سلمى وجابر وآخرون.. انكشاف فساد “حرب الكرامة”
تقارير: (ديسمبر)

عندما وقف القائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان في مؤتمر الخدمة المدنية في أبريل 2025 متحدثاً عن فساد الوزراء ومدراء المكاتب، كانت الرسالة في بريد الكثيرين أن تضارب المصالح والتنافس في أكل المال العام بلغ شأواً بعيداً، ولدى آخرين كان البرهان ذلك اليوم يقول نصف الحقيقة أو أقل قليلاً، وبالذات عندما قال “كل زول عيَّنوهو في الخدمة المدنية قايل الوظيفة دي حقتو جاب أخوهو وجاب ود أختو”، لأن أشهر الجالسين في مكتب البرهان في القصر الرئاسي وهو حسين الحفيان ابن خال البرهان شخصياً، الذي لا يعلم أحد من أين جاء ولا كيف جاء. أما شقيقه حسن البرهان المحامي دائماً ما يُطرح اسمه كلما تناول الناس سيرة “استغلال النفوذ”.

الأيام الماضية طفحت قصص فساد حقيقية في العلن، كانت بمثابة قمة جبل الجليد، والقصص التي تداولها الناس بكثافة في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي انتهت باستقالة عضوة مجلس السيادة سلمى عبد الجبار وبحل لجنة إبراهيم جابر لتهيئة الخرطوم. وعلى الرغم من ذلك ينظر عالمون ببوطن الأمور إلى أنها “قصص الأسماك الصغيرة” بينما تختبئ الأسماك الكبيرة في صفقات المواد البترولية وتصدير الذهب واستيراد السلع الغذائية وشراء الأسلحة للمقاومة الشعبية والجيش. وما تأكد عبر حوادث الأسماك الصغيرة التي تكشفت أن فساد “حرب الكرامة” غير مسبوق، بينما يعاني السودانيون ويلات التشرد والنزوح والموت بالحمى.
سلمى العودة للقديم
الشهر الماضي دخل مندوب سلمى عبد الجبار عضو مجلس السيادة الحاكم إلى مكتب آيات الله مدير مكتب أراضي محلية الخرطوم حاملاً مستندات أرض يريد تخليص إجراءات بيعها. تصرف الموظف المسن وفق ما تعلمه طوال سنوات عمله الطويلة، فأخرج قرار والي الخرطوم الذي يمنع التعامل في الأراضي الاستثمارية، واعتذر بلباقة عن عدم إمكانية إتمام الإجراء. غادر المندوب ومعه المستندات وعاد آيات الله إلى مكتبه ليكمل عمله معتقداً أن الأمر انتهى. لكن العاصفة كانت قد بدأت للتو.
في اليوم التالي لم تكن الزيارة من مندوب، بل كانت سلمى عبد الجبار نفسها تدخل المكتب برفقة شقيقتها ومرافقيها. سألت عن سبب الرفض فأخرج آيات الله قرار الوالي مجدداً وشرح لها بهدوء الموقف القانوني. ما لم يضعه آيات الله في الحسبان أن سلمى تدربت في سلك نظام المؤتمر الوطني، والذي لا يفصل بين المال العام والحق الخاص، وأن السلطة تعني التكسب عبر النفوذ.
سلمى تفقد أعصابها
شهود عيان تحدثوا لـ(ديسمبر) قالوا إن سلمى فقدت أعصابها تدريجياً، ثم فجأة ودون مقدمات ضربت الطاولة براحة يدها في مشهد لم تألفه جدران ذلك المكتب المتواضع واتهمت الرجل المسن بالتواطؤ ضدها شخصياً. ألم نخبركم أن سلمى ربيبة النظام القديم! غادرت مغاضبة ولكنها ستعود مصطحبة معها نافذاً آخر وهو الأمين العام لحكومة الولاية ووزير التخطيط العمراني الذي كان منفعلاً، وفي لحظات ودون تحقيق أصدر قراراً شفوياً بطرد آيات الله من مكتبه ومنعه من العودة إلى العمل، بل ومنعه حتى من المرور في الشارع الذي يقع فيه مكتب الأراضي. وفي اليوم التالي صدر القرار الرسمي بإيقافه عن العمل. هنا تسرب الخبر للصحافة في بورتسودان، ووضعت “سمكة صغيرة” اسمها سلمى عبد الجبار في عين العاصفة.
الأرض محل الخلاف
قطعة الأرض والمستندات التي حاولت سلمى تمرير إجراءات بيعها بها تشير إلى أن الأرض مملوكة لوالدها عبد الجبار المبارك الصوفي المعروف والمقرب من تنظيم الإخوان المسلمين. الأرض تحولت لاحقاً إلى مجمع “عباد الرحمن الإسلامي” الذي يحمل صفة الوقف الديني. والوقف وفق الشريعة الإسلامية والقانون السوداني لا يجوز بيعه أو توريثه كاملاً أو مجتزأً، لكن من يرغب في الاجتزاء هي ابنة الواقف نفسه التي تجلس في أعلى هرم السلطة. وتعليقاً على الحادثة قال وزير الشؤون الدينية والأوقاف نصر الدين مفرح أن المجمع يندرج ضمن دور الأوقاف التي تقع تحت مسؤوليته، وشدد على ضرورة حماية الأصول الوقفية لكنه التزم الصمت حيال هذه الواقعة.
الوصاية العائلية على مؤسسات الدولة
الأكثر إثارة للانتباه في هذه القصة هو الدور الذي لعبته شقيقة سلمى في هذه الأحداث. مصادر مطلعة من بينها الصحفية رشان أوشي كشفت عن وجود حالة من الوصاية العائلية على مكتب عضو مجلس السيادة، حيث تحضر الشقيقة الفعاليات الرسمية وتتدخل في إدارة المكتب وتشارك في صنع القرار دون أن تملك أي صفة دستورية أو قانونية.
هذا التدخل وصل إلى درجة أن مدير مكتب سلمى نفسه قدم استقالته في وقت سابق احتجاجاً على تقويض صلاحياته، وتحول المكتب إلى ما يشبه نفوذاً عائلياً حيث لا يعود الفيصل هي الكفاءة أو الاختصاص بل العلاقة الشخصية والقرابة.
كبري الحلفايا عضو سيادة جديد
في نفس الأسبوع تقريباً كانت هناك فضيحة أخرى تتصاعد تتعلق بعقد صيانة كوبري الحلفايا. الذي وقعته الحكومة عقد صيانة للكوبري تضرر جزء منه بسبب الحرب بمبلغ 11 مليون دولار، وهو عقد ذبحت فيه اللوائح والقوانين والشفافية بدم بارد. وما تكشف أن التعاقد تم دون عطاءات أو منافسة وشاهد الناس فجأة حفل توقيع وتصفيق. الشركة التي استحوذت على أعمال الكوبري تعود ملكيتها لرجل أعمال معروف بعلاقاته مع النظام السابق، بل إن صهره هو علي عثمان محمد طه القيادي البارز في تنظيم الإخوان المسلمين والمتهم بالتورط في انقلاب 1989. هذا العقد تحول إلى ورقة في الصراع على النفوذ داخل السلطة الحاكمة في بورتسودان. على طرفي النقيض كان إبراهيم جابر، عضو مجلس السيادة الذي كان يشرف على لجنة إعادة إعمار الخرطوم وشاهد توقيع العقد، وكامل إدريس رئيس الوزراء الذي كان يريد السيطرة على ملف الإعمار.
كامل إدريس وبتحريض من مستشاره الاقتصادي حسين الحفيان، الذي تربطه صلة قربى مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، بدأ الهجوم على إبراهيم جابر عبر عقد الكوبري، وشن إعلاميون ومنصات موالية حملة ضد جابر، ثم أصدر رئيس الوزراء توجيهاً بمنع الوزراء من التعامل مع أي لجان خارج الحكومة التنفيذية، وأخيراً صدر قراراً من البرهان نفسه بحل اللجنة التي كان يرأسها جابر.
بدا الأمر وكأن كامل إدريس قد انتصر في معركته. لكن جابر رد في تسجيل مصور كشف فيه عن ملفات فساد أخرى تخص خصومه مؤكداً وجود وزارات استأجرت عقارات بالدولار رغم توفر مقار حكومية شاغرة، وأن عقود الإيجار هذه تمت دون علم رئيس الوزراء نفسه، معلناً إحالة الملف إلى التحقيق وإلغاء العقود المخالفة.
حادثة الكبري تاهت بين صراع جابر والحفيان، ولكن كانت الرسالة أن خلافات “الأسماك الصغيرة” ستقود إلى الأسماك الكبيرة، وينتظر الناس بشغف اسم الوزير النافذ في حكومة “الحرب” الذي سيجلس في كرسي التحقيق في النيابة العامة.

تمويل الميليشيات من أموال الدولة
في خضم هذا الصراع على القمة كان هناك مشهد آخر لا يقل خطورة يتعلق بتمويل المليشيات من أموال الدولة. خطاب متداول كتبه سيد أحمد الجاكومي، قائد ميليشيا كيان الشمال التابعة للجيش، يطلب فيه من وزير المعادن التبرع له بمبلغ مالي لإجراء عملية عيون. وزير المعادن نور الدائم وافق وحول مبلغ 10 ملايين جنيه من شركة أرياب للتعدين الحكومية. وعلى الرغم من أن الجاكومي يظهر على أنه “أصغر الأسماك”، إلا أن مطالبة الجاكومي المتواضعة كشفت عن نمط آخر من الفساد: تمويل الأنشطة العسكرية والموالية من أموال التعدين، تماماً كما كان يحدث في عهد النظام البائد عندما كانت يموّل الأمن الشعبي والحركات المسلحة من أموال الدولة دون رقابة أو محاسبة، كيف لا والمقاومة الشعبية هي “اسم الدلع” للمجاهدين السابقين على حد قول عبدالحي يوسف.
في انتظار الأسماك الكبيرة
هذه الحلقات المتصلة من الفساد من قضية آيات الله المظلوم إلى وقف عباد الرحمن المنتهك إلى عقد الحلفايا المريب إلى تمويل الجاكومي من شركة أرياب إلى الصراع المحموم بين جابر وإدريس وحسين الحفيان، كلها ترسم صورة واحدة لا لبس فيها: دولة تتآكل من الداخل أصبح الفساد فيها هو القاعدة وليس الاستثناء، ويتسابق مسؤولوها على نهب ما تبقى منها بينما شعبها يتضور جوعاً ويشرد في أصقاع الأرض. إن الدولة في السودان أصبحت رهينة للأشخاص والنفوذ هو القانون والعلاقات هي المؤهلات والفساد هو النظام في دولة لا يعمل فيها القانون، بل تعمل فيها العلاقات لا تحمي الموظف الملتزم بل تحمي النافذ مهما تجاوز، وتواصل رفع شعارات محاربة الفساد بينما تمارسه في وضح النهار. وإلى حين الكشف عن “جبل فساد حرب الكرامة” كاملاً وظهور الأسماك الكبيرة “حيتان الفساد” سوف يتبين للسودانيين أن ما خسروه خلال هذه الحرب كسبه قلة نافذون لهم صلة بالنظام القديم، تضاعفت ثرواتهم وحظوظهم خلال هذه الحرب.