الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي: الحرب تآكل منهجي لمستقبل السودان
لوكا ريندا: السودان يخسر 18.8 مليار دولار حتى مع تحقيق السلام في 2026
الخرطوم: (ديسمبر)

في تعليق على تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، حذّر لوكا ريندا، الممثل المقيم للبرنامج في السودان، من أن الحرب لا تقتصر على تدمير الحاضر، بل تؤدي إلى “تآكل منهجي لمستقبل بلد”.
وكشف ريندا أنه حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً بتحقيق السلام في عام 2026، سيظل السودان يخسر ما يُقدَّر بـ18.8 مليار دولار من ناتجه المحلي الإجمالي بحلول عام 2043. وأوضح أن التقرير رصد أضراراً تتجاوز فقدان النشاط الاقتصادي، وتمس أسس الاقتصاد ذاته: الزراعة، الصناعة، الخدمات، والمؤسسات الحكومية.
تدمير ممنهج للبنية التحتية
وفقاً لتقديرات البرنامج، فقد السودان 6.4 مليار دولار من ناتجه المحلي الإجمالي في عام 2023 وحده، وهو العام الذي اندلعت فيه الحرب، وكان الناتج المحلي آنذاك 26 مليار دولار. ووصف ريندا هذه الخسارة بأنها تعكس “انهياراً متزامناً في جميع الأجزاء الرئيسية من اقتصاد السودان”.
ألحقت المعارك أضراراً جسيمة بالأراضي الزراعية وأنظمة الري وشبكات النقل، مما أدى إلى انخفاض مساحة الأراضي المزروعة بنسبة 15%. وفي المدن، انهار النشاط الصناعي بنحو 90% بسبب تدمير المصانع وانقطاع الكهرباء، مما تسبب في إغلاق آلاف الشركات وفقدان الوظائف.
أما في قطاع الطاقة، فقد فقدت البلاد ما يصل إلى 40% من قدراتها على التوليد، بينما دُمّرت البنية التحتية الرئيسية للمياه، مما قطع المياه النظيفة عن المجتمعات. وقد تحققت منظمة الصحة العالمية من أكثر من 200 هجوم على منشآت الرعاية الصحية، مع عمل أقل من 14% منها بشكل كامل في مناطق النزاع.

انهيار سوق العمل وتراجع الدخول إلى أدنى مستوى منذ 1992
كانت الزراعة، التي كانت توظف حوالي 55% من القوة العاملة، عماد الاقتصاد السوداني. لكن الحرب تسببت في تقلص الأراضي المزروعة، مما أضعف قطاعاً كان يعيل ملايين الأسر. وتراجعت الدخول المتوسطة إلى مستويات لم تُشهد منذ عام 1992، وفقاً للبرنامج. كما انكمش الاقتصاد غير الرسمي، المصدر الرئيسي للعيش لكثير من السودانيين، بسبب نقص الموارد والنزوح. وقد أُجبر أكثر من 14 مليون شخص على مغادرة منازلهم، مما جعل الحفاظ على سبل العيش شبه مستحيل.
توقف مصفاة الجيلي وانهيار النفط
توقفت مصفاة الخرطوم (الجيلي)، التي كانت تعالج سابقاً ما يصل إلى 100 ألف برميل يومياً وتلبي نحو نصف احتياجات السودان من الوقود، عن العمل منذ يوليو 2023. وقال مسؤولو المصفاة إن أجزاء من المنشأة دُمّرت، وتحتاج أقسام أخرى إلى استبدال كامل بعد الضربات المتكررة في عامي 2024 و2025. ورغم استعادتها من قبل الجيش في 2025، إلا أنها لا تزال خارج الخدمة.

انهيار الجنيه وارتفاع جنوني للأسعار
انهار الجنيه السوداني من حوالي 570 مقابل الدولار قبل الحرب إلى ما بين 3500 و3600 اليوم، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء السوداني. هذا الانخفاض جعل الواردات باهظة الثمن، وشهدت أسعار السلع الغذائية ارتفاعاً حاداً، ما أدى إلى خروجها تماماً من متناول الغالبية العظمى من السكان.
طفولة ضائعة ومستقبل مظلم
قال ريندا: “لا يمكن فهم انهيار اقتصاد السودان من خلال الأرقام وحدها. الطفل الذي يولد في السودان بعد أبريل 2023 يدخل عالماً حيث المستشفى مُغلق، والمدرسة لا تعمل، والأسرة نزحت غالباً. هذه طفولة ضائعة، وتعليم ضائع، وصحة ضائعة”.
وقد وُلد حوالي 5.6 مليون طفل منذ بداية الحرب، كثير منهم في ظروف لا تعمل فيها المرافق الصحية. ويعاني الآن ما يقارب نصف السكان من نقص حاد في الغذاء، بينما أفادت ما يقرب من 90% من الأسر النازحة بأنها لا تستطيع توفير ما يكفي من الطعام.

تحذير: كل شهر إضافي يكلف أرواحاً
وإذا استمر الصراع، فسيهبط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1700 دولار، ويرتفع الفقر المدقع إلى أكثر من 60% من السكان، مما سيدفع 34 مليون شخص إضافي إلى الحرمان.
واختتم ريندا تحذيره قائلاً: “كل شهر من استمرار الصراع يؤدي إلى ترسيخ أضرار أعمق وأكثر لا رجعة فيها. كل شهر إضافي يكلف أرواحاً ويُعمق الأضرار الهيكلية. الأولوية الأكثر إلحاحاً هي وقف الصراع. الخيارات التي تُتخذ الآن ستُحدد ما إذا كان يمكن عكس مسار السودان من بعد”.