مسيّرات تستهدف جل الولايات.. والمدنيون ضحايا ويدفعون الثمن!

القسم السياسي (ديسمبر)

 

شهد الأسبوع الماضي استمراراً في الهجمات بالمسيّرات، من خلال الهجمات التي شنها الدعم السريع على عدة مناطق بالسودان، مع التركيز على محطات الطاقة الكهربائية والوقود، بجانب منشآت عسكرية في مواقع بالدمازين بولاية النيل الأزرق والدبة بالولاية الشمالية.

 

قُدّر عدد الهجمات التي نفذتها المسيّرات التابعة للدعم السريع، اعتباراً من العشرين من شهر أكتوبر الماضي وحتى الأول من نوفمبر الجاري، بنحو (16) هجوماً مرصوداً. ففي العشرين من أكتوبر الماضي، استُهدفت محطة تندلتي (بولاية النيل الأبيض)، وبعدها بستة أيام، في 26 أكتوبر الماضي، تعرضت (4) محطات كهرباء للهجمات في كل من سنجة (ولاية سنار)، ومشكور (النيل الأبيض)، والجنيد (ولاية الجزيرة)، والحواتة والفاو (ولاية القضارف). وشهد اليوم التالي هجوماً على محطة المرخيات (ولاية الخرطوم).

 

وفي اليوم الذي يليه، 28 أكتوبر الماضي، هوجمت كل من محطة المناقل (ولاية الجزيرة) وكادوقلي (جنوب كردفان)، وفي اليوم التالي استُهدفت محطة أم دباكر (ولاية النيل الأبيض)، فيما تعرضت محطة شندي (ولاية نهر النيل) للهجوم في الثلاثين من أكتوبر. وفي اليوم التالي هوجمت محطة هيا (ولاية البحر الأحمر)، وشهد فجر الأول من نوفمبر الجاري شن هجوم على محطتي أبو حمد والدبة (الولاية الشمالية)، أما الثاني من نوفمبر الجاري فشهد الهجوم على محطة كهرباء حلفا الجديدة (ولاية كسلا).

 

وفي ذات السياق، تعرضت عاصمة إقليم النيل الأزرق لهجمات متعددة طالت منشآت عسكرية ومحطات لبيع الوقود، وجاءت ضمن سلسلة هجمات سابقة شهدتها المدينة، أبرزها الهجوم على منزل حاكم الإقليم، الفريق أحمد العمدة، في الثالث من أكتوبر الجاري.

 

وبإلقاء نظرة على المواقع الجغرافية التي استهدفتها المسيّرات منذ 28 سبتمبر الماضي وحتى الثالث من نوفمبر الجاري، نجد أنها شملت ولايات إضافية هي (شمال كردفان، وغرب كردفان، وشرق دارفور، وجنوب دارفور، وشمال دارفور، وغرب دارفور). وهنا نكتشف، وطبقاً لذلك، وبكل أسف، أن (17) ولاية من الولايات  الـ(18) بالبلاد تعرضت لهجمات الطائرات المسيّرة من قبل أطراف الحرب..

 

اتساع المخاطر

 

كشفت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، في تقرير أصدرته يوم الأربعاء 28 أكتوبر الماضي، بعنوان «حرب السودان المستمرة بلا هوادة: دمار يلحق المدنيين وتفاقم انعدام الأمن في الأبيض»، عن زيادة المخاطر المترتبة على تصاعد الصراع والعنف في السودان.

 

وقال رئيس البعثة، محمد شاندي عثمان، إن الهجمات المبلغ عن وقوعها في النيل الأزرق وأبيي وبالقرب من الحدود السودانية المصرية تؤكد ما يحذرون منه منذ أشهر، «بأن النزاع يزداد اتساعاً من الناحية الجغرافية، وتطوراً من الناحية التكنولوجية، وخطورةً على المدنيين».

 

وسبق أن أشارت البعثة، في تقرير أصدرته في شهر سبتمبر الماضي بعنوان «تأجيج النزاع في السودان: الأسلحة والمقاتلون وشبكات الدعم الخارجي»، إلى تزويد جهات فاعلة خارجية كلا الطرفين بالإمدادات، ومساعدتها على إدامة العمليات العسكرية، بما أسهم في استمرار النزاع وتصعيده، بما في ذلك من خلال الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة وغيرها من منظومات الأسلحة المتطورة.

 

وقالت عضوة اللجنة، جوي نجوزي إيزيلو: «بعد مرور عام على الدمار الذي لحق بالفاشر، لا يزال المدنيون في أجزاء أخرى من السودان يدفعون ثمن نزاع يزداد تدميراً ويصعب الإفلات منه. ففي الأبيض، تُبيّن الهجمات على شبكات الكهرباء ومرافق المياه والمستشفيات والمدارس ومواقع النزوح كيف يمكن للأضرار التي تلحق بالبنية التحتية المدنية الحيوية أن تمتد آثارها إلى مجتمعات بأكملها بعد وقت طويل من وقوع الهجوم».

 

ما بعد أبيي ونيالا

 

اعتبر مراقبون أن ردة الفعل العنيفة التي اتضحت في نبرة الدعم السريع وحلفائه، عقب الهجومين على سوق (أميت)، المعروف أيضاً باسم (سوق النعام)، بمنطقة أبيي يوم الاثنين 19 أكتوبر، والهجوم على سوق حي ود ديمانة بنيالا يوم 26 أكتوبر الماضي، اللذين اتُّهم الطيران المسيّر التابع للجيش بشنهما، بالإضافة إلى تصريحات منسوبة لقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، خلال مخاطبته مجموعة من قواته قبل أسابيع، قال فيها «إن لكل داء دواء»، وإطلاقه الوعيد للجيش، مثلت مؤشراً إلى ردة فعل مختلفة عما سبق.

 

ونجد أن هجوم سوق (أميت) سجل عدداً كبيراً من القتلى، ارتفع إلى 220 قتيلاً و30 جريحاً و19 مفقوداً، نتيجة للهجوم على السوق بـ12 مقذوفاً، طبقاً لما أورده وزير الإعلام بإدارية أبيي التابعة لدولة جنوب السودان، يوحنا أكول نقور، لصحيفة (ديسمبر) في عددها الصادر يوم 29 أكتوبر الجاري. أما الهجوم على سوق ود ديمانة بمدينة نيالا يوم 26 أكتوبر الجاري، فقد أعلن تحالف السودان التأسيسي المساند للدعم السريع، في بيان أصدره، أن أعداد الضحايا وصلت إلى 102 قتيل و113 جريحاً.

 

وفي هذا السياق، من الضروري الإشارة إلى أمرين؛ أولهما إفادة وكالة الأنباء الفرنسية بأن هجمات نيالا استهدفت مواقع عسكرية، بالإضافة إلى موقع السوق المذكور. وقدرت الوكالة الفرنسية عدد الذين قتلوا في الهجوم على السوق، الذي وقع مساء 26 أكتوبر الماضي، نقلاً عن مصدر طبي، بـ21 شخصاً، وإصابة أكثر من أربعين شخصاً. كما شهد اليوم نفسه شن قوات الدعم السريع هجمات بالمسيّرات استهدفت من خلالها محطات الكهرباء في كل من سنجة ومشكور والجنيد والحواتة والفاو، وشنت صباح يوم 27 أكتوبر الماضي، بعد ساعات من الهجوم على سوق نيالا، هجوماً بالطائرات المسيّرة على محطة كهرباء المرخيات بولاية الخرطوم.

 

ومن الضروري التنبيه إلى أن هناك مساراً من المواجهات بين الطرفين بهجمات المسيّرات، يمتد على طول خطوط القتال والمعارك، ويتم من خلاله استهداف المجموعات والمتحركات العسكرية، خاصة في مناطق كردفان والنيل الأزرق. ويُلاحظ أن كلا الطرفين يتجنبان الإعلان عنها بصورة رسمية، وهو ما جعلها فعلياً خارج دائرة الرصد والتتبع.

 

هجمات الأبيض

 

سنحاول في السطور القادمة القيام برصد عام لسلسلة من الأحداث والهجمات التي شنها الطرفان منذ أواخر سبتمبر الماضي وحتى الثالث من نوفمبر الجاري. وفي هذا السياق، نجد أن الدعم السريع استهدف الملعب الأولمبي بمدينة الأبيض يوم 28 سبتمبر الماضي. ورغم إصدار حكومة ولاية شمال كردفان التابعة لسلطة قائد الجيش بياناً استنكرت فيه هذا الهجوم، بوصفه تعدياً على أعيان مدنية، فإن جهات إعلامية مستقلة نقلت عن مواطنين بالمدينة قولهم إن المنشأة تم تحويلها للاستخدام العسكري، بتخزين الذخائر والأسلحة فيها ووجود مجموعات مقاتلة، وهو السبب الذي نتجت عنه انفجارات ضخمة في الملعب بعد استهدافه.

 

وشهدت داخلية جامعة كردفان، في الثلاثين من سبتمبر الماضي، هجوماً بطائرة مسيّرة للدعم السريع، نتج عنه مقتل خمسة أشخاص وإصابة 47 آخرين، وكان المبنى يُستخدم باعتباره مأوى للنازحين. وعلى عكس الحادث الأول الخاص بالملعب الأولمبي، فإن هذه الحادثة شهدت إصدار إدانات من عدة جهات، أبرزها محامو الطوارئ.

 

من كردفان إلى النيل الأزرق

 

تعرضت شاحنتان تتبعان لبرنامج الأغذية العالمي، يوم السبت 3 أكتوبر، لهجوم استهدفهما حينما غادرتا المدينة وكانتا في طريقهما نحو عاصمة الولاية، كادوقلي، وهو ما ترتب عليه مقتل أحد السائقين وتدمير أكثر من 50 طناً من المساعدات. وسبق أن تعرضت شاحنتان تابعتان لبرنامج الأغذية العالمي، في 30 أغسطس، لهجوم بطائرة مسيّرة ترتب عليه تدمير كامل الحمولة التي قُدرت بخمسين طناً من المساعدات.

 

واشترك الحادثان في عدم تحميل برنامج الأغذية العالمي المسؤولية لأي من الطرفين المتحاربين، مع مطالبته بإجراء تحقيق حولهما. أما طرفا الحرب فقد قاما، بدورهما، في المرتين بتبادل الاتهامات وتوجيه كل منهما أصابع الاتهام إلى الطرف الآخر، واتهامه بالتورط في الهجوم.

 

وتعرضت مناطق بولاية غرب كردفان لهجمات بطائرات مسيّرة تابعة للجيش. ففي يوم الخميس 8 أكتوبر، تعرض مبنى محلية النهود، الذي يُستخدم لإيواء النازحين، لهجوم نتج عنه مقتل 12 شخصاً وإصابة 8 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال. فيما تعرض حي أبو باع السكني بمدينة غبيش لهجوم بطائرة مسيّرة تابعة للجيش، أسفر عن مقتل 4 أشخاص من أسرة واحدة.

 

أما في محافظة ود الماحي بإقليم النيل الأزرق، فقد تعرض مركز إيواء أبو شندي لهجوم بطائرة مسيّرة تابعة للدعم السريع يوم 8 أكتوبر، وهو ما أدى إلى مقتل 26 امرأة و4 أطفال على الفور، كما توفي في وقت لاحق اثنان من كبار السن متأثرَين بجراحهما، فيما أُصيب 43 شخصاً. وتسبب الهجوم كذلك في تدمير مصدر المياه بالمنطقة.

 

وشنت المسيّرات التابعة للجيش، يوم الأربعاء 14 أكتوبر الماضي، 3 هجمات، كانت أولاها في فوجا بغرب كردفان، حيث استُهدف مواطنون على متن مركبة، ما تسبب في مقتل 3 مدنيين، بجانب هجوم على قرية الجنانة (غرب كردفان) قرب ود بندة، تسبب في مقتل طفل. فيما قصفت طائرة حربية منزلاً في منطقة أبو زعيمة (شمال كردفان)، وهو ما تسبب في مقتل 5 أطفال وإصابة والدتهم.

 

وهاجمت مسيّرة تابعة للجيش، يوم السبت 17 أكتوبر الماضي، وفي منطقة عنكوش (غرب كردفان)، عربة لوري تقل مواطنين، ما تسبب في مقتل 4 مواطنين، من بينهم نساء، وإصابة آخرين بجروح خطيرة. وكانت السيارة متوجهة من منطقة أبو قلب التابعة لمحلية أبو زبد بولاية غرب كردفان نحو منطقة المزروب بولاية شمال كردفان.

 

هجمات دارفور والخرطوم

 

وفي ذات اليوم، هاجمت مسيّرة تابعة للدعم السريع، في منطقة سناقيت بالقرب من منطقة بير سليبة بمحلية سربا بغرب دارفور، مجموعة من النازحين الذين قدموا إلى المنطقة بغرض الزراعة، وهو ما أسفر عن مقتل 11 شخصاً، من بينهم 6 نساء، وإصابة 5 آخرين.

 

وتعرضت العاصمة الخرطوم، صباح يوم الاثنين 19 أكتوبر الماضي، لسلسلة هجمات شنتها مسيّرات تابعة للدعم السريع، استهدفت في مطلعها مقراً لسلاح الأسلحة والذخيرة بالدروشاب شمال الخرطوم بحري، ثم استهدفت هجمات لاحقة مطار الخرطوم الدولي، ونتج عن هذا الهجوم مقتل 3 أطفال بمنطقة امتداد ناصر شرق الخرطوم. وشهد اليوم ذاته الهجوم على سوق (أميت)، المعروف أيضاً باسم (سوق النعام) بأبيي، الذي خلف أكثر من 220 قتيلاً.

 

وتعرضت مناطق الضعين وأبو جابرة (شرق دارفور) وبابنوسة (غرب كردفان)، خلال الفترة من 21 إلى 22 أكتوبر الماضي، لهجمات بالطائرات المسيّرة التابعة للجيش، والتي استهدفت في الضعين سوق نيالا بحي العرب ومركزاً صحياً في الحي نفسه، وأسفر هذا الهجوم عن مقتل طفل وإصابة آخرين. فيما نتج عن هجوم مسيّرة أخرى تابعة للجيش على سوق أبو جابرة مقتل شخصين، من بينهما طفل، وإصابة حوالي 10 أشخاص. أما الهجوم على مدينة بابنوسة فقد استهدف مقر الشرطة الفيدرالية بالمدينة، الذي تعرض لتدمير كبير، ونتج عنه إصابة اثنين من المواطنين.

 

شمال دارفور على الخط

 

بالنسبة للفترة الممتدة من العشرين من أكتوبر الماضي وحتى الأول من نوفمبر الجاري، والتي سبق أن أشرنا إليها في مستهل هذا التقرير، نجد أن الهجمات شملت مواقع بالولايات الخاضعة لسيطرة الجيش، من بينها محطات كهرباء ووقود ومنشآت عسكرية في ولايات (النيل الأبيض، وسنار، والجزيرة، والقضارف، والخرطوم، وجنوب كردفان، ونهر النيل، والبحر الأحمر، والولاية الشمالية، والنيل الأزرق، وكسلا). كما تعرضت مدينة نيالا، في 26 أكتوبر الماضي، لهجوم استهدف مواقع عسكرية وسوق ود ديمانة بمدينة نيالا (جنوب دارفور).

 

وأفادت مصادر محلية في محليتي كرنوي وأمبرو بشمال دارفور، الواقعتين تحت سيطرة أطراف من القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش، بشن مسيّرات تابعة للدعم السريع هجمات في أواخر أكتوبر الماضي، ما أدت إلى مقتل 5 مدنيين، بينهم امرأتان وطفل، طبقاً لما ذكره مجلس تنسيق غرف طوارئ كرنوي. أما منطقة المالحة فقد تعرضت، في الأول من نوفمبر الجاري، لهجوم بطائرة مسيّرة في وادي المجرور، بين منطقة «الحارة» ومنطقة «أم بيادة» بمحلية المالحة في ولاية شمال دارفور، نتج عنه وفاة شخصين ونجاة الشخص الثالث المرافق لهما، واتهم مرصد طوارئ المالحة الجيش بتنفيذ هذا الهجوم.

 

وتُظهر الحصيلة الواضحة لهجمات الطائرات المسيّرة التي شنها كل من الجيش والدعم السريع خلال الفترة من 28 سبتمبر الماضي وحتى الثالث من نوفمبر الجاري أن المدنيين هم ضحايا تلك الهجمات، من واقع أرقام القتلى والجرحى والمفقودين. وتُظهر الأرقام أن جزءاً كبيراً من الضحايا هم من النساء والأطفال، بجانب كبار السن، وفي بعض الأحيان يكون الأطفال الضحايا من أسرة واحدة، للأسف الشديد. وهو ما يجعل المطلب الملحّ والمطلوب بإلحاح في الوقت الحالي، وأكثر من أي وقت مضى، هو ضرورة وقف الحرب التي يدفع المدنيون ثمنها وكلفتها الباهظة أكثر من غيرهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *