الاعتداء على فنزويلا وتهديد غرين لاند، بداية حقبة استعمارية جديدة

الاعتداء على فنزويلا وتهديد غرين لاند، بداية حقبة استعمارية جديدة

إبراهيم حمودة

ناقد وصحفي

بعد اتخاذ مقعده في البيت الأبيض فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العدو والصديق بفرض رسوم جمركية ذات طابع عدواني على المكسيك وكندا والصين، ولم يسلم من ذلك حتى أصدقائه وحلفائه في القارة الأوروبية.

وقتها تساءل الكثيرون: أين حرية التجارة؟ وأين السوق المفتوحة؟ وفي خضم ذلك أين مبدأ الديمقراطية التي تملي اتخاذ القرار بشكل مؤسسي حتى داخل نظام رئاسي مثل النظام الأمريكي؟.

يعلم كل اقتصادي أن مبدأ الحماية يعطل ويضر بالتجارة وبحركة رأس المال في ظل مرحلة العولمة التي جعلت حركة رأس المال أكثر حساسية لأي تغييرات غير محسوبة وغير مألوفة، إذ تؤدي بشكل مباشر لتأرجح البورصة وأسعار الأسهم للشركات الكبرى الممتدة، الأمر الذي يهدد بمليارات الدولارات من الخسائر بين عشية وضحاها.

 

الحقيقة أن الناس صدقوا الكذبة الكبرى حول مبدأ التجارة الحرة والسوق المفتوحة.

الحقيقة أن فكرة التجارة الحرة منذ بدايتها تم فرضها إما بالقوة، أو التهديد بالقوة. فبلدان مثل بريطانيا كانت تحمي صناعتها بفرض رسوم جمركية حمائية عالية منذ أول إجراءات لحماية صناعة النسيج والصوف في العام 1720 إلى العام 1860 حينما رأت بريطانيا التخلي عن فكرة حماية صناعتها بعد أن وصلت مرحلة لا يمكن أن تسابقها دولة أخرى. ففي العام 1870 كانت بريطانيا تنتج تقريبا نصف الإنتاج العالمي من البضائع في وقت كان فيه عدد سكانها يساوي 2.5% من عدد سكان العالم.

أمريكا بدورها دخلت هذا المجال متأخرة بعد نهاية الحرب الأهلية (1861-1865)، حين انتصر الشمال الصناعي على الجنوب المناهض للصناعة ولمبدأ حمايتها وينادي باستيراد البضائع الجيدة والرخيصة من بريطانيا. ففي الفترة ما بين 1830 – 1930 كانت أمريكا تفرض أعلى نسبة ضريبة استيراد على الإطلاق.

وللتوسع في التجارة الحرة فرضت ومنذ بداية القرن التاسع عشر بين 1820-1850 اتفاقيات جائرة على الشرق القديم؛ بلاد فارس والامبراطورية العثمانية ومملكة سيام المعروفة الآن بتايلاند. ثم انتقل الأمر لبلدان أمريكا اللاتينية التي نالت استقلالها حديثاً في بداية القرن التاسع عشر، حيث كُبِّلت باتفاقيات طويلة لم تنتهِ إلا في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر. كذلك الصين التي فرضت عليها اتفاقات مخجلة بعد خسرانها حرب الهيروين في العام 1842.

خلاصة الأمر ولحماية صناعتها واقتصادها عمدت بريطانيا تحديداً وأمريكا إلى عقد اتفاقات غير عادلة مع هذه الدول، وفرضت عليها اتباع ضريبة استيراد تتراوح بين 3-5 بالمائة، وهي لا تكفي إلا لتسيير دولاب الدولة بالكاد، مقابل تعريفة عالية تفرضها أمريكا وبريطانيا قد تصل إلى 30-40 بالمائة. شرح ذلك بشكل مبسط الاقتصادي هان جون شانغ، الأستاذ بجامعة كامبردج، في كتابه المسمى: “الاقتصاد، دليل الاستخدام”.

من ناحية أخرى، وكنتيجة حتمية للصراع من أجل مراكمة الثراء وتطوير الصناعات والبقاء في المنافسة العالمية، لجأت الدول الأوروبية الكبرى إلى صراع محموم من أجل وضع اليد على ثروات البلدان التي ليست لها صناعات ولا فائدة من فرض اتفاقات تبادل معها ولو كانت جائرة. فاحتلت بريطانيا ماليزيا وسنغافورة وميانمار، بينما وضعت فرنسا يدها على كمبوديا وفيتنام ولاوس.

عرفت الفترة بين 1870-1913 بالقرن الليبرالي الذهبي، وهي تسمية تقول وقائع التاريخ بأنها مضللة بفعل طابع القوة الذي تم استخدامه في نشر فكرة التجارة الحرة والسوق المفتوح، وأيضاً وقائع عمليات الحماية التي مارستها الدول الاستعمارية للحفاظ على صناعاتها وقدرتها التنافسية في هذه السوق.

بالعودة إلى ما يفعله ترامب الآن، ظل الناس يربطون بين السوق المفتوحة والتجارة الحرة واللبرالية عموماً بالنظام الديمقراطي. في الحقيقة إن الليبرالية الكلاسيكية لا ترغب إلا في أقل القليل من الحكومة، ومن ثم ترك الباقي لمفعول السوق. فحسب الآباء المؤسسين؛ توماس هوبز وجون لوك، فإن حرية الفرد هي الأساس، خاصة فيما يتعلق بالتملك والتصرف، وأن وجود حكومة وقوانين الغرض منها حصراً حماية هذا الحق للفرد.

وحتى منتصف القرن العشرين كان الليبراليون لا يؤمنون مثلاً بالحق الديمقراطي للنساء لممارسة أي حقوق سياسية باعتبارها كائناً ضعيفاً وغير موثوق في قدراته. وفي البداية أيضاً لا يثقون في منح مثل هذا الحق للفقراء للتصويت، لأنهم سينتخبون حكومات تعمل ضد مبدأ الملكية الحرة وحمايتها وتقييد مراكمة الثراء. كما أن آدم سميث نفسه ذكر، وبشكل لا مواربة فيه، أن الغرض من الحكومة هو حماية الأغنياء ضد الفقراء.

هذا ما حاول ترامب فعله منذ ولايته الأولى، مثلاً، بإعادة هيكلة البلديات للتأثير على الكليات الانتخابية داخل الولايات، ثم توزيع مراكز الاقتراع بشكل يجعل وصول الفقراء إليها أمراً صعباً، بجعلها متفرقة وعلى مسافات بعيدة من أماكن سكنهم، مع العلم أن معظمهم لا يملكون سيارات، أو فقدوا رخصة قيادتهم لأسباب كثيرة مرتبطة بواقع الفقر.

خلاصة القول إن الليبرالية الكلاسيكية لا تؤمن بشكل كامل بالديمقراطية، والليبرالية الجديدة لا ترفض الديمقراطية، لكنها لا تمانع في التضحية بها من أجل حماية حق التملك الفردي.

على هذه الخلفية فهجوم ترامب على فنزويلا لا يخرج عن ديناميك الرأسمالية في مرحلتها الحالية و”مانترا” النمو التي ظهرت علامات دخولها في طريق مسدود، فصار لا بد من وضع اليد على ثروات النفط في فنزويلا كجزء من الإرث الامبريالي القديم في سبيل الثراء.

سوف لن تنتهي هذه الحقبة بفنزويلا وحدها، غرين لاند التابعة لمملكة الدنمارك هي المرشح التالي، وربما غويانا بثروتها النفطية، وربما بلدان الخليج. وسوف لن يقتصر الأمر على أمريكا، فروسيا لها مطامعها في أوكرانيا وجورجيا ودويلات البلطيق، والصين لها مطامعها في تايوان. إنها بداية الحقبة الاستعمارية القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *