تقرير: (ديسمبر)
على وجه حذر وبنصف ابتسامة غامضة، استمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العروض المقدمة من قائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي كان سخياً معه إلى درجة غير متوقعة. إذ قدم قائد الجيش دفعة واحدة مربعاً لإنتاج الذهب والتعدين في معدن النحاس وغيره من المعادن النفيسة، وموانئ تجارية على البحر الأحمر، ومساحات للتخزين، والسكك الحديدية، ودعوة للاستثمار في ما تراه روسيا مناسباً.
المفارقة أن المضيف بوتين لم يقدم مقابل هذا العرض السخي أي شيء، مكتفياً بنصف الابتسامة الغامضة على وجهه، وهو يعلم أن القائد الجالس أمامه يمر حكمه بمنعطف اقتصادي حرج، وحرب لا تلوح لها نهاية، وتعقيدات سياسية عاصفة.
قطعاً، لم يمنع بوتين نفسه من تذكر الجنرال السوداني الذي جلس في ذات الكرسي، واسمه عمر البشير، طالباََ العون والحماية من بطش أمريكا. وكلاهما؛ السابق البشير والحالي البرهان، وضعا موارد السودان وخيراته تحت أقدام القيصر مقابل حمايتهما وحماية سلطتهما وبقائهما في كرسي الحكم، والمفارقة أن القيصر لا ينظر إليها بالاهتمام أو العناية الكافية.
الإعلام الروسي والسوداني
الملاحظة التي تستحق الانتباه أن ما يدور في لقاءات الجنرالات السودانيين والقيادة الروسية دائماً ما يُعلن من جانب الإعلام الروسي، بينما يصمت الإعلام السوداني الرسمي عن ذكر أي تفاصيل. وقال خبير إعلامي: «الجانب الروسي كان، في المرتين، المصدر الأساسي الذي أتاح للرأي العام الاطلاع على تفاصيل ما طرحه الرئيسان السودانيان في محادثاتهما مع الرئيس الروسي، بينما لم يصدر عن الجانب السوداني عرض تفصيلي موازٍ بالوضوح نفسه».
وفي هذا دلالات، حسب الخبير الإعلامي، من بينها تأكيد النفوذ الروسي في القارة الأفريقية في مواجهة تحدي النفوذ الأمريكي. وقال: «في 23 نوفمبر 2017، نشر الكرملين نص حديث عمر البشير أمام بوتين في سوتشي، وكان الحديث كاشفاً بصورة لافتة؛ إذ لم يكتفِ البشير بالإشادة بالعلاقات الروسية السودانية، وإنما تحدث عن حاجة السودان إلى الحماية من التحركات الأمريكية، وانتقد السياسة الأمريكية في المنطقة، ثم طرح مناقشة استخدام قواعد عسكرية روسية في البحر الأحمر».
المشهد تكرر مع البرهان في 2026، وهذه المرة فإن وكالة الأنباء الروسية «تاس» هي التي نقلت تفاصيل العرض السوداني المتعلق بمنح روسيا فرصاً للتنقيب عن الذهب والنحاس والمعادن الأخرى، وإنشاء منطقة اقتصادية حرة على البحر الأحمر، واستخدامها لتخزين الوقود والقمح، والمشاركة في تطوير السكك الحديدية السودانية. من المؤكد أن روسيا تمتلك الرواية وتطوعها إعلامياً كيف تشاء، مقابل الخرس الرسمي السوداني. باختصار، في الحالتين، أتاحت موسكو للعالم الاطلاع على ما يقدمه السودان، بينما لم تقدم المؤسسات السودانية، في المواد المنشورة التي استندنا إليها، رواية تفصيلية مماثلة.
البحر الأحمر: السعودية تتدخل
في 2017، بدأ الجيش في استخدام شواطئ البحر الأحمر كأحد كروت الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية، بالتلويح المستمر بتسليم هذه الشواطئ للمنافس الاستراتيجي؛ روسيا. البشير كان أكثر جرأة من خلفه البرهان، إذ كان توجهه تحويل هذه الشواطئ إلى وجود عسكري روسي عبر منحهم قاعدة عسكرية، على الرغم من أن عرض البشير تضمن أيضاً تسهيلات اقتصادية تبين لاحقاً أن المستفيدين منها قريبون من البشير أسرياً وتنظيمياً.
وفعلياً، تجاوب الروس مع العرض، ووصلت (3) فرقاطات روسية محملة بأكثر من (50) جندياً، ورست جوار قاعدة فلامنغو العسكرية. وقالت روسيا وقتها إنها قاعدة لوجستية.
أما البرهان، فلم يتطرق في عرضه أمام بوتين إلى القاعدة العسكرية، وحرص على تقديم عرض استثماري، ولكن تضمن هذا العرض وجوداً روسياً في سواحل البحر الأحمر عبر الموانئ وصوامع التخزين والمستودعات. وعرض البرهان في البحر الأحمر ينطلق من ذات التفكير، وهو الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية، ومن قبلها إسرائيل ودول الخليج.
وقال مصدر مطلع لـ(ديسمبر): «عرض القاعدة الروسية لم يعد سارياً بعد أن أوقفته حكومة الفترة الانتقالية، والأهم من ذلك تدخل سعودي مع الجانب الروسي بصرف النظر عن القاعدة العسكرية على البحر الأحمر، حرصاً على أمنها، واضعةً في الاعتبار التقارب الإيراني الروسي».
وبحسب المصدر: «البرهان لم يكن ليجدد العرض وهو يعلم موقف المملكة العربية السعودية منه».
ولا يُستبعد أن يواجه العرض الاستثماري على البحر الأحمر الذي قدمه البرهان ذات «الفيتو» السعودي؛ لذلك لم تبدُ حماسة حقيقية على بوتين وهو يستمع إلى العرض السخي من قائد الجيش السوداني، على الرغم من أنه أمّن على التعاون الاقتصادي بطريقة دبلوماسية، إلى جانب تسمية قطاعات النقل والذهب بدرجة تظهره أمام العالم رئيساً لدولة واسعة النفوذ.
ماذا استفاد البشير والبرهان؟
في مقابلة تلفزيونية، انتقد قائد البحرية في عهد البشير، فتح الرحمن محيي الدين – إسلامي متشدد – السياسات التي اتبعها البشير في العلاقات الروسية السودانية، وقال: «البشير كان مندفعاً في علاقته مع روسيا». وأشار إلى أن البشير منح روسيا قاعدة بحرية استراتيجية دون أن تقدم روسيا شيئاً.
وبحسب فتح الرحمن في المقابلة، فإن روسيا «استفادت من كل شيء ولم تقدم للسودان أي شيء». وأشار إلى أنهم لم يكونوا في البحرية السودانية راضين عن الوجود الروسي في قاعدة فلامنغو، ولم ينتهِ هذا الوجود إلا بعد تولي حكومة الثورة السلطة.
ولكن ماذا كان يريد البشير من بوتين؟
وبالعودة إلى اللقاء الذي جمعهما في 2017، كان البشير يريد «الحماية» واستمرار حكمه. ومعلوم أن البشير لم يبقَ طويلاً في السلطة بعد هذا اللقاء، وترنح بعد عام ونصف، وسقط سقوطاً مدوياً، وبوتين ينظر ولم يحرك ساكناً.
البرهان سار في طريق البشير، واندفع نحو روسيا بأكثر مما اندفع البشير، وهو يريد من بوتين إسناده في الحرب ضد قوات الدعم السريع حتى يقضي عليهم، ومن ثم يؤمن لنفسه جلوساً مريحاً على كرسي السلطة، ولكن ردة الرئيس الروسي الأولى كانت: «أوقف الحرب».
وعاد من موسكو خالي الوفاض، حتى من وعد بالتسليح. ومرة أخرى يجد القيصر موارد السودان متاحة مقابل الحفاظ على سلطة الجنرال الحاكم، لا مقابل التعاون مع أهل السودان ودعم مصالحهم.