن النشر نفسه، مجرد النشر، يمكن أن يُدرج ضمن الأفعال التي تقوض النظام الدستوري. والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لمنشور على فيسبوك، كتبه مواطن في مدينة آمنة نسبيًا، أو صحفي في المنفى، أن يقوض نظامًا دستوريًا؟.

الإجابة تكمن في اتساع التعريف وغياب الضوابط. فالمادة (51) لم تكن يومًا نصًا محكمًا، بل ظلت مطاطة تسمح بتأويلات واسعة. وإضافة النشر الإلكتروني إليها لا تعني أن كل منشور سيُحاكم صاحبه بالإعدام، لكنها تعني أن أي منشور يمكن، إذا أرادت السلطة، أن يدخل في دائرة الاشتباه. وحين يكون الاشتباه بيد سلطة الأمر الواقع، فإن الخوف لا يكون من العقوبة نفسها، بل من احتمال الوقوع تحت طائلتها.

ولنكن صريحين: لم يكن هذا التعديل ليمر بهدوء لولا أن السلطة القائمة ترى في النشر الإلكتروني تهديدًا حقيقيًا، ليس لأن النشر الإلكتروني سلبي بطبيعته، بل لأن دوره الإيجابي هو الأكبر. فالمنشورات الرقمية وثّقت جرائم الحرب، وأظهرت فسادًا، وكشفت انتهاكات، ونقلت أصوات النازحين الذين لا تصلهم الكاميرات. والصحفيون السودانيون الذين لم تعد لديهم صحيفة ورقية تحميهم أو تعرض قضاياهم وجدوا في منصاتهم الرقمية مساحة لممارسة المهنة. أما المواطن العادي الذي شاهد جريمة في حيه، فلم يعد بحاجة إلى صحفي ليسمع صوته، بل صار بإمكانه نشر مقطع فيديو أو كتابة شهادة. هذا هو الدور الإيجابي: إعلام بديل مضاد وموازٍ يكسر احتكار الرواية. وهذا بالضبط ما تخشاه السلطة. لذلك، لم تستهدف الأخبار الكاذبة، بل استهدفت النشر نفسه، بغضِّ النظر عن مضمونه، حين أدرجته تحت مادة عقوبتها الإعدام.

ولأن التعديل لا يعمل في فراغ، فلننظر إلى ما يحدث على الأرض. ففي الرابع من يناير 2026، أصدرت محكمة جنايات دنقلا حكمًا على المواطن (أ. م) بغرامة مليوني جنيه سوداني أو السجن ستة أشهر. التهمة: منشور على فيسبوك وصف فيه رئيس مجلس السيادة بأنه “نصف رجل ونصف قائد”. اعتبرت المحكمة المنشور إساءة بموجب المادة (26) من قانون جرائم المعلوماتية، لا بموجب المادة (51). لكن الحكم كشف المنطق نفسه: الكلمة على فيسبوك أصبحت قضية جنائية. هذا ليس تقويضًا للنظام الدستوري بالمعنى الحرفي، ولا إثارةً لحرب ضد الدولة، لكنه خطوة على الطريق. والخطوة التالية، بعد تعديل المادة (51)، ستكون أسهل. فمن اعتاد أن يعاقب على كلمة لن يجد صعوبة في أن يعاقب على جريمة كاملة.

وفي نوفمبر 2025، أصدرت محكمة الدويم حكمًا بالإعدام على متهم بتهمة معاونة مليشيا الدعم السريع على تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، بموجب المواد (26/51/50). يُظهر هذا الحكم كيف تُستخدم هذه المواد كحزمة واحدة. وحين تُضاف إلى الحزمة عبارة “النشر عبر الوسائط الإلكترونية”، فإن كل من يكتب عن الحرب، أو ينتقد القائد العام، أو حتى يعيد نشر خبر لا يعجب السلطة، يصبح مهددًا بأن يُدرج اسمه في بلاغ تحت المادة (51).

المشكلة ليست في أن السلطة سنّت قانونًا، بل في أن هذا القانون جاء من سلطة أمر واقع، لم تُنتخَب ولا تمثِّل إلا نفسها، وتقاتل من أجل البقاء. حكومة الحرب لا تحتاج إلى قوانين تحمي الحريات، بل إلى قوانين تحمي نفسها. والتعديل على المادة (51) هو بالضبط ذلك: أداة دفاع سياسي مقنّعة بلغة قانونية.

ولهذا، فإن الانتقاد لا يقتصر على سوء التطبيق أو التأويل الخاطئ، بل يمتد إلى شرعية التعديل نفسه. من يملك حق تعديل قانون جنائي في بلد مزقته الحرب، وحكومته تسيطر على أقل من نصف أراضيه، وبرلمانه معطّل أو شكلي؟ من يملك السلاح؟ وهذا ليس أساسًا شرعيًا لأي قانون.

ولننظر إلى التشوّه في التعديل نفسه. ينص التعديل على أن النشر الإلكتروني يُدرج ضمن الأفعال التي قد تندرج تحت المادة (51)، لكنه لا يحدد ما هو النشر الذي يثير الحرب ضد الدولة. هل هو كل نشر، أم النشر الذي يحتوي على أخبار كاذبة؟ ومن يحدد الكذب؟ هل هو النشر الذي يثير الحرب ضد الدولة، أم كل انتقاد للجيش أو حكومة الأمر الواقع؟ النص لا يجيب، بل يترك الباب مفتوحًا لكل تأويل.

وفي غياب قضاء مستقل، وبعد أن فقدت المؤسسات القضائية 95% من وظائفها منذ بداية الحرب، وفق تقارير دولية، سيكون التأويل بيد النيابة العامة التي تُعيِّنها السلطة، وأمام قضاة يعملون في ظروف استثنائية تحت ضغط الحرب والانقسام. والنتيجة قانون لا يحتاج إلى إدانة فعلية ليكون فعالًا؛ فمجرد وجوده كافٍ لإسكات الأصوات. هذا ما يسميه خبراء حقوق الإنسان “الأثر المُبرِّد”: لا تحتاج إلى سجن كل صحفي؛ يكفي أن تسجن واحدًا أو اثنين، أو أن تفتح بلاغًا ضد ثالث، حتى يفكر الباقون مرتين قبل النشر.

وهنا يبرز السؤال الأهم: أين تقف المواثيق الدولية من كل هذا؟ السودان طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تكفل المادة (19) منه حرية التعبير، ولا تسمح بتقييدها إلا إذا كانت القيود محددة بالقانون، وضرورية ومتناسبة مع هدف مشروع. والمادة (51) بعد التعديل لا تستوفي هذه الشروط؛ فهي ليست محددة، لأنها لا تحدد ما هو النشر الذي يعاقب عليه. وليست متناسبة، فعقوبة الإعدام على منشور إلكتروني هي أقصى درجات عدم التناسب. وهدفها ليس الأمن القومي بالمعنى الضيق، بل حماية نظام سياسي.

ويكفل الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، في مادته التاسعة، حرية التعبير، ويشترط أن تكون أي قيود عليها قانونية وضرورية. والتعديل ليس قانونيًا بالمعنى الديمقراطي، لأنه صدر بمرسوم، وليس ضروريًا، لأن السلطة لم تقدم دليلًا على أن النشر الإلكتروني في حد ذاته يهدد وجود الدولة.

أما القانون الدولي الإنساني، الذي ينطبق على النزاعات المسلحة، فيحمي الصحفيين المدنيين بوصفهم أشخاصًا محميين، ويمنع استهدافهم. لكن التعديل لا يستهدف الصحفيين كأشخاص، بل يستهدف فعل النشر، وهو ما يجعله أكثر خطورة: إنه لا يقتل الصحفي، بل يقتل الصحافة نفسها.

وفي تقرير للبعثة المشتركة لتقصي الحقائق التابعة للاتحاد الأفريقي، صدر في أكتوبر 2025، وُصفت البيئة الإعلامية في السودان بأنها “من بين الأكثر خطورة في المنطقة”، مع تسجيل مقتل 11 صحفيًا، واختفاء 6 آخرين، واعتقال 16 منذ بداية الحرب. هذه ليست أرقامًا مجردة، بل أرواح. والتعديل الجديد يضيف طبقة أخرى من الخطر؛ فلم يعد الصحفي بحاجة إلى أن يكون في خط النار ليموت، بل يكفي أن ينشر.

والمواطن العادي، الذي لم يحمل سلاحًا ولم ينتمِ إلى أي فصيل، أصبح أيضًا في مرمى القانون. فهو يكتب منشورًا عن قصف حي سكني، أو يعلّق على خطاب سياسي، أو يشارك خبرًا عن مجاعة، ثم يجد نفسه متهمًا بـ”تقويض النظام الدستوري”.

لا يمكن فصل هذا التعديل عن سياقه الأوسع: حرب مستمرة، وسلطة غير شرعية، وإعلام تقليدي منهار، وفضاء رقمي هو المتنفس الوحيد، ومحاولة يائسة لتنظيم هذا الفضاء بالقوة. لم تكن المادة (51) يومًا أداة عدالة، بل أداة سلطة، والتعديل الجديد يعيد تأكيد ذلك.

لكن الأخطر أن السلطة في زمن الحرب لم تعد بحاجة إلى تبرير، ولم تعد بحاجة إلى محاكمة عادلة، ولا إلى قاضٍ مستقل، ولا إلى رأي عام. يكفي أن تنشر التعديل في الجريدة الرسمية، وتترك الباقي للخوف. والخوف، في النهاية، هو السلاح الأكثر فعالية، لكنه أيضًا السلاح الذي يولّد المقاومة.

فحين يصبح كل منشور جريمة، يصبح كل كاتب متهمًا، وحين يصبح كل كاتب متهمًا، يصبح كل صمت تواطؤًا. والسودان، الذي أنتج صحافة رقمية حية في أحلك أيامه، لن يصمت بسهولة.

ومهما ضاقت المساحة واشتدّ الخناق، فإن الشرفاء من السودانيين لن يتوقفوا عن قول “لا للحرب”، ولن يتوقفوا عن الدعوة إلى السلام والاستقرار، ولن يتوقفوا عن توثيق الانتهاكات التي يرتكبها الطرفان على حد سواء. هذه ليست مهمة سياسية ولا شعارًا حزبيًا، بل واجب إنساني وأخلاقي يفرضه الدم الذي سال، والبيوت التي هُدّمت، والأرواح التي فُقدت.

فحين تعجز المؤسسات عن حماية الناس، يبقى الأفراد صوتًا للضحايا، وشاهدًا على الجرائم، وحاملًا للأمل في غد أفضل. إن توثيق الانتهاكات ليس عملًا عدائيًا ضد طرف بعينه، بل هو دفاع عن الحقيقة ذاتها، وعن حق الضحايا في أن تُروى مأساتهم، وعن حق السودان في أن يُكتب تاريخه بأقلام أبنائه، لا بأقلام من يريدون طمس معالم الجريمة.

ومن يراقب المشهد السوداني عن كثب يدرك أن الصحفيين والمواطنين الذين يوثقون الانتهاكات، سواء عبر منصاتهم الرقمية أو من خلال شهاداتهم المباشرة، إنما يمارسون أبسط حقوقهم الإنسانية: الحق في المعرفة، والحق في التعبير، والحق في رفض الظلم.

ولن تنجح القوانين المقيّدة، ولا المراسيم المفاجئة، ولا أحكام الإعدام المعلّبة، في إسكات هذا الصوت؛ لأن الحقيقة، عندما تُكتب بحبر الشهداء، تصبح أقوى من كل المحاكمات.

فالسودان، الذي أنتج صحافة رقمية حية في أحلك أيامه، وأنتج مواطنين يحملون هواتفهم كي يوثقوا ما لا تراه الكاميرات الرسمية، لن يصمت بسهولة، ولن يرضى بالحرب بديلًا عن الحياة، ولن يقبل أن يبقى رهينة لمنطق السلاح.

إن الشرفاء من السودانيين، في الداخل والمنفى، يعرفون تمامًا أن السلام ليس ترفًا، وأن الاستقرار ليس مِنّة من أحد، وأن توثيق الانتهاكات ليس خيانة، بل هو أعلى أشكال الوطنية وأصدق تعبير عن الانتماء إلى هذا البلد الجريح، الذي يستحق من أبنائه أن يقفوا مع الحق لا مع القوة، ومع الضحايا لا مع الجلادين، ومع الحياة لا مع الموت.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *