محمد عبد الله
لم تكن الأغنية الوطنية السودانية وليدة إعلان الاستقلال في الأول من يناير 1956، ولا بدأت مع نشأة الإذاعة السودانية، وإنما سبقت ذلك بعقود، حين أخذت الأغنية تخرج من دائرة الغزل ووصف المحبوبة والطبيعة إلى فضاء أرحب، تتداخل فيه مشاعر الانتماء مع الوعي بالهوية الوطنية ومقاومة الاستعمار.
ولعل أجمل ما في تاريخ هذه الأغنية أنها لم تبدأ بقرار سياسي، ولم تصنعها مؤسسة رسمية، بل نمت في وجدان الناس، وعلى ألسنة الشعراء والمغنين، حتى أصبحت جزءاً من الذاكرة الوطنية.
كانت البدايات الأولى متصلة بأشكال الغناء الشعبي السوداني، من الدوبيت والطنبور والجراري والرميات، فضلاً عن المديح والإنشاد الصوفي. وفي تلك الألوان كانت الأرض والناس والحياة اليومية حاضرة، وإن لم تكن الوطنية بمعناها السياسي الحديث قد تبلورت بعد.
ومع مطلع القرن العشرين، وتحديداً في عشرينياته، بدأت الأغنية السودانية تدخل مرحلة جديدة عُرفت لاحقاً بمرحلة «حقيبة الفن»، التي شهدت تطوراً مهماً في بناء القصيدة الغنائية واللحن والأداء. وكانت أم درمان، بما شهدته من حراك اجتماعي وثقافي، المسرح الأبرز لهذا التحول.
في تلك المرحلة برز اسم الشاعر والفنان خليل فرح (1894-1932) بوصفه أحد أهم الذين نقلوا الأغنية السودانية من التعبير عن العاطفة الفردية إلى التعبير عن حب الوطن. فقد كان الرجل شاعراً وفناناً، ومنخرطاً في الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار، ولم يكن من الممكن فصل تجربته الإبداعية عن انشغاله بمصير بلاده.
وتظل أغنيته «عزة في هواك» واحدة من العلامات الفارقة في تاريخ الغناء الوطني السوداني. فعزة، في ظاهر النص، امرأة يخاطبها عاشق، لكنها في عمق الأغنية تتجاوز المحبوبة الفردية لتصبح رمزاً للوطن. وهنا تكمن عبقرية الخليل، إذ استطاع أن يجعل الحب الشخصي لغة للتعبير عن الانتماء الوطني، من دون أن يفقد النص عذوبته الشعرية.
ولم يكن خليل فرح وحده في ذلك الطريق. فقد أسهم الحاج محمد أحمد سرور، وعبد الكريم كرومة، وإبراهيم العبادي، وصالح عبد السيد أبو صلاح، وسيد عبد العزيز، وعمر البنا، ومحمد ود الرضي، في تأسيس المدرسة الغنائية التي احتضنت هذه الروح الجديدة. وقدمت تلك المرحلة أعمالاً حملت إشارات واضحة إلى الوطن والمقاومة والكرامة، وإن تفاوتت في مباشرتها للموضوع الوطني.
ومع اقتراب البلاد من مرحلة تقرير المصير، اتخذ الغناء الوطني منحى أكثر وضوحاً في مخاطبة الجماهير. فظهرت أغنيات تحث على اليقظة والعمل ومواجهة التحديات، من بينها «قائد الأسطول» التي كتبها سيد عبد العزيز، وغناها كرومة، و«انهض يا شباب» التي كتب كلماتها عمر البنا. ولم تعد الأغنية تكتفي بالتعبير عن حب الوطن، بل أخذت تدعو إلى المشاركة في صنع مستقبله.
ثم جاءت مرحلة جديدة مع انتشار الإذاعة السودانية، التي تأسست عام 1940، فانتقلت الأغنية من مجالس الأحياء والبيوت والأسطوانات إلى جمهور أوسع. وأصبح للغناء الوطني حضور متزايد في المناسبات العامة والاحتفالات الوطنية.
ومن الأعمال التي تستحق الوقوف عندها نشيد «صه يا كنار» للشاعر الصاغ محمود أبو بكر، الذي حمل نبرة وطنية واضحة، وجمع بين جزالة اللغة العربية وروح المقاومة. كما برزت أعمال أخرى في مرحلة ما قبل الاستقلال، جعلت من القصيدة الوطنية وسيلة للتعبئة المعنوية والتعبير عن تطلعات السودانيين.
وبإعلان الاستقلال عام 1956، دخلت الأغنية الوطنية مرحلة مختلفة، فلم يعد الوطن مجرد حلم بالخلاص من الاستعمار، وإنما أصبح دولة يتطلع أبناؤها إلى بنائها. وفي ذلك العام اعتُمد نشيد «نحن جند الله جند الوطن» سلاماً جمهورياً، ليصبح أحد رموز الدولة السودانية المستقلة.
وفي عام 1961 ظهر واحد من أشهر الأعمال الوطنية في تاريخ السودان، وهو «اليوم نرفع راية استقلالنا»، من كلمات الشاعر عبد الواحد عبد الله، ولحن وأداء الفنان محمد وردي. وقد تحول النشيد إلى تقليد سنوي يتجدد مع احتفالات الاستقلال، وتجاوزت شهرته حدود جيله ليصبح جزءاً من الوجدان السوداني المشترك.
ومع تطور الموسيقى السودانية، اتسعت دائرة الأغنية الوطنية، وبرز فنانون كبار، من بينهم أحمد المصطفى، وإبراهيم الكاشف، وعثمان الشفيع، ومحمد الأمين، ومحمد وردي، الذين قدموا أعمالاً لم تقتصر على تمجيد الوطن، بل تناولت وحدته وتنوعه وأحلام مواطنيه.
ولعل ما يميز التجربة السودانية أن الأغنية الوطنية لم تكن دائماً نشيداً حماسياً مباشراً، فقد كانت أحياناً قصيدة حب، وأحياناً حنيناً إلى الأرض، وأحياناً احتجاجاً على واقع لا يليق بأحلام الناس. ومن هنا اكتسبت قدرتها على البقاء والتجدد.
واليوم، والسودان يمر بأقسى محن تاريخه الحديث، تبدو العودة إلى تراث الأغنية الوطنية أكثر من مجرد استعادة لأعمال جميلة من الماضي. إنها عودة إلى سؤال ظل حاضراً في تلك الأغنيات منذ أيام خليل فرح: ما الوطن الذي نريده، وما الذي يجعل أبناءه يشعرون بأنه وطنهم جميعاً؟.
فالأوطان لا تصنعها الأناشيد وحدها، لكن بعض الأناشيد تستطيع أن تذكّر الناس بما كادوا ينسونه: أن الوطن أكبر من حكامه، وأبقى من صراعات سلطته، وأن حبه لا يكتمل إلا حين يتسع لجميع أبنائه.