من الشائعة إلى الرهينة.. الصحافة السودانية في قلب حرب الروايات

 

بورتسودان: (ديسمبر)

 

مضى أكثر من خمسين يوماً على اعتقال الصحفي معمر إبراهيم، المراسل المتعاون مع قناة الجزيرة، دون أن تتوفر معلومات موثوقة حول وضعه القانوني أو الصحي. وفي اليوم السادس والأربعين من اعتقاله، تسربت أنباء عن تدهور حالته الصحية داخل المعتقل، ما أثار موجة قلق واسعة وسط المدافعين عن حرية الصحافة محلياً ودولياً.

لم يمضِ سوى يومين على تلك الأنباء، وقبل التحقق من مصداقيتها، حتى تصاعدت شائعات عن وفاة معمر داخل المعتقل. تداولت منصات إعلامية وحسابات شخصية على فيسبوك ومنصة «إكس» الخبر على نطاق واسع، من دون الإشارة إلى مصدر واضح أو معلومات موثقة. وسرعان ما انخرط كثيرون في إعادة نشره، في مشهد يعكس هشاشة بيئة المعلومات في زمن الحرب.

لاحقاً، خرج علاء الدين نقد، الناطق الرسمي باسم تحالف «تأسيس»، لينفي خبر الوفاة عبر قناة الجزيرة مباشر، غير أن نفيه خلا من أي تفاصيل أو حيثيات تعزز مصداقيته، ما أبقى الرأي العام منقسماً بين مصدق ومكذب. ولم يُحسم الجدل إلا بتصريح من شقيق الصحفي المعتقل، نفى فيه خبر الوفاة وأكد أن معمر «بصحة جيدة».

 

الصحفي في قلب حرب الروايات

لم تكن الشائعات التي أُطلقت حول مصير معمر إبراهيم حادثة معزولة، بل تعبيراً مكثفاً عن واقع أوسع تعيشه الصحافة السودانية في ظل الحرب. فالقضية، التي بدأت باعتقال صحفي أثناء أداء عمله، سرعان ما تحولت إلى مرآة تعكس هشاشة البيئة الإعلامية، وتداخل المعلومات المضللة مع الصراع السياسي والعسكري.

في هذا السياق، يبرز سؤال جوهري لا يتعلق فقط بمصدر شائعة الوفاة أو أهدافها، بل بالظرف الذي جعلها قابلة للتصديق والانتشار. فغياب الشفافية، وانعدام قنوات المعلومات الموثوقة، واستمرار احتجاز الصحفيين بمعزل عن أي مسار قانوني واضح، كلها عوامل تخلق فراغاً تملؤه الشائعات وتُستثمر سياسياً.

يرى مراقبون أن استمرار اعتقال معمر إبراهيم، رغم الحملات الحقوقية المحلية والدولية، يشير إلى استخدامه كورقة ضغط سياسية وإعلامية، في حرب باتت فيها الرواية لا تقل أهمية عن السلاح. وهو ما حوّل الصحفي، في هذه الحالة، من راصد مستقل إلى عنصر داخل معركة السرديات، يُستغل وجوده أو غيابه لشحذ المشاعر وتوجيه الرأي العام.

بحسب مراقبين، فإن استمرار احتجاز معمر وسط تضارب الروايات يعكس أن القضية تجاوزت حدود العمل الصحفي، لتصبح جزءاً من معركة أوسع على السردية والشرعية. كما يمثل ذلك رسالة ترهيب مباشرة لكل الصحفيين العاملين في مناطق النزاع، تدفعهم إما إلى الرقابة الذاتية أو التوقف عن التغطية، بما يقوض حق المجتمع في الوصول إلى المعلومات.

 

من حالة فردية إلى مشهد عام

لم تعد الانتهاكات ضد الصحفيين في السودان حالات فردية أو استثنائية، بل اتخذت خلال الأشهر الماضية طابعاً واسعاً وممنهجاً. فمع اتساع رقعة الصراع، بات الصحفيون أهدافاً مباشرة، سواء داخل مناطق الاشتباكات أو في الولايات التي توصف بأنها أكثر استقراراً.

ووثقت سكرتارية الحريات بنقابة الصحفيين السودانيين مقتل 34 صحفياً وصحفية منذ اندلاع الصراع في 15 أبريل 2023، في مؤشر خطير على تدهور أوضاع السلامة المهنية. وكان آخر هؤلاء الصحفي تاج السر أحمد سليمان، مدير وكالة سونا للأنباء بالفاشر، الذي عُثر عليه مقتولاً في منزله مع شقيقه، بعد أن كانا ضمن المفقودين عقب الأحداث الأخيرة التي شهدتها المدينة.

إلى جانب القتل، برز نمط متكرر من الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، في ظل غياب أي ضمانات قانونية أو رقابة مستقلة، ما يجعل مصير الصحفيين المحتجزين رهناً لإرادة الجهات المسلحة. وسجلت النقابة العشرات من حالات الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، من بينها:

الرشيد محمد هارون معتقل منذ مايو 2025 بمدينة الجنينة. الذي صادرت قوات الدعم السريع معدات عمله بعد مداهمة منزله، عقب توثيقه لانتهاكات الحرب. نُقل لاحقاً إلى سجن «دقريس» بنيالا، ولا تزال أسرته تجهل مصيره.

مصطفى فضل المولى (أبو قوتة) مدير عام هيئة إذاعة وتلفزيون وسط دارفور، اختطفته قوات الدعم السريع في 25 سبتمبر 2025 بزالنجي، ولا يزال مصيره مجهولاً.

كذلك صحفي مخفي قسرياً منذ نوفمبر 2024 من أم درمان ولا تعلم حتى زوجته أي معلومة عن مكانه ومصيره سوى معلومة واحدة تحصلت عليها قبل أن يخرج هاتفه من التغطية عندما رد على اتصالاتها شخص مجهول أخبرها أنه لـ«جهاز الأمن» ووعدها بأن زوجها سوف يخرج. وكان ذلك قبل عيد الفطر بأيام ومنذ ذلك الوقت انقطعت الأخبار.

ولم يتوقف استهداف الصحفيين عند حدود السودان، إذ أكدت سكرتيرة الحريات بنقابة الصحفيين السودانيين إيمان فضل السيد أن اعتداءات متكررة طالت صحفيين في دول اللجوء، في تطور يؤكد امتداد مناخ الترهيب خارج الحدود. ففي مصر، تعرض الصحفي يوسف يعقوب لعدة اعتداءات، من بينها حادثة اختطاف واعتداء جسدي في سبتمبر 2025، استدعت تدخلاً جراحياً. كما تعرض المصور إبراهيم نقد الله لاعتداء عنيف بالقاهرة في مايو من العام نفسه، إضافة إلى تهديدات طالت صحفيين آخرين على خلفية عملهم الإعلامي.

بالتوازي مع ذلك، استخدمت السلطات القائمة أدوات قانونية وإدارية لتقييد العمل الصحفي، شملت سحب التراخيص، وفرض قيود على البث المباشر، والتدخل في شؤون النقابة، فضلاً عن حملات تشهير وتحريض ممنهجة ضد مراسلي القنوات الفضائية، واتهامهم بالعمالة أو نقل الإحداثيات.

 

جهود المناصرة بين المحلي والدولي

في مقابل هذا الواقع القاتم، لم تغب محاولات المناصرة والدفاع عن الصحفيين، سواء على المستوى المحلي أو الدولي. فقد ظلت نقابة الصحفيين السودانيين، في مقدمة الجهات التي ترصد الانتهاكات وتصدر البيانات وتخاطب المنظمات الإقليمية والدولية. إلى جانب منظمات حقوقية مثل المرصد السوداني لحقوق الإنسان، ومنتدى الإعلام السوداني.

وفي هذا السياق، أصدرت النقابة مع المرصد أمس، مذكرة مناصرة مشتركة طالبت فيها بالكشف الفوري عن مصير الصحفيين المعتقلين والمخفيين قسرياً، وعلى رأسهم معمر إبراهيم، ووقف استهداف الصحفيين، وضمان حمايتهم وفقاً للقانون الدولي الإنساني. كما دعت المذكرة إلى ممارسة ضغوط جادة على أطراف الصراع لاحترام حرية الصحافة وعدم استخدامها كأداة في الحرب.

وشهدت الفترة الماضية تصاعداً في الحراك التضامني، خاصة عقب اجتياح قوات الدعم السريع لمدينة الفاشر، حيث أُطلقت حملات مناصرة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، وصدرت بيانات إدانة من منظمات صحفية وحقوقية إقليمية ودولية، حذرت من خطورة ما يتعرض له الصحفيون في دارفور، واعتبرت ذلك جزءاً من نمط ممنهج لإسكات الأصوات المستقلة على رأسها مراسلون بلا حدود وجمعية حماية الصحفيين والمفوضية السامية لحقوق الإنسان.

وتبرز أوضاع صحفيي الفاشر بوصفها واحدة من أكثر النماذج قسوة في هذا المشهد. فوفقاً لمصادر نقابية، كان بالمدينة أكثر من عشرين صحفياً قبل الأحداث الأخيرة. وأسفرت المجازر وما تلاها عن مقتل الصحفي تاج السر أحمد سليمان، فيما نجا 16 صحفياً، ولا يزال آخرون في عداد المفقودين، بينهم محمد حسين آدم، المصور بالهيئة الولائية للإذاعة والتلفزيون، ومجدي الزين يوسف الزين، مراسل إذاعة دارفور FM، وجار النبي حسب الحاج. كما لا يزال الصحفي معمر إبراهيم معتقلاً بعد نقله إلى نيالا، إلى جانب أسر المصور الصحفي بابو الذي تم إطلاق سراحه لإخفائه هويته الصحفية فجرى عليه ما جرى على المواطنين بإطلاق السراح مقابل فدية مالية.

 

حرية الصحافة.. سؤال مفتوح

تكشف قضية معمر إبراهيم، بكل ما أحاط بها من شائعات واستغلال سياسي وتضارب في الروايات، عن واقع بالغ القسوة تعيشه الصحافة السودانية في زمن الحرب. واقع لا يهدد سلامة الصحفيين وحياتهم فحسب، بل يضع الحق العام في المعرفة على المحك، ويحوّل الحقيقة نفسها إلى ساحة صراع.

 

وبين اعتقالٍ بلا مسوغ قانوني، وشائعات تُطلق بلا مساءلة، وانتهاكات تمتد من مناطق النزاع إلى المنافي، تبدو حرية الصحافة في السودان اليوم وكأنها إحدى رهائن هذه الحرب. غير أن استمرار جهود المناصرة، مهما بدت محدودة الأثر، يذكّر بأن المعركة من أجل الصحافة ليست معركة الصحفيين وحدهم، بل معركة مجتمع بأكمله من أجل حقه في أن يعرف، وأن يسأل، وألا يُحاصَر بالصمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *